ورقة
مخاطر وأثار التطرف والإرهاب وطرق معالجتها
(النفسية، الإجتماعية، الإقتصادية، المعيشية، والسياسية وتأثر الحقوق المدنية)
بسم الله الرحمان الرحيم
مخاطر وأثار التطرف والإرهاب وطرق معالجتها
(النفسية، الإجتماعية، الإقتصادية، المعيشية، والسياسية وتأثر الحقوق المدنية)
بعد كلمات التقديم والمجاملة
السيدات الفضليات
السادة الأفاضل
يتهرب صناع القرار في العالم كلّه من تعريف الإرهاب كلما تعلق الأمر بالمعالجات الأمنية والمكافحة العالمية المشتركة، وينطلقون من فرضيّة تبدو خاطئة أو منحازة، وهي أن الإرهاب هو "نبتة شيطانية" زرعها مسمى الإسلام السياسي في أقطاره المختلفة في العالم الثالث ثم عمل على "تهجيرها" إلى أوروبا وأمريكا مستغلاًّ ثورة الإعلام والإتصال وهوامش الحريات المتاحة في العالم الحر، وقد كشفت أحداث 11 سبتمبر 2001 عن جزء من هذه الحقيقة مما جعل هذه الظاهرة تأخذ بعدًا عالميا تطلَّب تضافر جهود البشرية كلها لاجتثاثه من أصوله وتجفيف منابعه واستئصال شأفته.
في اعتقادنا : إن هذه المقاربة منحازة وغير عادلة وغير حكيمة.. لأنها تعطي للإرهاب لونا إيديولوجيا وتحاول إلصاقه جغرافيا وتاريخيا بالعالم الإسلامي، ومن مجمل التحليلات الأمنية التي يقدمها الخبراء عادة في دراساتهم حول هذه الظاهرة المعولمة نفهم أن الحرب على الإرهاب قائمة على تفسير أحادي لنشأته وهو العامل السياسي وربما أضيفت إليه عوامل أخرى منها الفقر والتهميش والإغتراب..، لذلك كان التصدي له قائما على المقاربة الأمنية وحدها وكلتاهما – التحليل والتصدي- إجتزاء مخل بمنهج البحث يفصل الظاهرة عن أسبابها المعقدة، مما يجعل العلاج مبتسرًا ويوسع آثارها ويجعل طرق المعالجة أكثر تعقيدا وكلفة، وأوسع رقعة مما تحاول الجهات الرسمية والأمنية حصرها فيه.
ولأن هذه الورقة تعرض أساسا المخاطر، والأثار، وطرق العلاج، فإننا سوف لن نتناول تفاصيل هذه الظاهرة ونكتفي بالتوصيف العام وتلخيص طرق المعالجة على جميع الصعد.
أولا، المخاطر والآثار : التطرف هو اختيار العيش على هامش المجتمع والتربص به للانقضاض عليه في أية لحظة، بتبرير أنه مجتمع غريب عن نفسية المتطرفين وهو سبب مآسيهم، وأن الوقوف على النقيض من سياساته وتوجهاته..هو السبيل الوحيد للفت انتباه المجتمع لمن يعتقدون أنهم يعيشون فيه غرباء، فاعتقادهم أن فرض منطق التطرف على المجتمع كله أو الإنتقال به من التطرف الفكري إلى الإرهاب المسلح يشبع في أعماقهم مشاعر مكبوتة ناجمة عن غرابة الإنتماء أو إنفصام الذات عن المجتمع أو تعدد الإنتماءات..بالسعي لإثبات الذات عن طريق صنع بطولات منتقمة من الآخر !!
فالعلاقة بين التطرف والإرهاب هي علاقة إحساس نفسي بالغربة ونزوع سلوكي بالقوة، فكل متطرف هو مشروع إرهابي مؤجل بانتظار الظروف الملائمة لشحنه وإيجاد الوسائل المتاحة للإنفجار في وجه المجتمع، وكل ذلك خاضع لمستوى الضغط الإقتصادي والإجتماعي والسياسي والأمني، لذلك نجد رقعة الإرهاب تتسع كلما ضاقت هوامش الحريات وانقطعت وسائل الإتصال والحوار..والأقرب إلى تفسير هذه العلاقة العكسية بين ارتفاع موجة التطرف وانخفاض مستوى الإتصال بالآخر هو ضيق هوامش الحريات وانحسار دوائر النقاش والحوار، ومردّ ذلك يعود، في نظرنا، إلى ثلاثة أسباب جوهرية لكل سبب تفريعاته وامتداداته وجذوره الكامنة في اللاّشعور..
أولها، اعتقاد المتطرف أنه على حق، وأن كل من يخالفه الرأي "عدوّ" له يتربص به الدوائر، ويريد إخراجه من العالم الإفتراضي الذي صنعه لنفسه وآمن به، وهذا السبب يدفعه إلى اعتزال المجتمع نفسيا وفكريا وربما حتى إجتماعيا، ليعيش في عالمه الخاص في مسمى "العزلة الشعورية" أو الإعدام السيكولوجي للآخر.
وثانيها، عجز النخب والمؤسسات الرسمية عن استيعاب وتأطير قطاعات واسعة من المجتمع ضمن أنساق فكرية وثقافية واجتماعية متجانسة تتضامن فيما بينها وتتعاون لتوفر لجميع أفراد المجتمع فضاءات للتعارف والمناقشة والحوار..مما يجعل العناصر الشاذة في المجتمع تتحرك أو تنشط تحت رقابة ذاتية منه تتكفل المؤسسات الرسمية والنخب..بالتربية والتكوين والتأهيل والمتابعة والرعاية ضمن سياسات إنمائية وبرامج علاجية متنوعة يكون المجتمع نفسه طرفا فيها.
وثالثها، اعتماد الأنظمة -التي ابتليت بموجات العنف والإرهاب- كلها تقريبا، الحل السهل، وهو المعالجة الأمنية القائمة على فكرة الإستئصال وقطع الدابر والتخلص من كل "مشبوه" ومحيطة بالتصفية الجسدية على أساس أنه عضو متعفن في جسم مجتمع معافى، ولا سبيل لحماية الدولة والمجتمع من شروره، إلاّ ببتره وإتلافه بالقوة الأمنية والعسكرية، فتوكل الدولة للأجهزة الأمنية وحدها هذه المهمة، لمواجهة الإرهاب بالسلاح والتصفية الجسدية التي نرى ترتيبها يأتي في آخر درجات العلاج وليس أولا.
ما هي المخاطر الكبرى التي يشكلها التطرف والإرهاب؟
أخطر المخاطر يتمثل في غياب الأمن وفقدان السلطة السياسية لهيبتها وتعطيل سيادة القانون، ففي ظل التدافع المادي العنيف بين السلطة القائمة والعناصر المتطرفة والجماعات الإرهابية يصبح المجتمع كله مهددا، وتصيب الفتنة الأقربين والأبعدين والمواطنين والرعايا لقوله عز وجل : "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة" الأنفال:25، فإذا حصل هذا في أي مجتمع أو في أية دولة ولم تهب القوى المجتمعية مع النخب والجهات الرسمية..بتطويقه في المهد اتسعت رقعة الصراع وتوالدت المخاطر التي يمكن أن نسوق منها بعض النماذج على سبيل التذكير، لا الحصر، لأن الإرهاب الفكري أو السياسي أو الإيديولوجي (القائم على عقيدة ما) إذا تحول من مجرد قناعات إلى فعل مادي، فإنه يفرض واقعا استثنائيا على حياة الناس يتخذ عادة أحد شكلين:
وإذا كانت حالة التعبئة العامة تمثل أعلى درجة من درجات التحسيس واليقظة مقارنة بحالة الطوارئ في مجال التشريع، إلاّ أن بعض الأنظمة تلجأ إليها حتى لا تعطل العمل بالدستور، وفي الوقت نفسه تهيئ مواطنيها لقبول سياسة الأمر الواقع لإعادة تكييف عملي لعلاقة الحق بالواجب، بمنطق حق القوة الذي يفرض هذا الوضع الطارئ من منطلق أن الحق العام أولوية وطنية وأن فرض السيادة الوطنية مقدم على حقوق الأفراد والحريات الخاصة، فتكون الآثار الناجمة عن هذه الوضعية عديدة ومتنوعة وذات إنعكاسات سلبية على الواقع برمته.
ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى بعض هذه الآثار المتعدية للدلالة على المخاطر الجسيمة التي يشكلها التطرف والإرهاب على الحقوق والواجبات، بل على مقاصد الشريعة الإسلامية نفسها، حيث يصبح الحديث عن حفظ النفس، والدين، والعرض، والعقل، والمال، وصيانة الحريات الفردية والجماعية حديثا استثنائيا يسبقه الحديث عن حق واحد، هو : الحق في الحياة (أي حفظ النفس من التهديدات الإرهابية) فمع تفاقم موجة العنف والإرهاب تصبح حياة الناس جميعا خاضعة لوضع إستثنائي..
ذكرنا هذه الأمثلة البارزة الناجمة عن ممارسات الفكر المتطرف والنشاط الإرهابي كآثار مباشرة ناجمة عن المخاطر الظاهرة للعيان ليسهل علينا تصور حجم المشكلات التي تفرضها هذه الظاهرة التي صارت اليوم معوْلمة وعابرة للقارات، وبحاجة إلى تضافر جهود الأسرة الدولية كلها للحد من انتشارها أولا، ثم تقديم المعالجات المتنوعة لها، لإخراجها من منطق "الكل الأمني" إلى منطق التحليل والفحص واقتراح المعالجات الملائمة لكل نوع من أنواع التطرف، وكل شكل من أشكال الإرهاب.
صحيح توجد قواسم مشتركة كثيرة بين التطرف الفكري والإرهاب السلوكي في أبعادها العالمية، لاسيما بعد فرض منطق "الفوضى الخلاقة" وتجربة سياسية "تجفيف المنابع" بالضربات الإستباقية في كل من أفعانستان والعراق، بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، حيث تحول العنف والتطرف والإرهاب من صبغته الوطنية (المحلية) إلى امتدادات دولية ليأخذ شكل التنظيم الدولي، ويتطور سلاحه من الأسلحة الفردية إلى أسلحة "التدمير العدمي" وتتسع نطاقاته الجغرافية من بعض الأقطار ليتوسع إلى الكرة الأرضية كلها، فتصبح له تنظيمات هيكلية وشبكات تواصل، وقيادات دولية ومخازن أسلحة..بل وصار يتحدث بصوت مرفوع عن حكومات قائمة ودولة في طريق التأسيس وليس مجرد وجود رافض داخل كيان دولة نافذة..
فمادام العنف قد طور أدواته ووسع جغرافية حركته وانتقل من مرحلة التطرف المحلي إلى طور الإرهاب الدولي، فلا مناص من أن يضطلع المفكرون ومؤسسات المجتمع المدني بمهمة جديدة هي تطوير الفكر الحرّ لمواجهة مدّ موجة العنف العاتية بأساليب متطورة ومتنوعة..تتكافأ مع هذه التطورات الدولية باقتراح مقاربات عملية تسهم في الجهد المشترك لمعالجة الفكر المتطرف وامتداداته الإرهابية في العالم كله.
ومساهمة منا في هذه المقاربة العملية لمعالجة هذه الآفة، نقدم تصورا عاما لطرائق المعالجات المقترحة في ضوء التجارب المنتهجة من بعض الأنظمة التي عانت من هذه الظاهرة، كقاسم مشترك أوسع لمعالجة مخاطر وآثار التطرف والإرهاب، ثم نستعرض نموذجا لصورتها في الجزائر والتصدي لها بين 1992-2012.
ثانيا، المقاربة والعلاج : إن المجتمعات التي تستفحل فيها ظاهرة العنف والتطرف والإرهاب، وتدوم طويلا حتى تصير حالة إجتماعية مألوفة، هي مجتمعات مهددة بالزوال، أو بالتفكك الإجتماعي والسياسي والإنقسام إلى كيانات صغيرة هشة.. لذلك لابد من تدارك هذا الوضع بالأخذ في الحسبان مسألتين بالغتي الخطورة في فهم طبيعة التطرف، وهما :
ليس صوابا أن يخلع الرأي العام عباءة الإسلام على المتطرفين فيصفهم بالإرهاب الإسلامي، أو التطرف الديني، أو "الدولة الإسلامية"..أو أي صفة لصيقة بالإسلام، فذلك يضفي عليهم غطاءا للتعاطف ممن لا يفرقون بين الجهاد المشروع والإرهاب المنبوذ، أو بين المقاومة المسلحة لتحرير الأرض وحماية الأوطان والدفاع عن القضايا العادلة، كما هو الحال في فلسطين مثلا، وبين استخدام السلاح الأعمى في الحروب الأهلية تحت أية ذريعة، فالحق الصريح لا يتواجه مع الحق الصريح، إلاّ إذا نشب صراع ظرفي بين طائفتين اقتتلتا تأويلا لنص محكم بشروط صارمة يدرجها القرآن الكريم تحت مسمى: "البغي" ويدعو إلى التعاون على مقاتلة الطرف الباغي ليثوب إلى الرشد: "فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله" الحجرات:09، مما يعني أن إحدى الطائفين كانت تقاتل الأخرى وهي باغية وزائغة عن الحق.
ثالثا، المعالجات الشاملة : (المأساة الوطنية في الجزئر : نموذجا) ، كل ما سبق بيانه كان إطارا فكريا نظريا لمخاطر وآثار العنف والتطرف، ونأتي الآن لعرض خلاصات المعالجات الشاملة لبعض البلدان التي عانت ويلات العنف والتطرف والإرهاب، ونستعرض مسمى "المأساة الوطنية" التي حصلت في الجزائر بين سنوات 1992-2012، ومازالت بعض "الجيوب" تتحرك في أماكن معزولة لم يتم تطهيرها نهائيا، مما صار يعرف باسم : الخلايا النائمة التي تقوم ببعض العمليات الإرهابية بين الفينة والأخرى للتذكير بوجودها، وتحاول أن توجد لنفسها غطاء يضفي عليها شرعية ما تقوم به من إجرام في حق الإنسانية، بإعلان إنتمائها لمنظمات إرهابية لها امتدادات إقليمية ودولية، لاسيما بعد الحرب على العراق وأفغانستان، وما يحدث اليوم في ليبيا وسوريا واليمن والصومال..وسواها..والتوترات الحاصلة في مالي والساحل وامتداداتها في النيجر ونيجريا..وعلى الضفة الأخرى من المتوسط.
فما الذي حدث في الجزائر؟ وكيف تمت المعالجات؟
إن الحصيلة الدموية من الأرواح التي سقطت خلال عشرين عاما في الجزائر بين سنوات 1992-2012، تكفي دليلا على ضراوة ما حدث، فسقوط أزيد من 100 ألف قتيل عدا المعطوبين والمفقودين والمهاجرين قصْرا هروبا من جحيم القتل العدمي، دون الحديث عن المنشآت المحطمة والمؤسسات التي تم حرقها وإتلافها والتنمية التي تعطلت والصورة التي شوهت..كل ذلك كان بحاجة إلى معالجات واسعة ومتنوعة تمس مكونات العنف ودوافع الإرهاب كلها مسّا مباشرا بتعاون جميع القوى الوطنية وبمساهمات أهل الفكر والرأي والدعوة والمحاججة الشرعية من داخل الوطن وخارجه.
وقد مرت هذه المعالجات بثلاث محطات متكاملة ومترابطة ومتدرجة في الزمن، تضافرت فيها جهود جبارة وحشدت لها الأمة كل طاقاتها، لتصل إلى نهايات موفقة صنعت تجربة ثرية جديرة بالدراسة واستخلاص النتائج مع مراعاة خصوصية كل قطر بشعار : "لكل بلد إرهابه" لأن دوافع العنف الأولى ليست واحدة ومغذياتها تختلف من بلد لآخر..
وبالموازاة مع ذلك سعى العلماء والدعاة وذوو التأثير في الرأي العام بما كان لهم من أرصدة علمية وزاد شرعي وعلاقات مع أسر الضالعين في العمل المسلح لإقناع أبنائهم وذويهم بمد أيديهم إلى دولتهم التي بادرت بمد يدها لأبنائها، فكان من نتائج هذه المبادرة التي امتدت 04 سنوات 1995-1999 أن أعلن فصيل كامل من المسلحين الذين كانوا يمثلون الجناح المسلح للجبهة الإسلامية للإنقاذ (المسمى الجيش الإسلامي للإنقاذ) من وضع السلاح والدخول في هدنة من طرف واحد، مع النظام، مما خلخل البنية التنظيمية لبقية الفصائل المسلحة وخفف من الضغط على المواطنين وأعطى أملاً في بجنّب الحرب الأهلية وتلافي ما هو أخطر. (ملحق الأمرية المتضمنة تدابير قانون الرحمة).
وهذه أكبر انجازات الحوار المتعدد الأطراف بين الجماعات المسلحة وقوى المجتمع من جهة وبينهم وبين ممثلي الدولة المدنيين والعسكريين من جهة أخرى، بالتوازي مع وضع تشريعات قانونية أوجدت للمغرر بهم منافذ مشرفة لمراجعة النفس والتخلي عن السلاح !؟! لكن هذه الخطوة بمقدار ما جلبت من خير فإنها استفزت فصائل أخرى مسلحة فأسرفت في القتل وتنافست على ابتداع أساليب مروّعة في نشر الرعب بين الناس، وإطلاق أسماء مرعبة على مجموعات الإقتحام والتفجير والقتل العشوائي..كالجماعة الإسلامية المسلحة، والموقعون بالدم، وكتائب الأهوال، والقيامة، والموت..وسواها.
لقد كانت الجراح مفتوحة، وكانت أسر المفقودين –الذين قدر عددهم بحوالي 7000 مفقود- تطالب بكشف الحقيقة، كما طالبت بعض الأسر بتعويضات عادلة ومتساوية بين المقتولين جميعا من قوات الأمن والجيش والدرك والدفاع الذاتي..ومن حملة السلاح على قدم المساواة!! كونهم جميعا أبناء الجزائر وكلهم ضحايا "المأساة الوطنية" وقد شكّل هذا المطلب نقطة حرج صعبة كانت بحاجة إلى بعض الوقت لتأخذ طريقها إلى التنفيذ (قانون الوئام المدني ملحق).
ويمكن القول : إن هذه المرحلة التي امتدت 06 سنوات 1999-2005 قد حلحلت كثيرا من العقبات، وصار النقاش – الذي كان محظورا - مقبولا بين أبناء الجزائر، ولكن الأمر كان بحاجة إلى جرعة أكثر تركيزا تستغرق جوانب أخرى نفسية واجتماعية واقتصادية وشرعية، مع استصحاب البعد السياسي الذي كانت السلطة مصرة على استبعاده نهائيا من النقاش بحجة ضعف الرأي العام المحلي الرافض لعودة الحزب الذي تسبب وحده، في نظر السلطة، في المأساة الوطنية إلى النشاط السياسي خوفا من العودة إلى مربع العنف والتطرف والإرهاب.
ج- مرحلة المصارحة والمصالحة :وهي الخطوة الثالثة التي احتاجت إلى استفتاء شعبي عام، للذهاب إلى مصالحة وطنية
يتم خلالها طيّ ملف الصراع بين أبناء الوطن الواحد ويتنازل كل طرف عن جزء من حقة من أجل الجزائر ومن أجل تأمين وحماية مستقبل الأجيال، على أن ترافق هذه المصالحة إجراءات تنفيذية تعوض الضحايا جميعا بما يجبر الخواطر ويبعد الأحقاد ويشيع في المجتمع روح التسامح والتنازل.
ومع أن المصارحة لم تأخذ حقها الكامل بسبب حرج الكشف عن حقيقة قتل كثير من الضحايا وبسبب الضغط العالي المتعاكس الذي كانت تمارسه أسر الضحايا من جهة وأسر المفقودين من جهة أخرى، لمعرفة الحقيقة، فقد كانت كثير من الأمور غامضة إلاّ في حدود الإعتراف الضمني بالخطأ في حق الدين والدولة والوطن والتاريخ، واتخاذ بعض التدابير المتعلقة بإعادة دفن الجثث أو تحديد أماكن قبورها..فطول مدة الصراع وحجم الخسائر البشرية والتخلف الإقتصادي والتنموي والتشويه الذي لحق الإسلام وصورة الجزائر في الخارج، عقدت الوضع وجعلت له تداعيات خطيرة، بيْد أن الجهود الفكرية والدعوية والحوار المباشر مع هؤلاء، والأدوار الرائدة التي لعبها العلماء والدعاة والمفكرين ووسائل الإعلام..كلها كانت عوامل مساعدة على إنجاح مسعى المصالحة الوطنية وتهدئة الأوضاع، كما إضطلع علماء النفس والإجتماع وكثير من جمعيات المجتمع المدني بأدوار مكملة للجهود الرسمية، فما أن حلت سنة 2012 حتى شاعت روح التسامح والتصالح والتنازل بين الناس جميعا، فرفعت حالة الطواؤئ المعلنة منذ عشرين عامًا، وأخذت الحياة العادية تأخذ طريقها إلى التطبيع مع الواقع الجديد الذي تكفل تنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية برد كثير من الحقوق الإجتماعية والمدنية إلى اصحابها بالتزامن مع حركية سياسية ومجتمعية ساهمت في العودة التدريجية إلى طبيعة الإستقرار والأمن (ميثاق السلم والمصالحة الوطنية مرفق).
الملاحظات الختامية : أختم هذه الورقة بملاحظتين أراهما جديرتين بالذكر في هذا السياق لنستكمل بهما هذه المقاربة في المعالجات من منظور حيادي لا يهمه إلاّ البحث عن مخرج مشّرف لوضع حرج وقعت فيه الأسرة الدولية كلها، وأخد طابعا عالميا "معوْلما" وعابرا للقارات.
وهذه سياسة دولية رعناء تنتج التطرف والعنف والإرهاب وتعطي لكل راغب في التدمير حجة قوية ليقتل باسم : حق الدفاع عن النفس، أو عن الهوية أو ضد الغزو الأجنبي لأقطار هي حق لأصحابها وثروات هي ملك لأهلها وعقيدة توجب على معتنقيها نشرها وتأمين الحريات لها وتحطيم الحواجز التي تقف في طريق كرامة الإنسان وحقه في أن يكون حرا كريما.
شكرا لكم..والسلام عليكم.
ملحقات الورقة :
1/- أمر 95-12 مؤرخ في 25 رمضان عام 1415هـ الموافق 25 فبراير سنة 1995، يتضمن تدابير الرحمة.
2/- قانون رقم 99-08 مؤرخ في 29 ربيع الأول 1420هـ الموافق لـ 13 يوليو سنة 1999، يتعلق باستعادة الوئام المدني.
3/- تنفيذ ميثاق السلم والمصالحة الوطنية.
4/- ميثاق من أجل السلم والمصالحة الوطنية.
ابحث
أضف تعليقاً