نصر الدين شقلال
رئيس جمعية الإصلاح والإرشاد
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على إمام الأنبياء وسيد المرسلين وقائد المصلحين محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.. وبعد:
الضيوف الأفاضل: من علماء وأساتذة وإطارات سامية في الدولة ونواب للشعب و منتخبين وأساتذة و ممثلين للمجتمع المدني الفاعل وأسرة الإعلام...
الإخوة والأخوات المشاركون في أشغال هذه الندوة الدولية
أيها الحضور الكريم:
تحية طيبة مباركة أزفها إليكم جميعا مُرحباً بكم في مستهل هذه الندوة الدولية المباركة فأقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبمناسبة العام الهجري الجديد 1432 هـ تقبلوا مني ومن الجمعية أسمى عبارات التبريك وأعبقها سائلا المولى تعالى أن يجعل هذا العام مباركا علينا وعلى الأمة الإسلامية جمعاء ومؤذنا بالفرج والسعد وبالنهضة والتقدم على مختلف الأصعدة "فكل عام وأنتم إلى الله أقرب ولأمتكم أخدم".
كما أثنّي بالشكر الجزيل للإخوة الأفاضل القائمين على المنتدى العالمي للوسطية على تشريفهم لنا بالتنسيق معهم في تنظيم واحتضان هذا الندوة الدولية حول الوسطية و دورها في الحفاظ على السلم الإجتماعي في الجزائر ، وأصدق التحية وأطيب الإمتنان لضيوفنا من المشايخ والأساتذة الذين سيثرون بمحاضراتهم ومداخلاتهم جوانب الموضوع المطروح للدراسة في ملتقانا هذا.
أساتذتي الأكارم، أيها الإخوة الأفاضل والأخوات الفضليات:
إن الوسطية سمة هذه الأمة، وبها تُعْرف دون الأمم، بل هي ميزة ميّزها الله تعالى بها على غيرها من الأمم لقوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}، والوسطية في أمة الإسلام حالة محمودة تدفع للالتزام بهديه دون انحراف عنه، أو تغيير فيه، بل تستقي الهدي الصادق من النبع الصافي، لتجعل الأمة عادلة تقيم العدل بين الناس، وتنشر الخير، وتحقق عمارة الأرض بوحدانية الله، والإخاء الإنساني بين البشر، فيعطى في ظل الإسلام كُلُّ ذي حقٍّ حقَّه.
كما أن الوسطية تعني أعدل الأحوال، كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم للثلاثة رهط، حين تقالُّوا عبادةَ النبي، فقال لهم: «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني».
وقد فهم الصحابة والسلف ذلك المعنى من الوسطية، فعن الخليفة الرابع للمسلمين -رضي الله عنه- قوله: «عليكم بالنمط الأوسط، فإليه ينزل العالي، وإليه يرتفع النازل ». وفي رواية: «يلحق بهم التالي، ويرجع إليهم الغالي». وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: «إنّ من أحب الأمور إلى الله القصد في الجدة، والعفو في المقدرة، والرفق في الولاية، وما رفق عبدٌ بعبد في الدنيا إلا رفق الله به يوم القيامة».
وقد عنى النبي صلى الله عليه وسلم بالوسطية –أيضا-أنها البعد عن الشطط والانحراف والغلو، فقال صلى الله عليه مسلم: «وإياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين»([9])، وقوله صلى الله عليه وسلم: «يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا، إنما بعثتم ميسِّرين ولم تبعثوا معسرين».
وقد تنادت أصوات العلماء حديثًا تدعو الأمة للرجوع إلى الوسطية وقامت الجماعات والهيئات على غرار جمعية الإرشاد والمنتدى العالمي تعمل جاهدة من أجل استعادة هذا المنهج في الفكر والعمل، والذي لا يعني أبدا -كما يشير الدكتور عمارة- منهجا هلاميًّا، بل الوسط هو الموقف الأصعب إذ ليس بالسهل واليسير أن نكون وسطا في التصور والاعتقاد.. وفي التفكير والشعور.. وفي التنظيم والتنسيق.. وفي الارتباطات والعلاقات.. وفي المكان والزمان..
و لقد عرفت الجزائر صحوة إسلامية قوية على غرار بقية العالم الإسلامي في سبعينيات القرن الماضي ولم يكن للجزائر كونها حديثة عهد بالاستقلال مؤسسات يأوي الناس إليها ليهتدوا بتوجيهاتها ويستنيروا بهديها مثل ما كان الحال قبل الاستدمار فلقد كانت المؤسسات كالمسجد و الزوايا تلعب هذا الدور للحفاظ على الاستقرار و السلم الاجتماعيين.
في ظل هذه الظروف عرفت بلادنا فلتات فكرية لم تجد موجها أو مرجعية هادية و مع غياب ثقافة الوسطية ، و رفض الآخر و سياسات الأنا و غياب الحوار وصل بنا الحال إلى موجة من العنف و التطرف تحت دعاوى كثيرة ، منها دعوى الانسداد السياسي و نقص الحريات.
انساق الكثيرون وراء تلك الدعاوى تحت تأثير هالة إعلامية صاحبت تلك المرحلة، فأضحىت ثقافة التسامح و الحوار غريبة و من يدعو إليها صوتا نشازا لا يلتفت إليه أحد بل يتهمه البعض بالمداهنة والتزلف حينها دعت جمعية الإرشاد والإصلاح على لسان مؤسسها الأول الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله إلى التعقل وترك التطرف والعودة إلى تعاليم الإسلام السمحة
وعندما اعتدت يد الإرهاب الآثمة على رئيس الجمعية الثاني الشهيد الذبيح محمد بوسليماني عليه رحمة الله و رضي الله عنه الذي فضَّل أن يروح إلى ربه شهيدا على أن يفتي بكلمة تبيح لقاتليه إراقة قطرة واحدة من دماء الجزائريين.
وبدل أن تدفعَ موتُه أبناءَ الجمعية إلى التطرف كما توقع المتطرفون فإنهم دعوا إلى المصالحة الوطنية في مسيرة مليونية يوم 08/ماي/1994 في وقت دعا فيه الكثيرين إلى مزيد من العنف و العنف المضاد.
ومن فضل الله على هذا الوطن وببركة الشهداء ومواقف المجاهدين المخلصين ثاب الناس إلى رشدهم وأصبحت المصالحة الوطنية مطلب الجميع وتكللت مساعي رئيس الجمهورية المجاهد عبد العزيز بوتفليقة في موضوع المصالحة بالنجاح هذه الأدوار الحضارية التي تضطلع بها كذلك هيئات ومؤسسات مثل جمعية الإرشاد و الإصلاح ، و المنتدى الدولي للوسطية و غيرهما من علماء و مثقفين و سياسيين و إعلاميين و نشطاء حقوقيون، ولعل أبرز تعريف لما نريده نحن بالوسطية يمكن أن يشمله ويلخصه أحد العلماء حين يقول:
" الوسطية التي نزمع أن نضرب فيها بسهم في مسيرة الأمة والإنسانية هي أن نقدم تصوراً إسلامياً مرتبطاً بالزمان والمكان والإنسان، موصولاً بالواقع، مشروحاَ بلغة العصر، منفتحاً على الاجتهاد و التجديد في محله ومن أهله، جامعاً بين النقل الصحيح والعقل الصريح، منفتحاً على الحضارات بلا ذوبان مراعياً للخصوصية بلا انغلاق، محافظاً في الأهداف، متطوراً في الوسائل، ثابتاً في الكليات، مرناً في الجزئيات، يستلهم الماضي، يعايش الحاضر، يستشرف المستقبل، يرحب بكل قديمٍ نافعٍ، و ينتفع بكل جديد صالح، و يلتمس الحكمة من أي وعاء خرجت".
فانظروا إخواني وأخواتي ما أحوج الأمة اليوم إلى التمسك بهذا المنهج السامي فالوسطية هي حبل النجاة وسفينة الإنقاذ اليوم لأمتنا العربية والإسلامية من التيه والضياع -بل الهلاك والدمار- الذي يُهدد حاضرها ومستقبلها، ذلك أن معظم قضاياها الفكرية والعملية الكبرى تضيع فيها الحقيقة بين طرفين متباعدين: طرف الغلو أو التطرف أو التشدد أو الإفراط، وطرف التسيب والتفريط والتقصير والإضاعة.
لهذا كان لزاما علينا اليوم وعلى ورثة الأنبياء من العلماء الذين يحملون عِلم النبوة وميراث الرسالة، أن ينفوا عن الإسلام تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين، وأن يتبنوا منهج الوسطية ويبينوه للناس ويدافعوا عنه ويُجَلّوا مزاياه حتى يغدو المنهج الذي تلتزم به الأمة جمعاء في الفكر وفي الحياة وتستعيد به مجدها الضائع وريادتها وشهادتها على الناس ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.
و للجمعيات دور و للمجتمع المدني دور و للمؤسسات الرسمية أدوار كبيرة في تبني هذا المنهج كأداة رسالية حضارية لحل مشاكل المجتمع و فضها دون تمييز أو إنحياز و معالجة الأنماط السلوكية الشاذة في المناهج التربوية و التعليمية و المتابعة المستمرة لقياس هذه السلوكيات و تصحيحها في مهدها و بترها قبل أن تستفحل "هذا ما يمكننا أن نناقشه في هذه الندوة"، فدورنا جميعا أن نحافظ "و ما أصعب أن نحافظ" على مجتمع متماسك تحكمه المبادئ و القيم التي جاء بها ديننا الحنيف.
حياكم الله جميعا مرحبا بكم ثانيا في بلدكم الأول الجزائر و السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته.
ابحث
أضف تعليقاً