إعداد: الدكتور محمد نوح القضاة
مفهوم الرقابة الشرعية
الرقابة لغة : قال ابن فارس : الراء والقاف والباء : أصل واحد مطرد يدل على انتصابٍ لمراعاة شيء واستعمل لفظ "رقب" في اللغة العربية للدلالة على أكثر من معنى ، ومن أبرز هذه المعاني :
1- الإنتظار : كتَرَقَّبَه ، وارتقبه أي انتظره ، والترقب : هو الإنتظار وهو كذلك نتظر وتوقع الشيئ والرقيب هو المنتظر .
2- الحفظ والحراسة : من رقب الشيء يَرْقُبُه مُراقَبَةً ورِقابا أي حرسه ، والرقيب : هو الحافظ الذي لا يغيب عنه شيء ورقيب القوم : هو الحارس الذي يشرف على مَرْقَبة ليحرسهم ، فالرقيب إذا هو الحارس الحافظ .
3- الإشراف والعلو : من ارتقب المكان أي أشرف عليه وعلا ، والمَرْقَبُ والمَرْقَبَة : الموضع المشرف الذي يرتفع عليه الرقيب ، والجمع مراقب وهي : ما رتفع من الأرض .
الرقابة اصطلاحاً :
هي عبارة عن وسيلة يمكن بواسطتها التأكد من مدى مطابقة أعمال المؤسسة المالية الإسلامية حسب الفتاوى الصادرة والقرارات المعتمدة من جهة الفتوى .
مفهوم الرقابة الشرعية :
عرفت الرقابة الشرعية بأنها : التأكد من مدى مطابقة أعمال المؤسسة المالية الإسلامية لأحكام الشريعة الإسلامية حسب الفتاوى الصادرة والقرارات المعتمدة من جهة الفتوى .
واجبات هيئة الرقابة الشرعية :
أولا : المحافظة على التزام المصارف والهيئات بأحكام الشريعة طبقا للخيارات المعتمدة لدى تلك الجهات .
ثانيا: إشعار المتعاملين بأن معاملاتهم شرعية كسبا لثقتهم بالمؤسسة.
ثالثا : إيجاد وسائل ترفع عن المؤسسة الحرج في استعمال أدوات الإستثمار وخلق منتجات جديدة .
رابعا : رفع المستوى الشرعي لدى العاملين .
الرقابة تعتمد اللوائح والنظم التي تحكم المؤسسة ، وتشترك في وضع سياسات المؤسسة .
وليست هذه الهيئات اختيارية أو ترفاً فإن المؤسسات التي تنص قوانينها على الإلتزام بالشريعة لا بد أن تعتمد على مرجعية شرعية سواء سميناها رقابة أو فتوى لتجسيد هذا الإلتزام .
الرقابة تبدأ أثناء التأسيس :
يجب أن أنبه هنا إلى أن عمل هيئة الرقابة القبلية الذي قد يبدأ في طور إنشاء المؤسسة مهمة دقيقة ، فعند المبادرة بإنشاء مؤسسة فإن القائمين عليها يفكرون في البحث عن هيئة شرعية ليس فقط لمساعدتهم في إبراز المؤسسة طبقا للمواصفات الشرعية ولكن أيضا لجذب العديد من المساهمين المحتملين للإنضمام إليهم ، ولهذا فهم يعمدون إلى أسماء فقهاء لهم شهرة في الإستشارات المالية ليعرض عليهم كتابة أسمائهم على ورقة التأسيس وقد يكون هؤلاء ممن تتكرر أساؤهم في عشرات البنوك والمؤسسات .
وعمليا يتقدم المؤسسون بنماذج لتكون أساس العمل لمؤسسات سابقة وأحيانا نماذج لمؤسسات تقليدية لا صلة لها بالمالية الإسلامية وهنا يبدأ التفاوض مع الهيئة الرقابية وفي الهيئة نفسها حول ما هو مقبول وما ليس مقبول وحول الشروط التي ينبغي أن تضاف .
وهكذا تبدأ مهمة هيئة الرقابة أو هيئة الإفتاء حسب المسمى الذي يصطلح عليه لترافق المؤسسة حيث تقدم لها شهادة بحسن السلوك وهي نفس الشهادة التي تصدرها في نهاية كل سنة مالية من خلال تقرير سنوي قد يكون مختصرا لكن هذا التقرير الذي يعرض على مجلس إدارة المؤسسة يعتبر ضرورة لتأكيد محافظة المؤسسة على اختياراتها وعدم إخلالها بالتزاماتها الشرعية ، فهي تشبه إلى حد ما تقرير محكمة الحسابات التي تصادق فيه على حسابات خزينة الدولة .
أهمية دور الرقابة الشرعية :
الرقابة على سلامة العمل ليست في الحقيقة خاصة بالهيئة الشرعية ، وإنما هو عبء مشترك يتحمله كل عامل في المصرف الإسلامي ، وكل متعامل معه ، بل واجب كل مسلم يعلم خطأ فإنه يجب أن ينبه عليه ، ويعمل على رفعه طاعة لله ورسوله ، وحسبة لدينه ، ونصحا للمسلمين ، ففي الصحيح من حديث تميم الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( الدين النصيحة ) .
لكن مع ذلك فإن هيئة الرقابة الشرعية تعد من الأجهزة المهمة التي يعتمد عليها نجاح العمل المصرفي الإسلامي ليحقق أهدافه من خلال معاملات شرعية نظيفة خالية من الربا وشوائبه ، ومن العقود الفاسدة ، والرقابة كما هي مسئولة عن سلامة العقود هي المسؤولة أيضا على سلامة التطبيق .
ومن نتائج سلامة ذلك كله تتحقق الأهداف الكبيرة من الصرافة الإسلامية ، التي من أجَلّها في مصالح الدين :
1- انها محاسن الشريعة الإسلامية وكمالها وصلاحية نظامها لكل زمان ومكان ، وحلية المكاسب وطهارة المال .
2- في مصالح الدنيا نجاح المشروع وزيادة الربح ، وإقبال المستثمرين والمودعين على المصرف الإسلامي ، إذ أن كل مستثمر يهمه أن يتأكد أن المعاملات تخضع لرقابة شرعية دقيقة تجعله يطمئن إلى حلية كسبه وماله.
وعجز الرقابة أن تؤدي دورها على الوجه المطلوب معناه الفشل الذي تضيع معه كل هذه الأهداف السابقة ، ويدفع المستثمرين إلى ترك التعامل بالصرافة الإسلامية والبحث عن بديل أفضل ، وذلك يعطي الذريعة لمن لا يرى في العمل المصرفي الإسلامي حلا يخلص من الربا ، ليلصق به كل نقص ، إذ من السهل عند الفشل بسبب التقصير أو التفريط الناتج عن ضعف الرقابة الشرعية الداخلية أو الخارجية – تحميل هذا الفشل على الشريعة ، وإظهارها بالعجز والقصور .
مواصفات هيئة الرقابة الشرعية :
الصفات الأساسية التي ينبغي أن تتوفر في الرقابة الشرعية أهمها ما يلي :
1- الديانة والأمانة : بحيث يكون ولاء الرقابة للدين واتباع الحق ،لا للمؤسسة التي تتبعها ، فإن انزلاق الرقابة إلى الولاء إلى المؤسسة على حساب الدين والأمانة خطير يدخل في الأكل بالدين ، وقد قالوا – لأن يأكل الرجل بالطبل والمزمار خير من أن يأكل بدينه .
2- الكفاية العلمية : وذلك بالإلمام الواسع بعلم الفقه الشرعي ، وعلى الأخص ما يتعلق منه بفقه المعاملات والصور المستجدة منه ، فالكفاية العلمية هي السبيل لإعطاء أحكام صحيحة موثقة لما يعرض من قضايا على وجه لا تفريط فيه ولا إفراط ، يطمئن إليه كل العامل في المصرف والمستثمر وعدم تحقق هذا الشرط ينتج عنه إما تساهل غير مؤصل يفسد التعامل ، أو تشدد دون دليل تهربا من المسؤولية .
3- الوعي والتيقظ لما يجري : والتنبه إليه والمراقبة الحذرة المتواصلة وهذا مما ينبغي أن يكون عليه كل من ابتلي بالفتوى ، وسبب ذلك أن قليلا من المستفتين من يكون على قدر كبير من الأمانة والديانة التي تجعله يعين المفتي على الجواب الصحيح بذكره في السؤال كل مايمكن أن يكون له أثر على صحة الفتوى ولا يخفي شيئا ، وأن كثيرا منهم من لا يفعل ذلك ، ويطوي السؤال ولا يذكر من تفاصيله ما يشعر أنه ليس في صالحه ، فيعطيه المفتي الجواب على نحو ما سمع ، ويكون قد ضلل المفتي وأوقعه في الخطأ ، فمن السائلين مثلا من يأتي إلى المفتي ويقول : قلت لزوجتي أنت طالق ، فكيف يكون ترجيعها ، فتقول له : قلت لها أنت طالق أو طالق بالثلاث ، فيقول :قلت لها أنت طالق بالثلاث ، فتقول له : كم مرة طلقت قبل هذه ، فيقول مرتين وهذه الثالثة ، فتجده قد أخفى عليك ما تترتب عليه صحة الفتوى ، ولو اكتفى المفتي بمقالته ولم يستجوبه لرجع بفتوى باطلة ورجّع له مطلقته بالثلاث.
ومن أمثلة إغفال التفاصيل التي نشأ عنها الخطأ في الفتوى ما نجده من بعض الشركات التي تبيع بالآجل تقول : إنها تبيع السيارات أو سلعا أخرى بالآجل إلى خمس سنين أو ست ، ويتم دفع الأقساط عن طريق المصرف ، وتقول هذه الشركات : إن المصرف يتولى تحويل الأقساط من العميل إلى حساب الشركة (البائع) ، ويأخذ على كل تحويل دينارا أو نحوذلك ، ويسألون عن صحة هذه المعاملات ، والاكتفاء بهذا السؤال يعني ان المعاملة لا حرج فيها ، لأن ما يأخذه المصرف هو أجرة على خدمة يقوم بها ، وليس في العملية تسليف ولا قرض ، لكن المفتي إذا قلب المسألة وجد أن الأمر لا يقف عند هذا الحد ، والمعاملة في الحقيقة لم تنته ، لأن الشركة لو فعلت ذلك وباعت ما عندها بالآجل لمدة ست سنوات لأقفلت أبوابها في أشهر قليلة ، مهما كان رأس مالها ، لأن جميع أموالها حينئذ تكون ديونا عند الناس ، ولاستحال عليها مواصلة نشاطها ، والجزء المحذوف من السؤال الذي لا تذكره الشركة أنها تبيع السندات الإذنية التي أخذتها من المشترين إلى المصرف بأقل من ثمنها لتتحصل على السيولة ، ثم يأخذ المصرف قيمتها كاملة من العميل ، فتتحول العلاقة بين العميل والمصرف إلى دائن ومدين وسلف بفائدة ، ويرجع ذلك على أصل المعاملة بالفساد ، وهذا من التدليس والغش على المفتي .
المراجع
1) هيئة الرقابة الشرعية إختيار أعضائها وضوابطها د. محمد أمين علي قطان .
2) قرارات الهيئات الشرعية والإفادة منها عبر الحدود المعوقات والمقترحات عبد الرحمن بن عثمان الجلعود .
3) أثر الرقابة المالية على استمرار التمويل للمؤسسات الأهلية دراسة ميدانية المؤسسات الأهلية في غزة رسالة ماجستير جهاد محمد محمد شرف .
4) الاستثمار والرقابة الشرعية في البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية ، عبد الحميد محمود البعلي .
5) التدقيق الشرعي والمحاسبي في المؤسسات المالية الإسلامية سامر مظهر قنطقجي .
ابحث
أضف تعليقاً