التحولات في العالم العربي/ جذورها ودلالاتها
الدكتور الحبيب بو عجيلة
إذا كان لابد من تصنيف للثورات العربية المعاصرة فسأجازف باعتبارها مندرجة في سياق الثورات الإنسانية الحديثة الكبرى التي كانت وراء ولادة الإنسان والمجتمع المدني الحديثين لكن هذه المجازفة لا تغفلني عن حفظ الفارق في الزمن و حدوث المطالب الجديدة و خصوصية الطموحات .
إن التحولات العربية المعاصرة كما بين ذلك عدد من المفكرين العرب النابهين تأليف خلاق يستحضر ارث الحداثة وان ضمنيا بلا وعي من ولادة الفرد العاقل الطامح إلى بناء حكمه الجمهوري كما في الثورة الفرنسية إلى الإنسان المتشوف إلى مجتمع التعدد و التسامح و السلم الأهلي كما في الثورة الانجليزية والمتعطش وصولا إلى طموح العدالة و الفرص المتكافئة كما في ثورة الأمريكيين .
تصنيف الثورات العربية في مدونة الثورات الحديثة الناجحة مجازفة معقولة تؤكدها كما ازعم طبيعة الشعارات المرفوعة وثقافة كادرها الشبابي القائد .
تصنيف الثورات العربية في مدونة " الحداثة " في وجهها الناجح ناي " مقصود " بها أيضا عن مدونات الثورات المعاصرة التي انتهت إلى زوايا المآزق الحادة لعلة كامنة في " متونها " العقائدية المغلقة المجانبة لاعتدال الوجود الإنساني .
ليست التحولات العربية المعاصرة كما يريد تصنيفها بعض الغافلين =
بلشفية يحركها التمترس في مصلحة طبقية محددة و يقودها الحزب الطلائعي الذي ينجز الثورة باسم " البروليتاريا " لتتحول بعد حين إلى دكتاتورية جلاد يمارسها باسم ضحاياه و يبررها بآيات متن إيديولوجي مقدس اختزل الإنسان في معدته وساعده .
إسلامية يتحول قائد الثورة فيها إلى اكليروس ينطق باسم الالاه و يصادر حق الأمة جميعا في الولاية و يحول هذا الحق إلى يد حوزة ناطقة بإطلاق في جميع المجالات .
عربية يقودها " شريف" قومي يستثمر( بحسن نية أو بسوئها ) إحساس امة بضيم استبعادها ليتقاطع مع طموحات مستعمر جديد متربص انتهى بالأرض الموحدة إلى أشكال هندسية مرسومة بمسطرة " سايكس " و بركار " بيكو " .
بعد حداثية مهووسة بأفق قصووي و طوباوية " الثورة الدائمة " و عبثية تدمير " المؤسس " كما تعبر عنه فئات اليسار الجديد المفجوع باحباطات ثوراته السابقة أو كما تتغنى به جماعات العولمة البديلة التي لم تتجاوز أفق " الإنشائية " التي لا مكان لها على ارض " التدبير الواقعي " للكون .
تصنيف الثورات العربية في " السجل الحداثي " الأول الذي ازعم انه استعادة لحلمنا الإصلاحي أوائل القرن 19 لا يمنعني من استحضار تميزها فنحن في أوائل الألفية الثالثة تفصلنا قرون عن هذا السجل . كما إن تمييزها عن " سجل الثورات المعاصرة " المأزومة لا يمنعني من تسجيل ما تقتبسه منها ما دامت معاصرة . ثنائية التشابه والاختلاف هي التي جعلتني في مداخلة سابقة اصف الثورة التونسية مثلا بأنها ثورة على غير منوال سابق .
أن تكون الثورات العربية المعاصرة مصنفة حسب زعمي المتواضع في السجل الحداثي الأول تطلب الحرية والكرامة للإنسان " سيد الطبيعة " و "مالكها " بلغة ديكارت و تطالب بالدولة المدنية التي تكون من اجل الجميع بلا إقصاء فهذا لا يعني أنها ثورات لا تستحضر مآزق الحداثة و سحق الإنسان و تحول " الديمقراطية " إلى " أكذوبة بورجوازية " بلغة " لينين " أو إلى حكم " علية القوم " اقتباسا عن " تشومسكي " . استحضار ما تقدم يجعل الثورات العربية المعاصرة تلامس بعض أحلام من سجل " الثورات المعاصرة " التي سميتها مأزومة . تأخذ منها الانحياز إلى طموح " المسحوقين " و تستحضر أوجاع " الهوية " المغتصبة وألام " الضيم القومي " و مخاطر استبعاد " مطلق الإلوهية من نسبية الناسوت " و توظف مكاسب " الاحتجاج " على الوجه القبيح للعولمة العرجاء المتبرقعة بدعاوى " الكونية المزيفة " .
الثورات العربية إذن تتنزل في سياق خاص و تتموقع في منزلة متميزة تضع " نخبة النظر والعمل " من مفكرين وساسة أمام تحديات فهم ما وقع وكيف وقع دون اطمئنان إلى متون تفسير أو نماذج تأويل جاهزة حتى يتمكنوا من تدبير أمر هذه الثورات بما يحصنها من " الاندراج " كمثيلاتها السابقة في خانة التجارب المتمازقة .
من فضائل الثورات العربية المعاصرة أنها تمنح لدارسيها و المشغولين بمصيرها علامات إرشاد نظري وعملي تسهل استيعاب أسبابها و مطلوبها و من فضائلها أيضا أن " صانعيها " الحقيقيين من عموم " الشعب " ظلوا يحرسونها بيقظة فطرية عجيبة يعودون إلى " ميدان " تفعيلها و إلى " شارع " حراستها كلما أحسوا من أعدائها التفافا أو كلما لمسوا ممن ندب نفسه إلى قيادة مسارها انحرافا في فهمه لخصوصياتها .
التحولات العربية المعاصرة لم تكن " معجزات " خارج منطق التاريخ إنها أمر توقعته و أشارت إليه النخب الفطنة منذ أكثر من عقد . لهذه الأسباب تبدو صفة " المفاجأة " التي كثيرا ما تطلق على هذه الثورات ضربا من الذم في قالب المدح ذلك أن المفاجئ فعلا هو تأخر الثورات العربية إلى هذا الحد . لقد شهد العالم منذ عقدين موجات الانعتاق الديمقراطي في اروبا الشرقية و أمريكا اللاتينية و في أدغال إفريقيا و على حدودنا الآسيوية ليبقى العالم العربي استثناء عجيبا لم يتفاعل مع هذه التحولات إلا في صورة دموية بشعة (الجزائر ...11سبتمبر ) وهو ما جعل بعض المتمركزين على عنصريتهم الثقافية يجتهدون في تفسير هذا الفوات التاريخي بمبررات عرقية ودينية تجعل العرب بطبيعتهم و طبيعة " إسلامهم " امة مستعصية عن قيم " الحداثة " و " الديمقراطية " و لذلك عكفت مراكز " الخبرة " و " التخابر " على صنع نخب لهذا العالم العربي المسكين و على ابتداع مشاريع " تنمية سياسية " خصوصية بعناوين الشرق الأوسط الجديد و الحكم الصالح أي حكم الأوصياء أو الشخصيات المدربة القادرة على قيادة " مجتمعات محجوبة بطبعها عن الحداثة " ولا تحتاج إلا إلى حكم رشيد بانفتاح محسوب لا يعصف بتوازنات دولية ابتلتنا بها وضعية جيوبوليتية متميزة .
كان لابد أن تأتي التحولات العربية المعاصرة في وقتها المناسب و بفاعليها المناسبين و بمضامينها المناسبة عندما اكتملت المقومات المناسبة للازمة وانفراجها و عندما بانت ملامح الشعارات المناسبة للتحول العربي المطلوب من أهله لا المبرمج في محتواه ووسائله من " الآخر " .
جاءت التحولات العربية بعد اكتمال تصدع كل شرعيات " النظام العربي الحديث " الذي حكم هذه الشعوب على امتداد نصف القرن السابق في الحقبة المسماة بما بعد الكولونيالية أو حقبة الاستقلالات الوطنية تأدبا . تصدعت شرعية الاستقلال بعد فشل هذه النظم في الحفاظ على سلامة التراب المستعاد و فشلها في استعادة التراب المحتل بل و اقتناعها بمبدا تسليم الأرض مقابل حفظ العروش (لنستحضر اتفاقيات أوسلو ) . كما تصدعت الشرعية " الدستورية " المزعومة أو شرعية " الحداثة المصطنعة " بعد تحول الجمهوريات المسماة مدنية إلى " اليغرشية " فاقعة و إلى " اوتوقراطية " لا تقل دموية عن " الثيوقراطيات " الاروبية الوسيطة أو " الكليانيات " الستالينية أو الفاشية الاروبية و اللاتينية المنهارة تباعا في أواخر سبعينات و ثمانينات القرن الماضي( لنستحضر أن الثورات انطلقت بعد موجات العبث بالدساتير الجمهورية و رواج موضة التوريث العائلي ) . وفي سياق متصل جاءت التحولات العربية حين سقطت كذلك شرعية الأداء للدولة التي ادعت وظيفة الرعاية بعد وهن نموذج تنموي نهشه الفساد المافيوزي وورمه الاعتماد على الريع و استنزفه الارتهان إلى " المركز " المتوحش . لذلك جاءت التحولات العربية واضحة في مطالبها وفواعلها = طبقة وسطى رفعت شعارات الحريات والحقوق و طبقات شعبية طالبت بالشغل و الطعام والتنمية المتوازنة دون أن يغيب على هذه وتلك استحضار أحاسيس الضيم الوطني القومي بعد سنوات قصيرة استعاد فيها الإنسان العربي إحساسه بالاعتزاز بفضل مقاومة أنجزت أول معارك الانتصار على الخوف و سمحت بتجاوز إعاقات " سيكولوجية الإنسان المقهور " على حد تعبير"حجازي" (لنتذكر أن الثورات العربية جاءت سنوات قصيرة بعد ملحمة المقومة في لبنان وغزة ).
اكتمال تصدع الشرعيات و استعادة " ثقافة الانتصار " ليست الجذور الوحيدة لانطلاق التحولات العربية. كان لابد كذلك من استحضار فضائل هذه الثورة المعلوماتية التي مكنت أخيرا من تعميم كونية قيم الحرية والتعددية و تعمق الإحساس بان الإنسان يستطيع أن يجد لنفسه طريقا آخر لبناء حريته غير طريق العنف المطلق و ضريبة الدم الموجعة .لذلك لعبت وسائل الاتصال الحديث دورا مهما في اندلاع ثورات لم تنشا في أقبية التنظيمات السرية ولم تخرج من الثكنات فجرا و لا من كهوف الجبال المحشوة بالأحزمة الناسفة و البنادق الأوتوماتيكية بل نشأت تماما على الشاشات المضيئة يتحاور على شبكتها الشباب و يفكرون و يخططون بشكل علني و يجتمعون في الميادين المكشوفة رافعين شعارات " الشعب يريد " لان المطلوب النظري و العملي لهذه الثورات كان أصلا تحقيق ما يريده الشعب لا ما يريده القائد الملهم ولا ما يحلم به المتن الإيديولوجي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بل ولا حتى ما تريده " مراكز الدراسات الإستراتيجية الأجنبية " التي اعترفت بقصور عقلها المتغطرس عن توقع تحولات كانت مكشوفة للجميع .
بناء على ما تقدم ( وما دمنا في ندوة مركز الوسطية و جحوظ عين صاحبنا في المنزلة بين الشك و اليقين ) لنجازف بالقول مرة أخرى إن التحولات العربية المعاصرة هي في موقع الحدث الفارق على غير منوال سبق .إنها تحولات تتوسط التاريخ بين الحداثة وما بعدها و تتوسط الحاضر بين مطلب الكونية وحق الخصوصية و هي كما أسلفنا تتوسط نقطة الانفتاح على الايجابي في الايدولوجيا و الابتعاد عن سلبية انغلاقها فلاهي ثورات اليمين ولا ثورات الشمال وهي أيضا ثورات تتوسط المنزلة بين دمار العنف الموجع و ميوعة السلمية القابلة للالتفاف ... إنها المتعدد في صيغة المفرد و الكثير داخل الوحدة و لا سبيل إلى تحصين تداعياتها بعد أن أدركنا جذورها وأسبابها وفواعلها إلا برؤية ثاقبة تستحضر الأبعاد كلها بعيدا عن التمترس في سجن الفكرة المنغلقة .
تحتاج النخب الفكرية والسياسية التي نذرت نفسها لاستكمال مسار هذه التحولات إلى استحضار خصائصها التالية :
1/ افقها الإصلاحي الحداثي المعتدل فهي ثورات لا تستهدف النقض و البداية من جديد . إنها ثورات قبلت باستبقاء الايجابي مما تكون من ملامح الدولة الحديثة في مصر وتونس على الأقل بل إن هذا الايجابي نفسه هو الذي كان من بين محصنات هذين الثورتين من الانكسار و الانحدار إلى " الدموية المرعبة " . ذلك أن الفصل الذي تبلور بضرورات الحداثة التاريخية بين الدولة والنظام هو الذي جعل المؤسستين العسكرية والأمنية تختاران في اللحظة المناسبة الانحياز إلى الشعب مما خفض كثيرا من ثقل الضريبة الثورية كما إن التشكل الجنيني للمجتمع المدني في منظمات وأحزاب معارضة قد مكن الثورتين المصرية والتونسية من نخب قادرة على الترشيد شرط أن لا ترتد هذه النخب إلى نزعاتها الإيديولوجية اللاتاريخية . لا سبيل إلى تحصين هذه التحولات العربية إلا بالانحياز سياسيا إلى مطلب استكمال حداثة الدولة الوطنية وصولا بها إلى دولة المواطنة و المدنية و الديمقراطية وهو المطلب الذي نزعم أن هذه الثورات تستعيده من جديد بعد أن رفعته الإصلاحية العربية منذ أوائل القرن التاسع عشر قبل أن تجهضه صدمة الاحتلال و لا شك أن استعادة جهد رواد الإصلاح لتأصيل قيم الحداثة السياسية من مواطنة وحرية ودستور و مؤسسات واستعادة جهودهم لتبيئة قيم الحق و القانون هي استعادة محمودة تفهم مطلوب الثورات العربية المعاصرة و تحصن "البدائل السياسية " من مظاهر الاحتراب الإيديولوجي التي بدأت تطل برأسها بين النخب العلمانية والإسلامية التي تستعيد معاركها القديمة في عصر ما بعد الثورات . كما إن استحضار هذا الجهد الإصلاحي هو السبيل لإنقاذ الثورات العربية التي مازالت لم تنتصر في دول ما قبل الدولة المكبلة بمخاطر الهويات ما قبل الوطنية من قبلية وعروشية و طائفية أو بمخاطر الاندغام بين المصالح القبلية و العرقية و الأسرية من ناحية و مؤسسات الدولة ما قبل الحديثة من ناحية أخرى . استحضار الأفق الإصلاحي الحداثي المعتدل هو الضمانة الوحيدة لصياغة العقد الاجتماعي الجديد بين الدولة والمجتمع من ناحية وبين تيارات المجتمع في ما بينها من ناحية أخرى بعيدا عن نزعات العنف والاستئصال و التشفي و دغمائية التنافي و قصووية الادعاء بامتلاك الحقيقة المطلقة بوجوهها الوضعية أو الغيبية .
2/ افقها الديمقراطي الاجتماعي ذلك أن هذه الثورات لم تكن بورجوازية بالمعنى الغربي مشغولة بتوسيع أفق الرأسمالية الناشئة كما كان شان الثورات الاروبية في القرن الثامن عشر و لم تكن طبقية بالمعنى الماركسي للثورات الاشتراكية بعيد الحرب العالمية الأولى وما بعدها و لكنها أيضا لا تنحصر في بعدها السياسي المجرد بل تطرح مطالب العدالة و التنمية المتوازنة و لابد من استحضار هذا البعد حتى لا تنتهي هذه الثورات العربية إلى أفق صراع نخبوي حول مطالب سياسية مجردة ولا تنحرف أيضا إلى النزعات الشعبوية الراديكالية كما هو أمر بعض الثورات اللاتينية التي فشلت في تحقيق مطلب التنمية .
3/ افقها الوطني الجامع داخليا والمستقل خارجيا ذلك ان هذه التحولات تستحضر فشل الدولة الوطنية في بناء المواطنة أساسا للانتماء مما جعل المجتمعات العربية مسرحا لانفجارات دائمة تحركها الهويات الماقبل وطنية أو تنخرها الصراعات المذهبية التقليدية أو التناحرات الإيديولوجية المسماة حديثة . كما تستحضر هذه الثورات أيضا فشل الدولة الوطنية في استكمال الاستقلال وحفظ الكرامة الوطنية وهو ما يقتضي تفهم القوى الخارجية حاجة شعوبنا إلى صياغة عقد دولي جديد يمنحها الحق في تقرير مصائرها الثقافية و السياسية بعيدا عن مظاهر الوصاية والاحتلال.
إن استحضار هذه الأبعاد الثلاثة لآفاق الثورات العربية المعاصرة هو ما يسمح اليوم بصياغة المشروع الحضاري العربي الجديد سياسيا و اجتماعيا وثقافيا بعيدا عن التمذهبات الإيديولوجية التقليدية مهما كان لبوسها علمانيا أو إسلاميا وهي تمذهبات نظنها أصبحت في ذمة التاريخ بدخول العرب عصرا جديدا بعد هذه التحولات الفارقة التي تغير الفكر والواقع وستغير دون شك جغرافيا العوالم كلها .
ابحث
أضف تعليقاً