wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
هل يشكل الدِيُن حركة إنقاذ عربية ثورية؟
السبت, December 31, 2011 - 03:00

(1-2)

   كثيراً ما يشكل الدِينُ في مرحلته التأسيسية الأولى ثورة شاملة فيدمر نظاماً قديماً ويقيم مكانه نظاماً جديداً. ولكن علم اجتماع الدين اعتاد أن يتساءل: هل ظهور الدِين بحد نفسه هو نتيجة لقيام أوضاع اجتماعية سابقة له تستدعي التغيير وتمهد له, أم هو عائق ضد التغيير, أم هو قوة تغيير بذاته? إن ظهور الإسلام ونجاحه المذهل في نشر الدين الجديد جاء نتيجة للأوضاع والأحوال السائدة ليس فقط في الجزيرة العربية بل في المنطقة كلها, ومنها الضعف الذي عانته كل من الحضارة الفارسية والحضارة الرومانية بعد صراع طويل الأمد. ومن موقعه المركزي في معابر الحضارات المتنازعة, تمكن الإسلام من أن يوَّحد مجتمع الجزيرة العربية القبلي, وإن لم يتمكن من القضاء الكلي على الروح القبلية ونزاعاتها. كان المجتمع في الجزيرة مادة الإسلام الذي جاء تعبيراً عنه واستمراراً له في كثير من مضامينه الظاهرة والخفية. وقد شكل الإسلام فعلاً في مرحلته الأولى طاقة روحية ثورية غيّرت التاريخ الإنساني. ومع هذا لا يمكننا أن ننكر أنه تحول في مراحله اللاحقة, كمختلف الأديان والحركات الاجتماعية الأخرى, إلى مؤسسة تقاوم التغيير لصالح القوى السائدة التي تستخدمها في فرض رؤيتها الثبوتية.
   الإسلام وصَفَ ما قبله بالجاهلية مع أنه أخذ منها الكثير
  وربما نستطيع أن نقول بأن الإسلام لم يتمكن من التغلب على العصبيات القبلية, وهي محور تحليل ابن خلدون للتاريخ الإسلامي, إلا أنه أعطاه بعداً جديداً بتوحيده الأمة وتزويدها برسالة جديدة وطاقة روحية كفاحية في سبيل تحقيق أهداف عليا. وبهذا يكون الإسلام نتيجة لمكوناته الاجتماعية - التاريخية وسبباً في الوقت ذاته لإطلاق حركة غيرت وجه التاريخ. ومع هذا يظل من الصحيح أن الأفكار, روحية كانت أو زمنية, لا تنجح وتستمر ما لم تنسجم مع مصالح جماعات وطبقات محددة تفرض تفسيراتها الخاصة لهذه الأفكار. كذلك من الصحيح أن نقول إن الدين حتى في مراحله الأولى استمرار للواقع الاجتماعي الذي نشأ فيه, كما أنه ثورة عليه.   وكثيراً ما يكون من مصلحة الدين الجديد أن يشدد على أنه يمثل قطيعة تامة مع الماضي, فيصف ما قبله بالجاهلية. وهذا ما تلجأ إليه مختلف الحركات الثورية بعد انتصارها.
  وقد ذكر طه حسين في كتابه في الشعر الجاهلي بأن الكثير من القواعد والأعراف والمعتقدات والأنظمة الإسلامية لها مصادرها وجذورها في المجتمع القديم, وإن للإسلام, والشريعة الإسلامية بالذات, جذوراً تاريخية في مجتمع الجزيرة العربية القديم. وبين من حاولوا توثيق هذا الادعاء خليل عبد الكريم الذي يقول إنه من الإساءة للإسلام هذا الدأب على وصف تلك الحقبة بالجهل والضلال, وعلى الميل للتعتيم على ما ورثه من القبائل العربية التي كانت موجودة إبان ظهوره في الثلث الأول من القرن السابع الميلادي. ويضيف خليل عبد الكريم أن الكثير من القراء قد يدهش عندما يدرك أن الإسلام قد أخذ من "الجاهلية" كثيراً من الشؤون الدينية والتعبدية. ويذكر أن بين الشعائر التعبدية التي ورثها الإسلام تعظيم البيت الحرام أو الكعبة التي كانت تقدسها القبائل العربية قاطبة وحرصت على الحج والعمرة إليها وإقامة المناسك التي يقوم بها المسلمون حتى اليوم, وتقديس شهر رمضان, وتحريم الأشهر الحُرم, وتعظيم إبراهيم وإسماعيل الذي "أنطقه الله بكلام العرب", ويوم الجمعة على أنه يوم الاجتماع العام.
  كذلك يذكر خليل عبد الكريم أن الإسلام ورث شعائر تعبدية عن الحركة الحنيفية ويطلق على أصحابها "الحنفاء" وهم جماعة من العرب من غير اليهود والنصارى قالوا بوحدانية الله وعرف عنهم إتباع سنن النفور من عبادة الأصنام, وتحريم الأضاحي والربا وشرب الخمر والزنا ولحم الخنزير, والاعتكاف في غار حراء, وقطع يد السارق, والنهي عن وأد البنات, والسير بنهج الصوم والاختتان, والإيمان بالبعث والنشور والحساب, وتعدد الزوجات, والتعاويذ, والتفرقة بين العرب والعجم, والتفرقة بين العرب والأعراب.

تحوّل الإسلام إلى مؤسسة محافظة تقاوم التغيير

  ليس من الضروري أن يتم إحباط العمل دائماً, بما فيه عمل الحركات الدينية التي تعد بالجنة. لقد جاء الإسلام استمراراً وفي الوقت ذاته ثورة, ثم تحول بمرور الوقت ونتيجة لظهور طبقات جديدة إلى مؤسسة محافظة تقاوم التغيير. إن الإسلام الحاضر هو كل ذلك, فلم يتغلب على العصبيات القبلية التي ظلت تترك آثارها فيه وساهمت مع الوقت بتحويله إلى مؤسسات وممالك على الأقل منذ الخلافة الأموية وحتى الوقت الحاضر. ونشأت في الإسلام ومن ضمنه حركات ثورية, ولكن كان يتم احتواؤها رغم الصراع الدائم بين ما سماه أدونيس: الثابت والمتحوّل أو الإتباع والإبداع.
  وكان أن سادت النظريات السياسية التسويغية التوفيقية التي بشر بها الغزالي والماوردي وابن تيمية وابن حنبل وغيرهم من كبار العلماء حتى الزمن الحاضر. لقد استخدمت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في الصراع السياسي المحتدم في دعم السلطة, فسادَ مبدأ الطاعة. لقد عارض أحمد بن حنبل ثلاثة خلفاء وسجن, ولكنه دعا الشعب إلى طاعة الحاكم الظالم في سبيل الحفاظ على الوحدة "كي لا نخرج من الاختلاف إلى الخلاف", فترك للخلفاء أمر مسؤولياتهم وانصرف الناس في بعض الحالات عن الثورة إلى الدعة.

(2 - 2)

علاقة الدين الاسلامي بالمجتمع العربي المعاصر

  في الزمن المعاصر, ما زال الدين يُفسّر من قبل المؤمنين من مواقعهم الخاصة, فلم تضعف صلته العضوية بالواقع. وكان من الطبيعي ان تنشأ إلى جانب الحركات والثقافات التسويغية حركات وثقافات مضادة تشجع على التمرد والعصيان. حدث ذلك منذ بدء انهيار الحكم العثماني والغزو الاوروبي, فمر المجتمع العربي في مرحلة انتقالية لا تزال مستمرة, ولا يزال يواجه من خلالها تحديات مصيرية, فيسعى جاهداً للنهوض والتحرر والبدء في بناء مجتمع جديد. في إطار هذه المرحلة الانتقالية المستمرة, ومن خلال الكفاح المرير, نشأت تيارات فكرية وحركات سياسية دينية متصارعة مع نفسها ومع تيارات الحداثة العلمانية, وكان آخرها ثورات الشباب العربي خلال عام 2011 .

المصلحون الدينيون

   منذ بدايات العصر الحديث, أي من حوالي قرن ونصف قرن, اضطر المصلحون الدينيون للدخول في صراع مع علماء الدين التقليديين المهيمنين على المؤسسة الدينية. وكان الهاجس الاهم في تفكير المصلحين المسلمين, من أمثال رفاعة الطهطاوي (1801 - 1873) وخير الدين التونسيّ (1810 - 1899) وجمال الدين الافغاني (1839 - 1897) ومحمد عبده (1849 - 1905) وغيرهم ممن تأثروا بهم, هو تكيف الاسلام مع الواقع الجديد ووفقاً لحاجات العصر وتبني ما يصلح من الغرب من دون ان ينظروا إليه على أنه نبت غريب أو أصيل.

أزمة العودة إلى الاصول

  غير ان أزمة السلفية بشكل عام هي يقينها بإمكانية العودة إلى الاصول من دون النظر بمسألة التباين الشاسع في الواقع الاجتماعي في الزمن الراهن وعصور الاسلام الاولى, كما لو ان ليس هناك من علاقة بين الافكار وهذا الواقع. ثم ان انطلاق هذا التيار الاصلاحي السلفي من موقع ديني اضطره إلى مهاجمة التفسير العلمي المادي (من دون ان يفهمه أو يعالجه على صعيده المجتمعي, فقد اعتبر ان المسألة صراع بين المادة والروح بالمعنى الغيب¯ي) كما يتضح من كتاب الافغاني الرد على الدهريين.

استخدام الحركات الدينية من قبل الحكام أداة سيطرة

  لقد ظهرت منذ مطلع النهضة عدة حركات وتنظيمات دينية سياسية أكثر تعلقاً بالتراث وطواعية لأن تُستخدم أداة سيطرة من قبل الطبقات والعائلات الحاكمة, كالوهابية في الجزيرة العربية, والمهدية في السودان, والسنوسية في ليبيا, فأصرت على أسلمة المجتمع والعصر وعلى اعتبار الاسلام ديناً ودولة, وعلى تطبيق الشريعة روحاً ونصاً في مختلف جوانب الحياة. وقد نجحت العائلة السعودية بالتحالف مع الوهابية في تأسيس المملكة العربية السعودية وتعزيز شرعيتها في إطار الحنبلية الصارمة وتعاليم ابن تيمية. كذلك تم إنشاء مملكة ليبيا بتوظيف السنوسية التي اعتبرت ان ضعف الاسلام في علاقته بالغرب يعود للانحراف عن الاسلام الصحيح, غير أنها انتهت إلى حكم تعاون مع الغرب حتى 1969 حين أطيح بها على يد معمر القذافي الذي حكم ليبيا أربعين سنة من الاستبداد والفساد. وانتهى دور المهدية إلى تشكيل حركة معارضة للحكم الاسلامي في السودان بعد ان كانت محور الحياة السياسية. وكان الصراع بين القيادات الدينية لحزب الدستور في تونس (بقيادة عبد العزيز الثعالبي) والقيادات العلمانية (بقيادة بورقيبة) قد انتهى بانتصار الجناح الاخير. 
هل ستنجح الحركات الاسلامية في تشكيل حركة إنقاذ عربية ثورية شاملة ?
  من أبرز الاسباب التي تجعل من الدين غير قادر في العصر الحديث على ان يشكل حركة إنقاذ عربية ثورية شاملة, ما يلي: 
أولاً: تحول الدين من حركة ثورية في بداياته الاولى إلى مؤسسة مرتبطة بالانظمة القائمة. وهو ينشغل كمؤسسة في عصور التخلف كالعصر الذي نعيشه, ويُشغل المؤمنين بالتفاصيل على حساب الجوهر (بل كثيراً ما تصبح التفاصيل جوهراً والجوهر تفصيلاً) وبالتفسير الحرفي على حساب التفسير المجازي.
ثانياً: ان واقع العالم المعاصر واقع قوميات ومجتمعات متنوعة وتعددية في تكويناتها وانتماءاتها وليس واقع جماعات دينية, ولذلك يأتي المجتمع أولاً ويكون التعاضد ضرورياً بين أفراده وجماعاته مهما اختلفت الانتماءات الدينية والطائفية.
ثالثاً: ان الواقع الاجتماعي هو واقع طائفي أكثر مما هو واقع ديني, فهو كما قال جبران مجتمع كثرت فيه طوائفه وقل فيه دينه.
رابعاً: يعاني الدين على صعيد الممارسة في الحياة اليومية انفصالا بين الدين الرسمي والدين الشعبي وبينهما والدين السياسي.
خامساً: ان القناعات والمعتقدات الدينية كما تقدمها المؤسسة وطبقة العلماء القائمة عليها, تتعارض مع روح العصر, وأن المهمة التاريخية للعرب في هذا الزمن هي عصرنة الاسلام وليس أسلمة العصر.
سادساً: ان التساؤل والبحث هما خميرة الحياة والتجدد. وطالما ان التساؤل والبحث هما قاعدة علمية وفكرية عامة, فهل نستثني الدين كموضوع تساؤل وبحث واستكشاف وإبداع?
سابعاً: كان دائماً من مهمات الثورة الصراع من أجل تجاوز حالة الاغتراب التي يعانيها الانسان في ظل الانظمة القسرية. وما نجده في الوقت الحاضر ان العرب خبروا بشكل خاص نوعين من الاغتراب في القرن العشرين: هناك, أولاً, اغتراب من الدين بمعنى رفض المؤسسة الدينية التقليدية والخروج عليها, خاصة في محاولتها مقاومة التغيير. وهناك, ثانياً, اغتراب في الدين بمعنى ان المؤمن أصبح ينسب قواه الذاتية إلى قوى خارج نفسه ويسلمها مصيره باستقلال عنه. وبقدر ما يسقط الانسان ذاته على معبوداته تصبح المؤسسة الدينية قوية وغنية, فيما يصبح هو عاجزاً وفقيراً حتى في صلب نظرته إلى حياته وتحديد معنى وجوده. وهو, عربياً, مثقل بتراثه الديني المتراكم خلال عصور طويلة من الظلم والتعسف والتخلف, إذ استقلت المؤسسة الدينية عنه فأثرت به ولم يملك الوسائل للتأثير بها. لقد استولت المؤسسات التي خلقها أو أسهم في خلقها على حياته فتحول من خالق إلى مخلوق ومن فاعل بالتاريخ إلى منفعل به وليس هناك ما هو أقدر من الدين على تجريد الانسان من نزوعه الابداعي.
ثامناً: طغت الطقوسية في العبادة فلم يعد في الممارسة الدينية من تمييز بين الوسائل والغايات, والظاهر والمعنى, والجوهري والتفصيلي, فأصبحت كل هذه متساوية في قيمتها ومدلولاتها ووظائفها, وبقدر ما تسود التنشئة الدينية التي تدعو للطاعة والامتثال, يفقد المؤمن القدرة على الابداع واتخاذ المبادرة والقيادة والعمل على استشراف المستقبل. وفي ظل هذه التنشئة قد يرى المؤمن نفسه فاضلاً بقدر ما يرضخ ويطبع ويقبل بالامر الواقع ويستسلم لمشيئة غير مشيئَته, وهو تعطيل لطاقة الابداع. ويقول المفكرون ان الفرق بين الفلسفة الاسلامية والفلسفة الغربية هو ان الاولى تقوم على أساس علاقة الانسان بالسماء بينما تقوم الثانية على أساس علاقة الانسان بأخيه الانسان.

العرب اليوم: 28-31/12/2011

 

 

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.