
بترا - يحتفظ الصحفي الخمسيني محمد فرحان بقلم غال على قلبه ليس لكونه يحمل اسم إحدى الماركات العالمية، بل لأنه وبقدرة الله تعالى حماه من رصاصة طائشة غافلته بينما كان آمنا يستظل شجرة وهو في إجازة.
يقول الزميل فرحان لوكالة الأنباء الأردنية (بترا): "هزت كياني اللحظات الأولى لارتداد الرصاصة عن القلم الذي كان في جيب قميصي، والتي ارتطمت بعدها بكتفي الأيسر، وظننت لوهلة أنني فارقت الحياة، لأكتشف أن صوت الانفجار الناجم عن تلك الرصاصة أحدث جرحا مؤلما في كتفي، أما الرصاصة وهي من عيار 9 مللمترات فقد وجدتها على أرض الحديقة، ولا زلت أحتفظ بها".
الرصاص الطائش من عيارات نارية، ورغم كل التحذيرات والمناشدات والحملات الداعية إلى الحد من انتشاره يبقى صورة نمطية تصاحب الأفراح والمناسبات، هي يد على الزناد تطلق رصاصا يدوّي في فضاءات الفرح ليرتد مخترقا أو مستقرا في أجساد بريئة كانت تتوق للفرح قبل أن يتسلل إليها رصاص لا يعرف طريق العودة دون أن ينجز مهمته بقتل أو إيذاء أو إعاقات.
ويضيف فرحان الذي يعمل في صحيفة الغد: استذكرت في ثوان هي" صحوة موت أم غفوة حياة " وجه أمي التي فارقت الحياة قبل عشرة أعوام، والقلم الذي نجاني بفضل الله تعالى الذي كان انعكاسا للكلمة الحرة، فيما لا تحمل الرصاصة التي كادت أن تنال مني بسبب اقترابها من منطقة القلب عنوانا آخر غير الموت والألم.
ولم يدر من اين فاجأته الرصاصة، لكنه علم لاحقا بأنها أطلقت جراء الابتهاج بفوز إحدى فرق (مونديال) 2010 الذي شهدته جنوب افريقيا أخيرا متسائلا: هل هذه طريقة إنسانية، ولا نريد أن نقول حضارية، للتعبير عن المشاعر؟ يقول: "نحن ولجنا العصر المديني لكن من يقوم بإطلاق العيارات النارية لم يدخل العصر المدني بعد، بل أنه يتصرف بعقلية ذكورية بائدة، بيد أننا بحاجة ماسة لحشد طاقات الأجيال من أجل القضاء على هذه السلوكيات غير المسؤولة".
أما العشريني يزن العبداللات الذي يحمد الله سبحانه وتعالى لنجاته من الموت، فقد عايش تجربة الرصاص الطائش حين كان في طريقه لأحد مساجد عمان لأداء صلاة المغرب، وفي الطريق إليه سمع صوت انفجار أعقبه تكسّر زجاج سيارته الأمامي، ثم ما لبث أن رأى آثار حريق موضعي على المقعد الأمامي الموازي له ليكتشف أنه جراء رصاصة أرسلت له على جناح فرح مبتهج بإحدى حفلات الزفاف، واستقرت على كتاب كان وضعه على المقعد.
يقول: "من هول المفاجأة التي لم أعرف مصدرها في البداية كدت أدعس سيدتين كانتا على الرصيف الذي انحرفت صوبه سيارتي دون قصد، إذ إنني فقدت السيطرة عليها جزئيا، بعدها ترجلت منها لاعتذر للسيدتين اللتين تفهمتا موقفي حين حملت لهما الرصاصة التي لسعتني درجة حرارتها".
ويقول: بعد ذلك أكملت طريقي إلى المسجد وصليت صلاة المغرب، وركعتين شكرا لله تعالى، إذ كتب سبحانه لي عمرا جديدا، ويقول ممازحا: إنا لم أتزوج إلى الآن، لكن حين يكتب لي الله تعالى ذلك لن أسمح بإطلاق رصاصة واحدة مهما كلف الأمر، كما أنني لن أقوم بتلبية أي دعوة زفاف يتم فيها ذلك، حتى لو كان أقرب الناس إلي.
وتساءل: إنه إذا كان مطلقو العيارات النارية مهووسين بالرماية فهنالك أندية متخصصة بذلك، فليفرغوا طاقاتهم فيها.
أما الأربعيني محمد خالد خويلة فقد أصابته رصاصة طائشة في ظهره وهو جالس في مزرعة، والغريب كما يقول إنه لم يشعر بها بالبداية، إلا أنه ولدى عودته إلى منزله لاحظ ذووه الدماء تغطي قميصه من الخلف، ليتبين له وبعد أن نقل إلى المستشفى أن الطلقة التي لم يعرف مصدرها أصابته في المنطقة العلوية من العمود الفقري، خضع على إثرها لعمليات جراحية أقعدته المستشفى لأيام.
الحاجة الستينية ابتسام أبو ربيع التي كانت تصلي العشاء جالسة على كرسي في إحدى غرف بيتها المغطى سقفها بلوح من (الزينكو) أصيبت برصاصة سقطت عليها بعد أن اخترقت السقف لتستقر في رجلها التي اخضعت لعلاجات استمرت لأشهر ثلاثة، الرصاصة وبحسب ابنها الذي يشدد على أهمية تغليظ العقوبات بحق مطلقي العيارات النارية كانت قد أطلقت ابتهاجا بنتائج الثانوية العامة.
ووفقا للناطق الإعلامي في مديرية الأمن العام المقدم محمد الخطيب فإن ظاهرة إطلاق العيارات النارية تعد مشكلة حقيقية، وإنه ما من أحد يمانع الفرح أو التعبير عنه لكن ليس عبر السلاح بصوته المرتفع وبنيرانه التي تثير الرعب وقد تقلب مناسباتنا الجميلة إلى حزن.
ويؤكد أن المديرية ووزارة الداخلية تعملان على قدم وساق للحد من اقتناء أو حمل الأسلحة إلا في حالات محددة جدا مشفوعة باشتراطات تضمن الحد من انتشارها.
ويوضح في هذا الصدد أن عدد القضايا ذات العلاقة بإطلاق العيارات النارية وصل منذ بداية العام الحالي حتى الشهر الماضي إلى سبع قضايا نتج عنها إصابتان بجروح دون وفيات والحمد لله، فيما تم الكشف عن الجاني، مطلق العيار الناري في أربع قضايا منها.
أما العام الماضي كما يضيف فقد شهد 30 قضية إطلاق لعيارات نارية، تم الكشف عن 18 من مرتكبيها، أسفرت عن 7 إصابات بجروح ولا وفيات أيضا.
ويبين أن عام 2008 سجل ما يقارب 19 قضية من ذات النوع، بلغ عدد المصابين فيها سبعة، وشهدت وفاتين، منوها إلى أن السنوات الأربع الماضية - عدا عن الحالات التي ذكرت خلال الأشهر الستة الماضية- شهدت ما يقارب 43 إصابة بإطلاق عيارات نارية طائشة، أسفرت عن ثلاث وفيات.
وفي هذا السياق يقول المقدم الخطيب إن دور مديرية الأمن العام حيال قضايا إطلاق العيارات النارية يتركز على تسلم الشكاوى والبلاغات ذات العلاقة، ثم العمل على ضبط مطلق العيار الناري، وضبط السلاح الذي استخدم في إطلاقه، ومن ثم تسليمه للقضاء.
ويوضح أنه ولدى العلم بحيازة أي شخص لسلاح ناري بلا ترخيص يجري العمل على تفتيشه بعد الحصول على موافقات ليتم ضبط السلاح، مشيرا إلى وجود ضوابط صارمة لرخص واقتناء السلاح وإلى ان معاقبة المخالفين ليس فيها أي تساهل.
وحول اقتناء السلاح يشير إلى أنه ليس بالأمر السهل، إذ تحكمه ضوابط ومحددات صارمة، ومنها أنه لا يجوز منح رخصة اقتناء سلاح إلا لمن هو حسن السيرة والسلوك، كما أن هناك محاذير تتعلق بحمل الأسلحة خلال المناسبات والمؤتمرات والجنازات ومواكب الأعراس والاجتماعات التي ينوف عدد المجتمعين فيها عن عشرة أشخاص.
ويحذر المقدم الخطيب المواطنين ونحن على اعتاب إعلان نتائج الثانوية العامة من مغبة الفرح من بوابة إطلاق العيارات النارية على أن يكون التعبير عنه حضاريا ومنسجما.
عميدة كلية التربية في جامعة الإسراء الدكتورة زهرية عبد الحق ترى أنه وبمجرد قيام شخص بالضغط على الزناد لإطلاق العيار الناري فإنه يكون قد فقد لغة الحوار مستبدلا إياها بمنطق القوة والتفوق والسيطرة على الآخر.
وتشدد على أهمية منهجة محاربة حمل أو اقتناء السلاح ابتداء من البيت والمدرسة والمعاهد والجامعات، منوهة إلى أنه ليس من الضرورة إهداء الصبي مثلا منذ طفولته مسدسات وأسلحة ليظن أن من حقه اقتناءها في المستقبل.
إن عملية التواصل بين الناس مرت وبحسب أستاذ علم الاجتماع ومدير إذاعة الكرك المجتمعية الدكتور حسين محادين من خلال إشهار هذه العلاقة بأشكال ووسائل متباينة بدأت منذ استخدام الطبل مرورا بإشعال إشارات النار، ولاحقا واستثمارا للتطور التكنولوجي جاء إطلاق العيارات النارية استكمالا لهذا الإشهار الذي قصد منه التعبير عن قوة مستخدمه وقدرته على جذب الانتباه.
ويفسر أن التعبير عن هذه القوة بهذه الطريقة غير الحضارية ترسل إشارات لمن لا يستطيع القيام بإطلاق عيارات نارية بأنه ضعيف، بمعنى أن العلاقة بين من يمتلك السلاح والصوت العالي المنبعث منه ومن لا يمتلكه هي علاقة مغالبة واستعراض قوى.
لكن كان ذلك يبدو جليا كما يوضح الدكتور محادين في المساحات الشاسعة كالصحراء مثلا التي تستلزم فضاءاتها الصوت العالي الذي ينطلق من العيار الناري للدلالة على المكان، كما كانت تستوجب النداء الزاجر حيث لا وسائل أخرى قبل الثورة التكنولوجية والمعلوماتية.
ورغم التحولات الاجتماعية والحضرية بقيت أساليب الاستعراض والمغالبة حاضرة في العقل الجمعي، إذ إن مطلقي العيارات النارية يعتقدون أن في ذلك انعكاسا لمدى قوتهم وقدرتهم على الإقناع، وربما إجبار محيطهم على القبول بالأمر الواقع ما ينسحب على مجمل حياتهم بحسب قوله.
ويشير إلى أن إصرار من يتوقون إلى المغالبة للتعبير عن رجولتهم من خلال إطلاق العيارات النارية يمثل رسائل عدة منها: عدم اكتراثهم بمفاهيم دولة القانون والمؤسسات، أو عدم اعترافهم بأي طرق بديلة للتعبير عن الفرح على اعتبار أنها بعيدة عن العادات والتقاليد، هذا فضلا عن استهتارهم بأرواح الناس "إذ إن فنجان قهوة كفيل بتبديد أي مشكلة" وفقا لمحادين.
ويرى أنه والحالة هذه نحن نحتاج إلى توعية قانونية واجتماعية ونفسية من أجل تعديل سلوك جمعي يعيش على ما يبدو مرحلة التريث الحضري، مشيرا إلى أهمية التوعية من خلال حملات مكثفة وبالتعاون مع جميع الجهات ذات العلاقة لتتم على مدار العام وتستهدف وسائل الإعلام كافة، ولا سيما من خلال التركيز على قصص واقعية عاشت تجارب الإصابة جراء عيارات نارية طائشة لتشكل بدورها صدمة لكل من يشاهدها أو يسمع بها.
أستاذ الفقه في جامعة اليرموك الدكتور أسامة الفقير يقول إن الشريعة الإسلامية تدعو إلى الفرح وإظهاره، وهذا ثابت في سنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم منوها إلى أن هذه الدعوة تحكمها ضوابط وقواعد محددة.
ويشير إلى أن من أهم هذه القواعد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا ضرر ولا ضرار) أي أن كل فعل يؤدي إلى ضرر فهو ممنوع، ومحاسب عليه شرعا وقانونا.
ويبين أن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وضع ضوابط لاستخدام السلاح، ومنها ألا يؤدي استخدامه إلى الإضرار بالمواطنين الأبرياء بقوله صلى الله عليه وسلم (إن من كان يحمل نصلا أو سهما ومر بسوق المسلمين فوجب عليه أن يغطيه حتى لا يؤذي الأبرياء) وهذا نص واضح يؤكد أن الإسلام يمنع الضرر بالأبرياء بكل أشكاله جملة وتفصيلا.
ويقول الدكتور الفقير إن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن مجرد الترويع أو إثارة الخوف عبر الإشارة بالسلاح على الأشخاص، فكيف بمستخدميها الذين قد يتسببون بقتل أو إيذاء الآخرين، مؤكدا أهمية عدم التهاون مع كل من يطلق العيارات النارية من خلال إسقاط الحق العشائري أو القانوني.
الشيخ ضيف الله القلاب يتطلع إلى أن يكون قدوة للآخرين في محاربة هذه الظاهرة من منطلق ابدأ بنفسك ثم ادع الآخر، عندما منع استخدام السلاح وإطلاق العيارات النارية في جميع مناسبات أفراحه الأسرية وفقا له.
يقول الشيخ القلاب: "لقد بدأت بنفسي من أجل محاربة هذه الظاهرة ولذلك عندما تخرج أبنائي من جامعاتهم لم أطلق رصاصة واحدة، ومنعت جميع المهنئين من القيام بذلك، كما منعت إطلاق العيارات النارية في أعراس أبنائي حتى أكون قدوة للآخرين".
ويستذكر حادثة شهدها منذ أكثر من 15 سنة ما زال تأثيرها حاضرا في وجدانه إلى يومنا هذا، عندما شاهد طفلا لم يتعد عمره السنوات السبع وقد سقط على الأرض أثناء لعبه بأحد الشوارع العامة نتيجة اختراق رصاصة طائشة لرأسه أودت بحياته، فما كان من والدته إلا أن وهبت جميع أعضاء جسده الحيوية تبرعا لمن يحتاجها كصدقة جارية لوجه الله تعالى.
ويقول إن ما نشهده اليوم من سلوكيات باستخدام الأسلحة وإطلاق العيارات النارية كتعبير عن الأفراح وإعلان للمناسبات هو أمر مستجد ولا يتصل بالعادات والتقاليد العشائرية بأي شكل من الأشكال.
وحمل إطلاق العيارات النارية في الماضي أسبابا ومعاني هامة كما يشير الشيخ القلاب تتمثل بأن هذا الأجراء كان وسيلة اتصال متبعة لإعلام القبائل عن حدث ما كالغزوات والأفراح، مبينا أن اتباع هذه الوسيلة كان نتيجة لبعد المسافات بين القبائل وصعوبة الاتصال والوصول اليها.
ويستذكر في هذا السياق وسيلة أخرى للاتصال عرفت بالماضي بـ(صياح المنادي) وهي عبارة عن المناداة بصوت عال لأبعد شخص ليقوم الآخر بدوره بتكرار المناداة وصولا إلى ابعد قبيلة ممكنة.
ويشير بهذا الصدد إلى أن إطلاق العيارات النارية في الماضي كان يتم في المناطق والأراضي الخالية من السكان والبعيدة عن البيوت، وبالتالي إن ارتدت الرصاصة إلى الارض فإنها تسقط على أرض خالية.
ويقول: أما الآن فقد يتسبب إطلاق العيارات النارية ضمن التجمعات السكانية المكتظة بإصابة المواطنين الأبرياء بالرصاص أثناء سقوطه على الارض، لافتا بهذا الصدد إلى أن سرعة الرصاصة أثناء ارتدادها إلى الارض تعادل سرعتها أثناء خروجها من السلاح وصعودها إلى أعلى.
ويدعو الشيخ القلاب المواطنين إلى الابتعاد عن إطلاق العيارات النارية في الأفراح والمناسبات لما لها من أضرار سلبية تنم عن الاستهتار بحياة الأبرياء، إضافة إلى ما ينجم عنها من خسائر مادية ومعنوية، مشددا على ضرورة تفعيل القانون وتغليظ العقوبات على المخالفين.
يشار إلى أن قانون الأسلحة والذخائر المعمول به ينص على إيقاع العقوبة على كل من يطلق عيارا ناريا دون داع بما يصل إلى الحبس لمدة ثلاثة أشهر أو بغرامة مالية قدرها ألف دينار، أو بكلتا العقوبتين، فيما يصادر السلاح المستخدم سواء أكان مرخصا أو غير مرخص.
اخلاص القاضي/بشار الحنيطي
منقول عن وكالة بترا للأنباء
بتاريخ: 25/7/2010
ابحث
أضف تعليقاً