مخاطر العنف والتطرف ومعالجتها من منظور ديني
د. بدر الحسن القاسمي
نائب رئيـس مجـمـع الفقـه الإسـلامي بالهنــد
عضو الهيئة الاستشارية لمركز التميز البحثي في فقه القضايا
المعاصرة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وبعد:
فإن "المنتدى العالمي للوسطية" بالمملكة الأردنية الهاشمية يستحق كل ثناء وتقدير على عقد هذا المؤتمر الدولي بعنوان: "دور الوسطية في مواجهة الإرهاب وتحقيق الاستقرار والسلم العالمي" ودعوة نخبة من رجال الفكر والدعوة لحل أكبر معضلة تعاني منها الأمة وأخطر فتنة تكاد تقضي على الأخضر واليابس إذا لم يتدارك أمرها ألا وهي "فتنة التطرف والإرهاب" التي ابتليت بها الأمة، وعلى الجميع الاسهام في القضاء على هذه الفتنة وإنقاذ مجموعات من شباب الأمة الذين يتم التغرير بهم ودفعهم إلى أتون الحرب واستخدامهم كوقود لتخريب بيوتهم بأنفسهم وتهديد الأمن والسلام العالمي.
إن الإرهاب (Terrorism) ظاهرة عابرة للقارات وناتجة عن الشدة والعنف في سلوك بعض الأفراد المنتمين إلى الديانات المختلفة، فالإرهاب اليهودي في فلسطين وكذلك الإرهاب البوذي في "ميانمار" والإرهاب المسيحي في العديد من الدول الغربية ليست أقل خطورة مما يوصف بالإرهاب الإسلامي المتمثل في "القاعدة" و"داعش" و"بوكو حرام" وغيرها من المنظمات الإرهابية التي أضرت المسلمين كثيراً كما أن ممارسات بعض الأحزاب العلمانية والشيوعية ضد الأديان وشعائر الدين لها تأثير مباشر في تأجيج نار الفتنة بين أفراد الأمة بل وبين الشعوب المختلفة أيضاً.
إن غاية الأديان هو ضبط سلوك الإنسان، وإنقاذه من وحل الشهوات والشبهات، وتعويده على ضبط النفس، والتزامه بالعبادات، واحترام النفس الإنسانية.
أما الفلسفات الوضعية أو الأديان غير السماوية فقد اختارها الإنسان لملأ الخواء الروحي والفراغ النفسي والأصل فيها أيضا أن لا تدعو إلا إلى المثل العليا والقيم الأخلاقية وأن تمنع من العنف والقسوة فالديانة البوذية والجينية على سبيل المثال حينما تمنع من قتل الحشرات أو دوس النمل بالنعال فكيف تسمح بقتل الأنفس البشرية من غير حق.
الجريمة والعقوبة:
لقد تنوعت الدراسات حول الأسباب التي تدفع الإنسان إلى ارتكاب الجرائم وممارسة العنف أو الإخلال بالأمن كما تنوعت الآراء حول السبل الكفيلة لمنع الجريمة سواء كانت تمس الأفراد أو تلحق الضرر بالمجتمع أو تخل بالأمن العام.
فهناك أسباب نفسية وجسدية ووراثية واقتصادية واجتماعية ودينية وكل ذلك تؤثر في بناء الإنسان كما تؤثر في تنشئته تنشئة غير سوية إذا نشأ الإنسان في بيئة فاسدة.
إن كوامن النفس الإنسانية لا يعلمها بدقة و إحاطة إلا الله الخالق سبحانه.
{ألا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ هُوَ اللَّطِيْفُ الْخَبِيْرُ}([1])
فهو الذي يطّلع على سرائر القلوب‘ ودقائق النفوس ويعلم خائنة الأعين‘ ويرى ما تخفيه الصدور.
إن النظر في الإحصائيات التي تصدرها جهات الرصد والمتابعة عن الجرائم عموما يؤكد أن الدول غير المسلمة خاصة الدول التي تعتبر راقية و متطورة مازالت في رأس القائمة في معدل الجرائم.
ثم إن الجريمة أصبحت اليوم أكثر قوة وعنفا وانتشاراً بفضل العولمة التي وضعت بأيدي المجرمين التقنية الحديثة من الاتصالات والمعلومات تسهل لهم الاستفادة من هذه المعطيات بكل ذكاء و مهارة.
إن إحدى العصابات قد استثمرت حوالي 500 مليون دولار لإنشاء قاعدة تكنولوجية خاصة بها، و إن محاولات العصابات لم تقف على هذا الحد بل عمت إلى وضع برنامج تنصت حديث يمكن عن طريق الإصغاء إلى الأحاديث الهاتفية‘ ورسائل الفاكس‘ بالإضافة إلى التحكم في خطوط الطيران القادمة والمغادرة‘ و يمكن لهذه الأجهزة أن تخزن ملايين المحادثات الهاتفية.([2])
إن العقوبة هي آخر ما تلجأ إليها الشريعة الإسلامية بعد استنفاد كافة السبل في إصلاح الأفراد.
ويذكر في تعريف العقوبة بأنها تأديب واستصلاح وزجر يختلف بحسب اختلاف الذنب.([3])
وقيل: "هي" الجزاء المقرر لمصلحة الجماعة على عصيانه أمر الشارع".([4])
المقصود من العقوبة إصلاح حال البشر لأن الأوامر والنواهي و حدها لا تكفي لحمل الناس على الخير والطاعة دون وجود عقوبات رادعة لنفوس شرسة وقد أوجب الشريعة أنواعا من العقوبات لمصلحة الناس لأن الشارع كمثل الطبيب قد يضطر إلى عمل جراحي لاستئصال المرض من عضو المريض المتآكل لإنقاذ حياته قبل أن يستشرئ في سائر جسده.
أسباب الغلو والتطرف:
إن التشدد والعنف ظاهرة عالمية وهي ليست خاصة بمجموعة من الشباب المسلمين المتدينين بل هناك مجموعات يهودية ومسيحية وبوذية وهندوسية متشددة ترتكب أعمالا إرهابية وتهدد الأمن والسلم العالمي وتستهدف أرواحاً بريئة هنا وهناك في العديد من البلاد والأمصار.
والسبب أنه يوجد لدى اليهود والبراهمة تصور خاطئ عن أنفسهم بأنهم أبناء الله وأحبائه وأنهم "شعب الله المختار" فينظرون إلى الآخرين نظرة الدونية ويرون أنهم وحدهم لهم حق السيادة في أمور الدين والدنيا وليس على غيرهم إلا الخضوع أمامهم، والقيام بخدمتهم أو الفناء، ومن هنا جاءت فكرة الطبقية بين البشر وتقسيمهم إلى فئة السادة وهم البراهمة وفئة الخدم وهم المنبوذون، وبينهما طبقات الحماة المدافعين أو العسكريين والعاملين المزارعين المكلفين بتوفير الاحتياجات لهم.
وقد مارس اليهود والبراهمة أبشع أنواع الظلم ضد غيرهم عبر التاريخ وعلى قلة عددهم مازالوا مهيمنين على الثروة والسلاح والصحافة والإعلام.
ويعاني المسلمون في بورما (ميانمار) أشد أنواع الظلم على أيدي البوذيين المتطرفين مع أن تعاليم بوذا تنص على احترام الحياة إنسانية كانت أو حيوانية فليس لبوذي أن يقتل حيوانا.
وقد لقي المسلمون في شبه القارة الهندية قسوة وظلما على أيدي المتطرفين السيخ والهندوس فقتل مئات الآلاف من الناس الأبرياء في أيام معدودات وقت استقلال الهند وانشطارها إلى دولتين ثم إلى ثلاث مع أن أناشيد الكتاب المقدس لدى السيخ تحتوي على وصايا أخلاقية كما أن الكتاب المقدس لدى الهندوس (Gita) ينص على أن الناسك الحق هو الذي لا يبغض أحداً.
وما يلقي الفلسطينيون على أيدي الصهاينة المتطرفين ليس منكم ببعيد حيث يقوم الصهاينة المتطرفون بقتل الأبرياء وإفساد الحرث والنسل.
وهناك نوع آخر من التطرف وهو التطرف الطائفي ونرى مظاهرها في تصرفات الشيعة المتطرفين ضد أهل السنة في العراق والشام وغيرهما من البلاد.
وهذا يرجع إلى الشحن العاطفي من قبل رجال الدين المتطرفين حول الأحداث التي وقعت في القرون الأولى، ولم تكن فيها ناقة ولا جمل لأهل السنة القدامي أو المعاصرين لكن الإثارة متواصلة من أجل الثأر لجريمة لم ترتكبها العامة وتظهر بين فينة وأخرى نعرات طائفية وشعارات هي بمثابة صب الزيت على النار، وقد تحول الأمر إلى بسط السيطرة وتوسيع منطقة النفوذ.
ثم إن الأسباب التي تؤدي إلى العنف والتطرف عموماً منها عوامل خاصة بالفرد مثل:
وعوامل عائدة للبيئة مثل:
وهناك عوامل ذاتية أخرى في الإنسان تدفعها إلى حياة غير مستقيمة مثل:
أما العوامل الخارجية التي لها تأثير على حياة الإنسان فهي:
كما أن العوامل الثقافية أيضاً لا يستهان بها في تكوين الإنسان وهي:
أما معالجة الوضع أو إصلاح الأمر فيمكن بالاهتمام بالعلم قبل كل شيء لأن العلم الصحيح النافع هو ضمان "الأمن الفكري" وكما هو المعلوم أنه رغم وفرة أدوات تبادل المعلومات يوجد الشح في مجال العلم الشرعي الدقيق ومع كثرة المنتسبين إلى العلم هناك نقص حاد في صفوف الفقهاء الموثوقين.
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى بعض ما يحصل في آخر الزمان حيث روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
"إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل".([5])
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"يتقارب الزمان‘ ويقبض العلم‘ وتظهر الفتن‘ ويلقي الشح‘ ويكثر الهرج‘ قالوا: وما الهرج؟ قال: القتل".([6])
كما ورد من رواية عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فافتوا بغير علم فضلّوا وأضلّوا".([7])
إن ما يشاهد اليوم من كثرة المتشددين من الشباب المتدينين إنما يرجع سببه إلى أخذهم المعلومات الدينية من غير مصادرها‘ وعدم اهتمامهم بالتفقه في الدين مع العلم ان مجرد حفظ النصوص من الكتاب والسنة من غير توفر أدوات الفهم الصحيح لا يجعل الإنسان فقيها ولا يؤهله لأن يكون مرجعا للفتوى.
وإلى هذه الحقيقة قد أشار النبي صلى الله عليه وسلم في تأكيده على أن يبلّغ الشاهد الغائب لأن "رب حامل فقه غير فقيه" أو رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه".
وهناك تأكيد على تلقي العلم من العلماء وأخذه عنهم لا كما يفعله بعض طلبة العلم اليوم من الاكتفاء بقراءة الكتب بأنفسهم أو الأخذ من المواقع الإلكترونية ثم الخروج بالآراء الشاذة والأفكار المنحرفة، فالواجب على الجميع أن يأخذ العلم من العلماء الراسخين لأن الجهل من أعظم الأسباب المؤدية إلى الغلو والاختلاف والتفرق.
وقد ينشأ الجهل عن سوء الفهم كما قال شارح العقيدة الطحاوية:
بل سوء الفهم عن الله عز وجل و رسوله صلى الله عليه وسلم أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام وهو أصل كل خطأ في الفروع والأصول لاسيما إن أضيف إليه سوء القصد.([8])
وقد أورد الإمام البخاري في صحيحه حديث معاوية رضي الله عنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
"من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، و إنما أنا قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله".([9])
كما نقل قول عمر رضي الله عنه: "تفقهوا قبل أن تسوّدوا" تحت عنوان باب الاغتباط في العلم والحكمة.
وقول ابن عباس رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اللّهم علّمه الكتاب".
و ورد أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم فقهه في الدين و علّمه التأويل".
وقد أشار إلى اختلاف استعداد الناس في الانتفاع من العلم الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم في حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا، فكان منها نقية قبلت الماء فانبتتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين الله و نفعه ما بعثني الله به فعلم وعلّم، و مثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به.([10])
فمن الطبيعي أن يكون هناك اختلاف في فهم النصوص {وَ فَوْقَ كُلِّ ذِيْ عِلْمٍ عَلِيْمٌ}([11]) وكم من تفاوت بين مدارك الفقهاء فان لدى الأئمة الأربعة ثروة فقهية هائلة لما كانوا يملكون من مقدرة على الاجتهاد والاستنباط.
فلا يمكن تحقيق "الأمن الفكري" ما دام كل واحد يفتي، وما لم يكن هناك اهتمام بالتأهيل الشرعي والتأصيل الفكري من أجل اعداد جيل يتمتع بوسطية الفهم ويتجنب الغلو والاندفاع ولديه من ضوابط لفهم النصوص والتعامل مع الأدلة المتعارضة.
ومن الملاحظ في العقود الأخيرة كثرة اهتمام الشباب بمسألة تصحيح وتضعيف الأحاديث والآثار وهذا مؤشر ايجابي فان الإسناد من الدين ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، وان وجود علم الجرح والتعديل وفن أسماء الرجال من مفاخر الأمة الإسلامية وقد شهد بذلك الأعداء أيضا، يقول المستشرق لويس شبرنغر (S PRENGER) في مقدمة كتاب "الإصابة في تمييز أحوال الصحابة" باللغة الإنكليزية:
"لم يشهد العالم في الأزمان الغابرة ولا الراهنة قوما أوجدوا فنا عظيما ذا شأن كبير مثل ما اوجد المسلمون فن "أسماء الرجال".والذي نتمكن بفضله من معرفة أحوال وأخبار خمسمائة ألف شخص"([12]) فالاهتمام بالإسناد وعلم أسماء الرجال أمر مهم للغاية ولا اعتراض على ذلك و لكن هناك جانب آخر وهو أكثر أهمية بل هو الهدف الرئيس من هذه العلوم وهو فهم ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث فهما دقيقا وبه يظهر التفاضل بين العلماء.
إن الإمام الخطابي‘ والإمام ابن دقيق العيد‘ والإمام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم والإمام ابن الهمام لهم تميز واضح في فهم النصوص وربط بعضها ببعض وتنزيلها على الواقع فينبغي أن يكون الاهتمام بهذا الجانب أكبر لأن معظم الفتن تحدث بسبب التركيز على بعض الأحاديث مع الإغفال عن الأحاديث الأخرى أو عدم إعطاء الآيات القرآنية مكانها من الاستدلال.
إن "الإيمان‘ تصديق بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان".
فالتدين الحقيقي يتحقق بجمع كل من الاعتقاد‘ والقول‘ والعمل‘ وإن النية وحدها المضمرة في القلب لا يمكن أن تعتبر "تدينا"، ما لم تظهر في أعمال محسوسة وسلوك متزن.
وهذا ما يفهم من قول النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان".([13])
وهذا الذي بينه النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل الذي يرويه أبو هريرة رضي الله عنه ويقول:
كان النبي صلى الله عليه وسلم بارزا يوما للناس، فأتاه جبريل فقال ما الإيمان؟ قال: الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه وبلقائه ورسله وتؤمن بالبعث.
قال: ما الإسلام؟ قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا و تقيم الصلاة، وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم رمضان.
قال: ما الإحسان؟ قال: أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك.([14])
ومن الناس من يفقد التوازن فيقع في إفراط وتفريط في تقييم الأمور فيبالغ ويشدد ويتقوقع ويأتي بأفكار وأعمال هي غريبة وبعيدة مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قد منع من الغلو، ومن التنطع، ومن انتهاج منهج التشدد في الدين.
ومن ذلك ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال رسول الله صلى عليه وسلم:
"هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون"، يقول الإمام النووي في شرحه: أي المتعمقون المغالون المجاوزون الحدود في أقوالهم وأفعالهم.([15])
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة".
في شرح هذا الحديث نقل الإمام ابن حجر عن ابن المنير: أن هذا الحديث علم من أعلام النبوة فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أن كل متنطع في الدين ينقطع، وليس المراد منع طلب الكمال والأكمل في العبادة، فإنه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدي إلى الملال أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل.([16])
وقال: وإياكم والغلو في الدين.([17])
يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله:
وهذا عام في جميع أنواع الغلو في الاعتقادات والأعمال.([18])
وإن الأمن الفكري كما يحتاج إلى ضبط المتشددين والغلاة من المتدينين كذلك يتطلب الأمر إلى وضع الحد لتطرف العلمانيين والوجوديين والحداثيين فان نزعة العقلانية الزائدة تؤدي إلى التشكيك في النصوص الثابتة وتأويلها تأويلا لا يرضى بها قائلها.
وهناك ميزان دقيق لوضع الأمور في حدودها وقد أبدع في إيضاحها الإمام ابن تيمية رحمه الله في كتابه موافقة "صريح المعقول بصحيح المنقول" أو درأ تعارض العقل والنقل، فالعقل هو أساس التكليف في الإنسان فلا تكليف على مجنون فقد عقله، ولا صبي لم يكتمل عقله، لكن الوحي هو أساس العلم وإن ما جاء به القرآن الكريم هو تنزيل من حكيم حميد الذي لا يعزب عن علمه شيء فلا شأن للعقل من إنكار ما جاء به الوحي وما ثبت من الدين بالضرورة.
لقد أضرت "الفلسفة اليونانية" في الإلهيات‘ المسلمين كثيرا لأنها فتحت بابا واسعا للجدال في الغيبيات وكانت مصداق:
{وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُّجَادِلُ فِيْ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَّ لا هُدىً وَّ لا كِتَابٍ مُّنِيْرٍ}([19])
وان ترجمتها إلى اللغة العربية في عصر الخليفة العباسي "المأمون" أشعلت معارك عقدية بين المعتزلة وأهل السنة، كما عمقت الخلافات بين الطوائف المنحرفة من القدرية والجبرية والجهمية والمرجئة والكرامية إضافة إلى الشيعة والخوارج.
وكان هذا الأثر مقدّرا من أعداء الإسلام فمن القصص المعروفة أن المأمون حينما طلب تلك الكتب من ملك الروم فرفض وبعد إصراره استشار الكاهن المسئول عن المكتبة فحبذ الفكرة و شجع الملك على إرسال الكتب إلى خليفة المسلمين قائلا:
"ما تدخل هذه الكتب في أمة إلا وتفسد عقيدتها"
وقد شوهد هذا التأثير عيانا في المناقشات التي جرت بين المتكلمين من الفرق المختلفة.
إن الإسلام دين العلم، ولا يمانع من الاستفادة من ثقافة أية أمة بل يعتبر "الحكمة ضالّة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها" لكن مجال العقيدة‘ مصون بالوحي فلا مجال لترقيع العقيدة من أفكار أمم وثنية وغيرها.
إن الدين عند الله هو الإسلام و قد أكمله الله سبحانه على خاتم النبيين وضمن له الحفاظ من أي تغيير أو تبديل أو تحريف.
إن الأديان السماوية السابقة كانت تحمل العقيدة الأساسية نفسها لكن أتباعها قد غيروا وبدلوا فلا مجال للاستقاء منها ولا جديد لديها يمكن الاستفادة منها.
إنما مجال الاستفادة من الأمم الأخرى هي علوم الطبيعة عموما، والعلوم التجريبية والعلوم الصناعية الأخرى فلا حظر عنها في الشريعة الإسلامية ولا خير في التراث الروحي والإيماني والأخلاقي للأمم الأخرى فقد جاء الإسلام بما هو الأعلى والأفضل والأصلح والأوفق بالفطرة الإنسانية.
الأمن الفكري:
إن تحقيق "الأمن الفكري" يتطلب إقامة سياج أمني لتكوين جيل من خلال إعداد منهج تعليمي و تربوي ضامن لحمايته من الانزلاق الفكري أو الحركي وذلك:
ثم إن مصطلحات الجهاد، الموالاة، التكفير أصبحت مصطلحات ذات حساسية وخطورة لما وقع في شرحها من إفراط وتفريط فيجب إيجاد شرح دقيق ومتوازن لهذه المصطلحات لا يلغي مكانتها في قلوب الناس ولا تقضي على أهميتها كما لا يجعلها أداة في أيدي الشباب الغر من المتدينين لإثارة الفتنة بين المسلمين وإزهاق أرواح الأبرياء من أبناءهم بدفعهم إلى معارك لم تتوفر فيها الشروط الشرعية اللازمة.
أما المنهجية في إيضاح الحقائق، وبناء العقول السليمة في التعامل مع الآخرين فيحتاج الأمر إلى:
أما الضابط العام للتعامل مع غير المسلمين وبيان حدوده فهو ما أوضحه بعض الفقهاء المحققين وعلماء الدين الأعلام بدقة وبراعة في التفريق بين الموالاة والمداراة والمواساة.
أما الاستعانة بغير المسلمين فقد:
من أجل ذلك يرى الحنفية والشافعية وابن عبد البر من المالكية والحنابلة في الرأي الآخر عندهم الاستعانة بغير المسلمين بشروط معينة وقد حالف الرسول صلى الله عليه وسلم اليهود يوم دخل المدينة، ومدح المشاركة في حلف الفضول ودخل في جوار المطعم بن عدى حين عودته من ا لطائف وهذا يدل على جواز التحالف مع الكفار وإعطاء التمثيل للكافر في المجالس النيابية وغيرها إذا كان في صالح المسلمين.
بين الدين والسياسة:
إن "حاكمية الإله" في التكوين والتشريع حقيقة لا ينكرها مؤمن وإن تطبيق الشريعة الإسلامية فريضة على الناس غير أن الإيمان بهذا المبدأ لا يعني الإصرار على نفي السلطة من البشر فيما لا صلة له بالدين وقصة الخليفة الراشد على بن أبي طالب رضي الله عنه مع الخوارج حينما رفعوا شعار "لا حكم إلا لله" معروفة حيث رد عليهم بقوله "كلمة حق أريد بها الباطل".
وهذا الطرح الفكري قد أثر في العديد من المفكرين العرب من زعماء الحركات الإسلامية كما أثر في توجيه بعض الشباب إلى أن لا همّ لهم غير استعادة المجد السياسي والاحتكاك الدائم مع السلطات القائمة وما نتج عنه من مآسي لا يحتاج إلى بيان.
وفي ضوء ما سبق اتضح أن من أسباب الخلل في جانب "الأمن الفكري" وظهور نزعة الغلو والتطرف:
ــ الشحن العاطفي للجيل الصاعد مع فقد أو ضعف التأصيل الشرعي.
ــ عرض برامج وأنشطة الحركات السياسية غير المأصّلة تأصيلا شرعيا صحيحاً.
ــ عدم وضوح الرؤية حول مفهوم الجهاد، والولاء والبراء وعدم التميز بين الموالاة والمداراة والمؤاساة لدى كثير من الدعاة والمفكرين.
ــ ثقافة الأخذ بظاهر النصوص من غير الالتفات إلى ضوابط فهم النصوص لدى سلف الأمة.
ــ قلة التفقه في الدين وتصدر أنصاف العلماء منصب الإفتاء في الدين.
ــ العمل بظواهر النصوص وعدم القدرة على التوفيق بين النصوص المتعارضة وربط الأحاديث بالآيات القرآنية مع عدم الثقة في أئمة الدين ومحاولة الاجتهاد مع الجهل بقواعد الفقه ومقاصد الدين المبين.
ــ الإحباط السياسي بسبب ظروف الدول الإسلامية.
ــ السخط على الفساد المالي والإداري في الدوائر الحكومية.
ــ ظاهرة البطالة والفقر المستشرية في الكثير من الدول.
ــ ضعف مادة الثقافة الدينية في المناهج الدراسية.
ــ التفكك الأسرى والاجتماعي.
ــ رفقة السوء والصحبة الفاسدة.
ــ إضطرابات نفسية لدى بعض الشباب.
ــ ضعف العقل مع شدة الحماس.
ومن أجل بناء سياج "الأمن الفكري" وحماية البلاد والعباد من الفتن والكوارث المتلاحقة ينبغي اتخاذ الخطوات التالية:
مشروع مقترح للترشيد والتنوير:
لأسباب يطول شرحها لقد أصبحت الدول العربية والإسلامية مرتعا خصبا لما يسمي "الإرهاب" فأحداث العنف والعنف المضاد لا تكاد تنتهي في العديد من الدول وإن الجماعات المتشددة اتخذت طابعاً جديداً واخترعت أساليب حديثة وممارسات أكثر خطورة، وبدأت توسع دائرة نشاطها وتضم إلى صفوفها أعداداً جديدة من الشباب الأغرار، أما إجراءات مكافحة "الإرهاب" فلم تحقق نجاحاً كافياً لسد تيار العنف بل يزداد الأمر سوءا وتكسب تلك الجماعات مناصرين لها كما تحصل على إمداد وتمويل من جهات مجهولة فلا يزال الخرق يتسع على الراقع.
أما النداءات المتكررة من الجهات الدينية أو التهديدات المتواصلة من قبل الأجهزة الأمنية فتجعلها أكثر إصرارا وتصميماً.
ومن ناحية ثانية إن هذه الحالة تعطي فرصة ذهبية للدول الكبرى لبسط مزيد من الهيمنة والتدخل في مصير الدول الصغيرة واستغلال ما فيها من موارد وإمكانات ومعادن وثروات بحجة حمايتها، فيزداد الأمر أكثر تعقيداً وهنا يأتي السؤال ما هو المخرج من هذا المأزق؟ وكيف يمكن القضاء على الإرهاب؟ وما هي الإجراءات الكفيلة لإخراج الدول الإسلامية من خطر الإرهاب؟ وهل الندوات والمؤتمرات التي تعقد هنا وهناك، أو الكتب والنشرات التي توزع في استنكار الإرهاب أو الأشرطة والأفلام الخاصة بالتنديد بالإرهاب كفيلة بحل هذه المعضلة وتأمين الأوضاع والقضاء على الجماعات المتطرفة؟
التجارب السابقة تؤكد أنه لم تنجح جهود مكافحة الإرهاب في القضاء على هذه الظاهرة وإلا لما كانت "القاعدة" ولم تظهر "داعش" ولا المجموعات الأخرى التي تملك صواريخ وقنابل وبنادق آلية وغيرها بل لدى البعض منها الأسلحة الثقيلة مثل الدبابات ومنصات إطلاق الصواريخ التي لا تكون عادة إلا لدى الدول القائمة والمستقرة.
ومن الواضح لكل ذي عينين أن بعض الدول في المنطقة تغذي الإرهاب وتسبب في دعم وتقوية المجموعات المتشددة لأهداف مشبوهة.
كما أن التركيز على عنوان "مكافحة الإرهاب" مع وجود حالة الصمت المريب من قبل الدول العملاقة على "الإرهاب المنظم" الذي تمارسه إسرائيل، وعلى ممارسات الجماعات اليهودية والهندوسية المتطرفة وغيرها من المجموعات المتشددة من غير المسلمين التي تعيث فسادا في مختلف أقطار العالم لا يحرك ساكنا في الدول الفاعلة والمنظمات الدولية المسئولة عن استتباب الأمن في العالم.
كذلك تعامل رجال الأمن في بعض البلاد الإسلامية مع المتهمين بالإرهاب أيضا يؤثر سلباً ويسبب في انخراط مجموعات جديدة إلى صفوف المتشددين.
هذه الحالة تتطلب تغيير الخطة الاستراتيجية واتخاذ أسلوب جديد لمعالجة الموضوع وانقاذ البلاد والمجتمعات الإسلامية من فتنة عمياء إذا استمرت فلا تبقي ولا تذر، وتعم كافة البلدان والمجتمعات.
وفيما يلي الخطوط الرئيسة لمنهج معالجة الإرهاب يمكن وضع برنامج تفصيلي في ضوئها وبالله التوفيق:
يقوم الفريق بالتخطيط وتقديم المقترحات والمتابعة.
أما البابوات والقساوسة والكهنة فالحوار معهم لا يجدي نفعاً كما يظهر من استمرار الحوار الإسلامي المسيحي منذ نصف قرن من غير أن يحرك ساكناً.
هذه وغيرها من التدابير الواقية سوف تساعد بإذن الله في نشر ثقافة الأمن الفكري والقضاء على ظاهرة الغلو والتطرف. والله ولي التوفيق،،،
* * *
(1) الملك: 14.
(2) العلاقة بين العولمة والجرائم ص: 35.
(1) الأحكام السلطانية ص: 293.
(2) التشريع الجنائي الإسلامي 1/609.
(1) رواه البخاري.
(2) رواه مسلم 16 / 222.
(3) فتح الباري 1/195.
(1) شرح العقيدة الطحاوية 392.
(2) صحيح الإمام البخاري حديث رقم 71 كتاب العلم.
(1) رواه البخاري تحت رقم 79 في كتاب العلم.
(2) يوسف: 76.
(3) الرسالة المحمدية ص: 81 طبعة دار القلم.
(1) سنن ابن ماجه 1/263.
(2) صحيح الإمام البخاري حديث رقم 50 كتاب الإيمان.
(1) رواه مسلم مع شرح النووي 16/220.
(2) فتح الباري 1/117- 118.
(3) رواه أحمد 1/215.
(4) اقتضاء الصراط المستقيم 1/289.
(1) الحج: 8.
ابحث
أضف تعليقاً