wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
مكافحة الإرهاب تبدأ بإنصاف المسلمين
الاثنين, December 9, 2013 - 02:00

   الانفجارات الأخيرة في أنحاء روسيا، وما أعلنت عنه قبلها وزارة الداخلية السعودية بشأن الكشف عن "خلايا" و"أسلحة" وتجدد تفجيرات بغداد تطرح مجدداً هذه القضية. ولا يبدو لي أن ثمة أملا لمكافحة "الإرهـاب" واسـتئصال جـذوره، من جانب القوى العالميـة المعنية، إلا بحـدوث "إنصاف" للمسلمين عموماً وللعالم الإسلامي في أهم القضايا، ولكل حالة لبوسها، وفي مقدمتها قضية فلسطين. 
     فقد صبر العرب والمسلمون طويلاً بانتظار "الإنصـاف" الذي يأتي ولا يأتي. ولم يصبـح بعضهم "إرهابيين" إلا في السنين الأخيرة وإذا كانت هناك جهات تستغل هذا الوضع وتصنع الإرهاب فهي تستثمر هذه الحالة لصالحها، كما يفعل أي طرف آخر حيال أي وضع. 
    وما أزال على قناعة، وأعتقد أن الآخرين يمكن أن يصلوا معي إلى "كلمة سواء"، إذا تجردوا من رواسبهم وأحكامهم النمطية المسبقة، بأن أي إنسان لا يخرج من بطن أمه وهو يعتمر حزاماً ناسفاً أو يحمل عبوة متفجرة، بل إن الظروف المحيطة به هي التي تدفعه إلى ذلك. هذا مع عدم إغفال النوازع الشخصية التي تدفع البعض لانتهازها. 
   وتمثل تجربة الصين قبل حوالي مائة عام تجربة مهمة للغاية، وحيث أفرزت ظروفها التاريخية المذلة تنظيم "الملاكمين" The Boxers الذي كان تنظيماً "إرهابيا" بامتياز ولم يجلب للصين غير الاحتلال الأجنبي والكوارث الإنسانية وزاد من معاناتها، إلى أن تجاوزته بحركات أسهمت، على المدى التاريخي، في تحويلها إلى ما هي عليه اليوم من منعةٍ وتقدم. 
   وكان كاتب هذه السطور قد تناول مراراً تلك الظاهرة التاريخية، والظواهر المماثلة في تجارب الأمم الأخرى. كان آخرها بتاريخ (10/9/2009) غير أن أهم الأدبيات والمراجع الجديدة عربياً بهذا الشأن هو الكتاب المترجم إلى العربية مؤخراً والذي أصدره المفكر العربي السعودي الكبير الدكتور غازي القصيبي بعنوان "المؤمن الصادق" للمفكر الأمريكي "إريك هوفر" الذي عالج باقتدار موضوعاً مماثلاً، وإن كان بعيداً كل البعد عن العالم الإسلامي، وهو تفسيره المقنع للتطرف الشيوعي والنازي، حسب تقييم أيزنهاور الجنرال الغربي الذي قاتل القوات النازية وانتصر عليها في الحرب العالمية الثانية. وقد أحسن الأستاذ علي الجهني بتلخيصه فكرة هذا الكتاب المرجعي المهم الذي ترجمه إلى العربية الدكتور غازي القصيبي.
   وقد مرت على المسلمين عصور طويلة، بعضها لم يخل من هزائم وإذلال، وهم صابرون ينتظرون العدالة. وعلينا ألا ننسى آباءنا وأمهاتنا، بل وأجدادنا وجداتنا، الذين ربونا على الأمل والستر والكرامة، وهم تحت السـطوة الاسـتعمارية وإذلالها، ولم تراودهم فكـرة "الإرهاب" بأي شكل، ما يدل على أن إيمانهم لا يحمل هذه "الفكرة"، لذلك فعلى القادة العالميين الذين يرسلون جيوشـهم هنا وهناك في أنحـاء العالم الإسـلامي، ويهددون، إرضـاءً للـرأي "العــام" في بلادهم، بسحق القاعدة ومحوها، أن "يتقبلـوا" هذا الرأي أيضاً: وهـو أن "القاعدة" والمنظمات الأخرى المماثلة التي يهددون بسحقها، لم تنشأ ولم تنتشـر إلا في أجواء "الخيبة" لدى المسلمين المغذية للتطرف واستمراره بلا أمل في الخلاص، إلا باللجوء إلى هذه الوسيلة البائسة واليائسة التي خلقت وتخلق الحالة الراهنة من الارتباك والحيرة في العالم الإسلامي، وفي العالم. 
   وكما أبانت الندوة الفكرية المهمة التي رعاها الأمير نايف بن عبدالعزيز بجامعة "المدينـة المنورة"، فإنه "لا بد من حل النزاعات في العالم الإسلامي حلاً عادلاً، لأنها عامل أساسي تستغله الجماعات المتطرفة لتحقيق مآربها" كما دانت "إرهاب" الدولة – كما في حالة إسرائيل– ضد المدنيين.
هذا مع تزايد الضحايا الأبرياء من بني البشر ومن الذين يفجرون أنفسهم وغيرهم في حوادث "الإرهاب" المتعاقبة من نيويورك إلى بومبي إلى موسكو مجدداً، مروراً ببعض البلاد الإسلامية ذاتها ... فمن المسؤول عن ذلك؟
   لقد أشرنا إلى "مسؤولية " القوى العالمية المعنية. وطالما أننا نطالب بإنصاف المسلمين فلابد أن نكون "منصفين"، قبل كل شيء في أحكامنا، ومن الإنصاف أن نشير إلى أن الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما قد بدت منه بوادر لا يجوز إنكارها. ولابد من البناء عليها. صحيح أنها حتى الآن "أقوال" أكثر مما هي "أفعال"، لكن من النزق اللامسؤول أن نستسلم لغرائزنا وهي ضاغطة و"مشروعة" لطول فترة الظلم، خاصة انتظار العدالة للفلسطينيين وسواهم من المجتمع الدولي، نقول إنه من النزق اللامسؤول أن نفقد صبرنا الطويل الجميل، فنكفر بكل شيء، ونرفض جديد أوبامـا كأول رئيس أميركي نسمع منه مثل أقواله، التي نلح عليها، كما عبرت قمة سرت العربية أيضاً، أن تتحول إلى "أفعال". فذلك هو المعوّل عليه في التحليل النهائي. 
   ونحن نشارك الأستاذ عبدالعزيز التويجري، مدير عام أسيسكو، رأيه في أن أوباما بدأ عهده بخطابه في جامعة القاهرة الذي رغم البطء في الوفاء بالالتزامات الواردة فيه (فهو يمثل) "وثيقة" سياسية تاريخية بالغة الأهمية ليعلن عن التوجه الجديد للإدارة الأمريكية.
   كما أنه من الإنصاف الذي ندعو إليه، الإشارة مجدداً إلى مواقف الكتلة الأوروبية التي لا تتطابق مع رؤيتنا، لكنها أفضل من السابق أيضاً، وتؤشر إلى تحول دولي غير منحاز حيال تطرف اليمين الإسرائيلي، الذي يستفزنا بدوره وينتظر منا أن نعطيه "المبرر" أمام العالم لتحسين صورته التي يساور الإسرائيليون القلق من انسحابها على إسرائيل كلها، حتى أن اليهود المعتدلين في الولايات المتحدة وأوربا وغيرهما صاروا أقل حماساً لتهرب إسرائيل من استحقاقات السلام.
   أما فيما يتعلق "بمسؤولية" الأنظمة العربية، التي تواجه إسرائيل من ناحية، وتواجه جماهيرها المحبطة من ناحية أخرى ، فإنها مطالبة قبل كل شيء بالسير قدماً في مشروعات لإصلاح الداخل. فالإصلاح هو "كلمة السر" في إصلاح ذات البين لتفادي أغراض من يريدون دق الإسفين بين الأنظمة العربية وجماهيرها. ويجب عدم التقليل من تأثيرهم. 
  أما المطلب الحيوي الثاني ، والذي لا يقل أهمية عن مطلب الإصلاح الجدي ، فهو الحرص والعمل على تحقيق "اختراق" أو "انعطاف" في مسيرة حل القضية الفلسطينية باتجاه حل الدولتين، ومن ضمنه قيام الدولة الفلسطينية القابلة للحياة والاستمرار وعاصمتها القدس الشرقية. 
  إذا بقي الشعب الفلسطيني محروماً من حقوقه الوطنية الشرعية ، كالسنوات الطويلة الماضية، فلن يحصد العرب، ولن تحصد الأنظمة العربية، إلا المزيد من التراجع والإحباط والخيبة. ومنذ عام 1948، والعرب يقلعون أعينهم بأيديهم من أجل "تحرير فلسطين"، وإسرائيل تحت مظلة الغرب تنعم بالاستقرار والدعم العلمي.. إلى أن اتبعوا إستراتيجية السلام التي نعتقد مخلصين بضرورة ألا يتخلوا عنها، مهما بلغ الاستفزاز الإسرائيلي المتزايد والمقصود. وبلا شك فإن "البدائل" الأخرى ستبقى بيد الفلسطينيين والعرب ، ولكن الواقع القائم حالياً لا يسمح لهم إلا بطرح إستراتيجية "السلام". لا جدال إن جيوب "مقاومة"، ومقاومة صلبة ومشرفة، قد ظهرت، لكنها لم تغير من موازين القوى بشكل حاسم. وإلى أن يتحقق هذا الشرط الجوهري للعرب، فلكل حادث حديث.

مفكر عربي من البحرين
د. محمد جابر الأنصاري
8/4/2010

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.