الوسطية في الإسلام
(نمــاذج)
من فقه شيخ الإسلام ابن تيميه
د. يوسف الكوده
مقدمة:
معلوم أن هذا الدين وصل إلي هذه الأمة حال من كل أفراط أو تفريط، فكانت أمة الإسلام أمة وسطاً بين الأمم "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا".
يقول ابن كثير في تفسيره: "والوسط هنا هو الخيار والأجود" كما يقال: قريش أوسط العرب نسباً وداراً "أي خيرها".
وكان الرسول (ص) وسطاً في قومه – أي أشرفهم نسباً.
ومن ذلك أيضاً :
"الصلاة الوسطى وهي صلاة العصر كما جاء في الصحاح وغيرها".
وقد تناولت المعاجم أيضاً كلمة "غلو" والتي هي بمدلولها هذا بعيدة عن الوسط والاعتدال ، فقد تناولت تلك المعاجم هذه الكلمة (غلو) بالشرح والإيضاح ننقل هنا طرفاً منها:
قال ابن دريد الازدي : (الغلو ارتفاع الشئ ومجاوزة الحد فيه). ومنه قوله تعالى: (لا تغلو في دينكم).
وقال الأزهري (غلا في الدين يغلو غلوا إذا تجاوز الحد).
ويقول صاحب لسان العرب: "أصل الغلو : الارتفاع ومجاوزة القدر في كل شئ غلا في الدين والأمر يغلو غلواً : جاوز حده".
وفي التنزيل : (لا تغلوا في دينكم).
وفي الحديث : (إياكم والغلو في الدين).
وجاء في الغلو : غلت الدابة في سيرها غلواً واغتلت: أي ارتفعت فجاوزت حسن السير.
كما يمكننا أن نعرف الغلو اصطلاحاً والذي هو يتنافى مع طريق الوسط والوسطية بقولنا:
"الغلو هو: مجاوزة حدود ما شرعه الله بقول أو فعل أو اعتقاد".
وحقيقة أن هذه الظاهرة – ظاهرة الغلو لهي من أخطر القضايا التي تواجه أمتنا الإسلامية مهددة أمنها واستقرارها مما دعى المشاركة بذلك في إرساء ثقافة الوسط بين المسلمين، مهتدين بمناهج واختيارات فقهية لأعلام نجباء خدموا الإسلام بعلمهم من أمثال شيخ الإسلام ابن تيميه فكان ذلك البحث الذي حرصت على أنتقي فيه بعض ما ذهب إليه الشيخ مما هو له علاقة وارتباط بحاضرنا اليوم ... ومشكلات.
والله المستعان
نبذة عن شيخ الإسلام ابن تيميه :
نسبه ومولده
هو شيخ الإسلام الحافظ المجتهد تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله ابن أبي القاسم بن الخضر بن محمد ابن تيمية الحراني الحنبلي .
ولد بحران يوم الاثنين عاشر ربيع الأول سنة إحدى وستين وستمائة.
وقدم به والده وبأخويه عند استيلاء
التتار على البلاد إلى دمشق سنة 667 هـ .
مشائخه وتحصيله :
أخذ الفقه والأصول عن والده
وسمع عن خلق كثير منهم الشيخ شمس الدين والشيخ زين الدين بن المنجا بن عساكر.
وقرأ العربية على ابن عبد القوي ، ثم أخذ " كتاب سيبويه " فتأمله وفهمه.
وعني بالحديث وسمع الكتب الستة و " المسند " مرات.
وأقبل على تفسير القرآن الكريم فبرز فيه.
وأحكم أصول الفقه والفرائض والحساب والجبر والمقابلة وغير ذلك من العلوم.
ونظر في الكلام والفلسفة وبرز في ذلك ورد على أكابر المتكلمين والفلاسفة.
وتأهل للفتوى والتدريس وله دون العشرين من السنين.
وتضلع في علم الحديث وحفظه وكان سريع الحفظ قوي الإدراك آية في الذكاء رأسا في معرفة الكتاب والسنة والاختلاف بحرا في النقليات، وكان له باع طويل في معرفة مذاهب الصحابة والتابعين .
اشتغاله في التدريس :
كان والده من كبار أئمة الحنابلة فلما مات خلفه في وظائفه وكان عمره تسع عشرة سنة فاشتهر أمره وبعد صيته في العالم، وأخذ في تفسير القرآن الكريم أيام الجمع من حفظه.
قال عنه الحافظ أبو حفص عمر بن علي البزار وكان من معاصريه " لقد كان إذا قرئ في مجلسه آيات من القرآن العظيم شرع في تفسيرها فينقضي المجلس بجملته والدرس برمته وهو في تفسير بعض آية منها، وقد منحه الله تعالى معرفة اختلاف العلماء ونصوصهم وكثرة أقوالهم واجتهادهم في المسائل وما روي عن كل واحد منهم من راجح ومرجوح ومقبول ومردود، حتى كان إذا سئل عن شيء من ذلك كأن جميع المنقول عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه والعلماء فيه من الأولين والآخرين متصور مسطور بإزائه وهذا قد اتفق عليه كل من رآه أو وقف على شيء من علمه ممن لم يغلظ عقله الجهل والهوى .." انتهى
وقال أيضا : وأما ذكر دروسه فقد كنت في حال إقامتي بدمشق لا أفوتها، وكان لا يهيئ شيئا من العلم ليلقيه ويورده، بل يجلس بعد أن يصلي ركعتين فيحمد الله ويثني عليه ويصلي على رسوله - صلى الله عليه وسلم - على صفة مستحسنة مستعذبة لم أسمعها من غيره، ثم يشرع فيفتح الله عليه إيراد علوم وغوامض ولطائف ودقائق وفنون ونقول واستدلالات بآيات وأحاديث وأقوال العلماء ونقد بعضها وتبيين صحته أو تزييف بعضها وبإيضاح حجته واستشهاد بأشعار العرب وربما ذكر ناظمها، وهو مع ذلك يجري كما يجري السيل ويفيض كما يفيض البحر، ويصير منذ يتكلم إلى أن يفرغ كالغائب عن الحاضرين مغمضا عينيه من غير تعجرف ولا توقف ولا لحن بل فيض إلهي حتى يبهر كل سامع وناظر فلا يزال كذلك إلى أن يصمت، وكنت أراه حينئذٍ كأنه قد صار بحضرة من يشغله عن غيره، ويقع عليه إذ ذاك من المهابة ما يرعد القلوب ويحير الأبصار والعقول، وكان لا يذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قط إلا ويصلي عليه.
ولا والله ما رأيت أحدا أشد تعظيما لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا أحرص على اتباعه ونصر ما جاء به منه، حتى إذا كان أورد شيئا من حديثه في مسألة ويرى أنه لم ينسخه شيء غيره من حديثه يعمل به ويقضي ويفتي بمقتضاه، ولا يلتفت إلى قول غيره من المخلوقين كائنا من كان، وقال - رضي الله عنه - : " كل قائل إنما يحتج لقوله لا به إلا رسول الله " .
وكان إذا فرغ من درسه يفتح عينيه ويقبل على الناس بوجه طلق بشيش وخلق دمث كأنه لقيهم حينئذٍ، وربما اعتذر إلى بعضهم من التقصير في المقال مع ذلك الحال، ولقد كان درسه الذي يورده حينئذٍ قدر عدة كراريس .
انتهى كلام البزار في كتابه " الأعلام العلية.
شيخ الإسلام بن تيميه كلمة جامعة في (أهل القبلة) (أهل الصلاة):
يقول رحمه الله: (إن كل من أقر بالله فعنده من الإيمان بحسب ذلك ثم من لم تقم عليه الحجه بما جاءت به الأخبار لم يكفر وهذا يُبين أن عامة أهل الصلاة مؤمنون بالله ورسوله وإن اختلفت اعتقاداتهم في معبودهم وصفاته، إلا من كان منافقاً يظهر الإيمان بلسانه ويبطن الكفر بالرسول (ص) وهذا ليس بمؤمن.
وكل من أظهر الإسلام ولم يكن منافقاً فهو مؤمن، له من الإيمان بحسب ما أوتيه من ذلك، وهو ممن يخرج من النار ولو كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان.
ويدخل في هذا جميع المتنازعين في الصفات والقدر على اختلاف عقائدهم.
ولو كان لا يدخل الجنة إلا من كان يعرف الله كما يعرفه نبيه(ص) لم تدخل أمته الجنة فأنهم أو أكثرهم لا يستطيعون هذه المعرفة، بل يدخلونها وتكون منازلهم متفاضلة بحسب إيمانهم ومعرفتهم) أ هـ . الفتاوي ج/5 ص 354.
قلت : في ذلك تصحيح وتصويب لمن يحكم على تلك المجتمعات المسلمة اليوم بأن الأصل فيها الكفر لوجود كثير من مظاهر الشرك والبدع والخرفة. فالشيخ رحمه الله يرى أن الأصل في هؤلاء الإسلام وان اختلفت رؤاهم ومعتقداتهم نحو كثير من القضايا، طالما أنهم من أهل الصلاة وإن كان هناك شئ من الانحراف على أي مستوى كان، فيجب أن تتم معالجته بالدعوة والبيان لا بالتكفير مهما كان.
في تكفير المعين:
ويفرق شيخ الإسلام بين التكفير العام والتكفير المعين إذ يرى:
"أن التكفير العام كالوعيد العام يجب القول بإطلاقه وعمومه". وذلك وفق الموجب بغض النظر عن حال ملتبسه
أمّا الكفر المعين فلا يحكم به على أحد إلا إذا توافرت فيه شروط الكفر وانتفت عنه موانعه دون تفريق بين المسائل العقدية والعملية.
وتقريراًَ لهذا المعنى يقول رحمه الله: "وحقيقة الأمر في ذلك أن القول قد يكون كفراً فيطلق القول بتكفير صاحبه ويقال: من قال كذا: "وهو كافر" لكن الشخص المعين الذي قاله لا يحكم بكفره حتى تقوم عليه الحجة، وهذا كما في نصوص الوعيد، فإن الله سبحانه وتعالى يقول (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا)، فهذا ونحوه من نصوص الوعيد حق ولكن الشخص المعين لا يشهد له بالوعيد فلا يشهد لمعين من أهل القبلة بالنار لجواز أن لا يلحقه الوعيد لفوات شرط أو ثبوت مانع، فقد لا يكون التحريم بلغة وقد يتوب من فعل المحرم، وقد تكون له حسنات عظيمة تمحو عقوبة ذلك المحرم وقد يبتلى بمصائب تكفر عنه وقد يشفع فيه شفيع مطاع.
وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق وقد تكون عنده ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون عرض له شبهات يعذره الله بها. فمن كان من المؤمنين مجتهداً في طلب الحق وأخطأ فإن الله يغفر له خطأة كائناً من كان، سواء كان في المسائل النظرية أو العملية ، هذا الذي عليه أصحاب النبي (ص) وجماهير أئمة المسلمين" أ هـ.
بل يرى شيخ الإسلام رحمه الله أن التحري في حال المتأول المخطئ في مسائل الاعتقاد أولى من المخطئ في المسائل العملية لخفاء الأولى وظهور الثانية.
فيقول رحمه الله" فإن ظهور تلك الأحكام بين المسلمين- يقصد العملية- أعظم من ظهورهذه، فإذا كان المتأول المخطئ في تلك الأحكام لا يحكم بكفره إلا بعد البيان له واستتابته كما فعل الصحابة رضي الله عنهم مع الطائفة الذين استحلوا الخمر ففي غير ذلك أولى وأحرى وعلى هذا يخرَّج الحديث الصحيح الذي قال: "إذا أنا مت فاحرقوني ثم اسحقوني في اليم فوالله لئن قدر الله عليَّ ليعذبني عذاباً ما عذبه أحداً من العالمين" وقد غفر الله لهذا مع ما حصل له من الشك في قدرة الله وإعادته إذا حرقوه".
ويقول رحمخة الله :"فإذا غفر الله سبحانه وتعالى لهذا فلأن يغفر للمتأول من أهل الاجتهاد الحريض على متابعة الرسول (ص) بطريق الأولى". ج/7/ص619.
فصل الخطاب في تكفير أهل البدع:
يقول رحمه الله "فصل الخطاب في هذا الباب بذكر أصلين هما:
أحدهما:
أن يُعلم أن الكافر في نفس الأمر من أهل الصلاة لا يكون إلا منافقاً. فإن الله منذ أن بعث محمداً (ص) وأنزل عليه القرآن وهاجر إلي المدينة صار الناس ثلاثة أصناف: مؤمن به وكافر به مظهر للكفر ومنافق مستخف بالكفر.
ولهذا ذكر الله هذه الأصناف الثلاثة في أول سورة البقرة ، ذكر أربع آيات في نعت المؤمنين وآيتين في الكفار ، وبضع عشر آية في المنافقين. وقد ذكر الله الكفار والمنافقين في غير موضع من القرآن كقوله "ولا تطع الكافرين والمنافقين" وعطفهم على الكفار ليميزهم عنهم بإظهار الإسلام ، وإلاّ فهم في الباطن شر من الكفار كما قال تعالى (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار).
ومن أهل البدع من يكون فيه إيماناً باطناً وظاهراً، لكن فيه جهل وظلم، وهذا ليس بكافر ولا منافق، ثم قد يكون منه عدوان وظلم يكون فاسقاً أو عاصياً، وقد يكون مخطئاً متأولاً مغفوراً له خطأه، وقد يكون مع ذلك معه الإيمان والتقوى ما يكون معه من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه فهذا أحد الأصلين.
والأصل الثاني:
أن المقالة تكون كفراً : كجحد وجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج وتحليل الزنا والخمر والميسر ونكاح ذوات المحارم ثم القائل بها قد يكون بحيث لم يبلغه الخطاب وكذا لا يكفر به جاحده كمن هو حديث عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه شرائع الإسلام، فهذا لا يحكم بكفره بجحد شئ مما أنزل على الرسول إذا لم يعلم أنه أنزل على الرسول، ومقالات الجهمية هي من هذا النوع، فإنها جحد لما هو الرب تعالى عليه ولما أنزل الله على رسوله.
لكن مع هذا قد يخفى كثير من مقالاتهم على كثير من أهل الإيمان حتى يظن أن الحق معهم لما يوردونه من الشبهات، ويكون أولئك المؤمنين مؤمنين بالله ورسوله باطناً وظاهراً وإنما التبس عليهم واشتبه هذا، كما التبس على غيرهم من أصناف المبتدعة ، فهؤلاء ليسوا بكفار قطعاً بل قد يكون منهم الفاسق والعاصي، وقد يكون منهم المخطئ المغفور له، وقد يكون معه من الإيمان والتقوى ما يكون معه به ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه". أ هـ الفتاوى ج/4/ص 162.
خلاصة:
من يتدبر هذا التفصيل والحكم على أهل البدع يجد تماماً أنه "قول فصل" كما أطلق عليه صاحبه شيخ الإسلام حين يخلص القارئ لهذا بأنه "لا يمكن أن يجمع الإنسان بين أن يكون من أهل الصلاة والكفر الصريح الذي يخرجه عن ملة الإسلام إلا إذا كان منافقاً ، ولكن ربما وقع في كثير من الآثام من كفر أصغر وغير ذلك من ذنوب".
في من اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباً من دون الله:
يقول شيخ الإسلام رحمه الله:"فيمن اتخذوا احبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله أنهم على وجهين:
أحدهما: أنْ يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل، ويعتقدون تحليل ما حرم وتحريم ما أحل، إتباعاً لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر وقد جعله الله ورسوله شرطاً.
الثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحليل الحرام وتحريم الحلال ثابتاً لكنهم أطاعوهم في معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعقتد أنها معاصي، وهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب".
ج/2 لمجموعة فتاوي ورسائل الشيخ ابن عثيمين ص 144 ناسبا ذلك لابن تيمية.
ابن تيمية والتصوف:
يطلق شيخ الإسلام ابن تيميه على العلماء المعتدلين من أهل التصوف بـ "الصوفية الشرعية" ويقول مقارناً بينهم وبين بعض الظاهرية أهل الحديث وعامة المؤمنين، فيقول رحمه الله حاكياً عنهم:
"ثم هم إما قائمون بظاهر الشرع فقط كعموم أهل الحديث والمؤمنين الذين في العلم بمنزلة العباد الظاهرين في العبادة، وإما عالمون بمعاني ذلك وعارفون به فهم في العلوم كالعارفين من "الصوفية الشرعية" وهؤلاء هم علماء أمة محمد المحضة وهم أفضل الخلق وأكملهم وأقومهم طريقة". ج/2ص45-46.
ومرة عند ذكره رحمه الله لبعض المنهيات قال: "والصوفية لمشهودون عند الأمة الذين لهم لسان صدق في الأمة لم يكونوا يستحبون مثل هذا، بل وينهون عنه ولهم في الكلام والرد على أهل الحلول ما لا يتسع هذا الموضع لذكره" ج/33 ص 258.
قلت:
يلاحظ في هذا الحديث لشيخ الإسلام ابن تيميه عن الصوفية والتصوف أنه ربما نجد من الصوفية الشرعية ما هو أفضل من أهل الحديث الذين يكتفون عند النظر في الكتاب والسنة بظاهر الشرع فقط دون العلم بمعاني ذلك والمعرفة به مما يؤكد أن الأمر لا كما عند كثير ممن ينكر التصوف بالجملة ويرفضه ولا الذين يدعون إلي قبوله حتى ولو كان خارجاً من إطار الشرع. وهنا تظهر وسطية الشيخ في الحكم على التصوف كسلوك.
قاعدة في المعاملة موالاة وهجراناً:
يقول شيخ الإسلام: ( وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر وفجور وطاعة وسنة وبدعة استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الالزام والإهانة، يجتمع له من هذا وهذا كاللص الفقير تقطع يده لسرقته ويعطي من بيت المال ما يكفيه لحاجته".
ثم يقول: "وهذا هو الأصل الذي أتفق عليه أهل السنة والجماعة وخالفهم فيه الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم فلم يجعلوا الناس لا مستحقاً للثواب فعلاً ولا مستحقاً للعقاب فقط" أهـ الفتاويى ج13/ص 325.
في الاجتهاد والتقليد"
يقول شيخ الإسلام ابن تيميمه رحمه الله "والذي عليه جماهير الأمة : أن الاجتهاد جائز للقادر على الاجتهاد والتقليد جائز للعاجز عن الاجتهاد،وكذلك العامي إذا أمكنه الاجتهاد في بعض المسائل جاز له الاجتهاد فإن الاجتهاد منصب يقبل التجزئ والانقسام فالعبرة بالقدرة والعجز وقد يكون الرجل قادر في بعض عاجزاً في بعض، لكن القدرة على الاجتهاد لا تكون إلا بحصول علوم تفيد معرفة المطلوب"ج/20/ص145.
في تغليب التحريم على الحل:
يقول ابن تيميه رحمه الله : "إن عامة ما ذم الله به المشركين في القرآن من الدين المنهى عنه إنما هو "الشرك والتحريم" ولذلك حكى عنهم في قوله "سيقول الذين اشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شئ".
ومن ذلك قوله تعالى : "أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله" ، وقال "ما جعل الله من بحيرة لا سائبة ولا وصيلة ولا حام" وقال: "قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق".
ثم يقول رحمه الله : "ولما كان الأصل المنهى عنه الذي فعلوه "الشرك والتحريم" روى في الحديث "بعثت بالحنيفية السمحة" والحنيفية ضد الشرك والسماحة ضد الحجر والتضييق. وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار عن النبي (ص) فيما يرويه عن ربه: "إني خلقت عبادي حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم وحرمت ما احللت لهم وأمرتهم ان يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا".
لذلك يقول الشيخ رحمه الله: "وأصل الضلال في أهل الأرض إنما نشأ من هذين:
1- إما اتخاذ دين لم يشرعه الله.
2- أو تحريم ما لم يحرمه الله.
ويقول رحمه الله : "وظهر أثر هذين الذنبين في المنحرفة من العلماء والعباد والملوك والعامة بتحريم ما أحله الله تعالى والتدين بنوع شرك لم يشرعه الله تعالى والأول يكثر في المتفقهة والمتورعة، والثاني يكثر في المتصوفة والمتفقرة" ج/20/ص82-100.
قلت:
ولعل أولئك الذين يغلبون جانب التحريم على الحل أو التحليل ما ذلك إلا لظنهم الخاطئ أن السلامة تكمن في إيثار جانب التحريم فتجدهم لا يتحرجون أبداً إذا ما أراد أحدهم أن يحرم على سائل من السائلين تحرجه إذا ما أراد أن يحل في حين أنه إذا ما كان هناك تحفظ أو تخوف فينبغي الشعور به إذا أردنا أن نحرم لأن الأصل في الأشياء الإباحة ولا يجوز أن ننقل من مساحة العفو هذه إلي مساحة التحريم إلا إذا ما امتلكنا دليلاً متفق عليه والخطأ عندي وارد عند من يريد أن يحل بخلاف وروده عند من يريد أن يحرم لأن المحلل يستصحب معه قاعدة عظيمة وهي "أن الأصل في الأشياء الإباحة" ثم أن المحرمات أصلاً هي استثناء ولا تجوز أصلاً إلا بدليل واضح وبيِّن للتحذيرات الكثيرة الواردة في ذلك وأن الشرع أصلاً ما جاء إلا ليعالج بوجه عام مسألة التحريم مع مسألة الشرك ولقد عاب الله عليهم "التحريم" كما عاب عليهم الشرك كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيميه في بداية الحديث عن هذه المسألة.
لا إنكار ولا تأثيم ولا هجران في مسائل الخلاف الاجتهادية:
يقول الشيخ رحمه الله : "إن هذا هو مذهب أهل السنة فإنهم: لا يرون تأثيما لمن أجتهد في المسائل كأنها من غير تفريق بين الأصول والفروع فمن استفرع وسعه في معرفة مراد الله عز وجل وكان أهلاً لذلك فإنه لا يأثم بهذا الاجتهاد، بل هو بين أجر وأجرين فلا تأثيم في مسائل الاجتهاد ولا تهاجر بين المؤمنين".
ويقول رحمه الله: "وقد اتفق الصحابة في مسائل تنازعوا فيها على اقرار كل فريق للفريق الآخر على العمل باجتهادهم كمسائل في العبادات والمناكح والمواريث والعطاء والسياسة، وقد تنازع الصحابة في مسائل اعتقادية كسماع الميت صوت الحي وتعذيب الميت ببكاء أهله عليه ، ورؤية محمد (ص) ربه قبل الموت مع بقاء الجماعة والالفه". ج/19/ص122.
في مواصفات إنكار المنكر:
يقول شيخ الإسلام رحمه الله:
"صحيح أن الأصل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يكون على الفور شريطة "أن يكون ذلك المنكر ظاهر للمحتسب بغير تجسس ومعلوم كونه منكراً بغير اجتهاد وأن لا يؤدي حسمه إلي مفسدة أكبر أو تفويت مصلحة أعظم" أهـ ج/3/ص288.
وفي تفسير الشرط الأخير المذكور أعلاه وهو "أن لا يؤدي حسمه إلي مفسدة أكبر أو تفويت مصلحة أعظم" يقول رحمه الله: "وكذلك إذا اجتمع محرمان لا يمكن ترك أعظمهما إلا بفعل أدناهما لم يكن فعل الأدنى في هذه الحال محرماً في الحقيقة وأن سمى محرماً باعتبار الإطلاق"أهـ ج/20/ص 57.
ومن ذلك أيضاً "إذا كانت المفسدة للأمر والنهي أعظم من مصلحته لم يكن مما أمر الله به وإنْ كان قد ترك واجب وفعل محرم إذ المؤمن عليه أنْ يتقى الله في عباد الله وليس عليه هداهم"
كتاب الاستقامة لابن تيميه ج/2/ص221.
الأصل في جميع الأعيان الحل والطهارة:
يقول رحمه الله: " ما علم أن الأصل في جميع الأعيان الموجودة على اختلاف اصنافها وتباين أوصافها أن تكون حلالاً مطلقاً للآدميين وأن تكون طاهرة لا يحرم عليهم ملابستها ومباشرتها ومماستها، وهذه كلمة جامعة ومقالة عامة، وقضية فاصلة عظيمة المنفعة واسعة البركة، يفزع إليها حملة الشريعة فيما لا يحصى من الأعمال وحوادث الناس، وقد دل عليها عشرة مما حضرني ذكره من الشريعة وهي كتاب الله وسنة رسوله وإتباع سبيل المؤمنين المنظومة في قوله تعالى (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم)، وقوله : (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) ثم مسالك القياس والاعتبار ومناهج الرأي والاستبصار" ج/21/ص5345.
الأصل في دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم
يقول رحمه الله: " والأصل في دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم محرمة من بعضهم على بعض لا تحل إلا بإذن الله ورسوله"
قال النبي (ص) لما خطبهم في حجة الوداع : "إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا".
وقال (ص) "كل المسلم على المسلم حرام ، دمه وماله وعرضه" وقال (ص): "من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو المسلم له ذمه الله ورسوله ".
وقال(ص) :"لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض". وهذه الأحاديث كلها في الصحاح.
إلي أن قال "فالواجب على المسلم إذا صار في مدينة من مدائن المسليمن أن يصلي معهم الجمعة والجماعة ويوالي المؤمنين ولا يعاديهم وإن رأى بعضهم ضالاً أو غاوياً وأمكن أن يهديه ويرشده فعل ذلك وإلا فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها"، إلي أن قال"ولم يأمر الله تعالى قط أحداً إذا صلى كما أمر بحسب استطاعته أن يعيد الصلاة ولهذا كان أصح قول العلماء أن من صلى بحسب استطاعته أن لا يعيد".
العمل بالرأي والإلهام عند ابن تيميه:
يقول شيخ الإسلام رحمه الله في ذلك:
"إن القلب المعمور بالتقوى إذا رجح بمجرد رأيه فهو ترجيح شرعي قال: فمتى ما وقع عنده وحصل في قلبه ما بطن معه أن هذا الأمر أو هذا الكلام ارضى لله ورسوله كان هذا ترجيحاً بدليل شرعي والذين انكروا كون الإلهام ليس طريقاً إلي الحقائق مطلقاً أخطؤوا فإذا اجتهد العبد في طاعة الله وتقواه كان ترجيحه لما رجح أقوى من أدلة كثيرة ضعيفة، فالهام مثل هذا دليل في حقه وهو أقوى من كثير من الأقيسة الضعيفة والموهومة والظواهر والاستصحابات الكثيرة التي يحتج بها كثير من الخائضين في المذاهب والخلاف وأصول الفقه وقد قال عمر بن الخطاب : "أقربوا من أفواه المطيعين واسمعوا منهم ما يقولون فإنهم تتجلى لهم أموراً صادقة" وحديث مكحول المرفوع: " ما أخلص عبدُ العبادة لله تعالى أربعين يوماً إلا أجرى الله الحكمة على قلبه وأنطق بها لسانه" وفي رواية "إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه".
وقال ابو سليمان الداراني: "إن القلوب إذا اجتمعت على التقوى جالت في الملكوت ورجعت إلي أصحابها بطرف الفوائد من غير أن يؤدي إليها عالم علماً".
وقد قال النبي (ص) : "الصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء" ومن معه نور وبرهان وضياء كيف لا يعرف حقائق الأشياء من فحوى كلام أصحابها ولاسيما الأحاديث النبوية فإنه يعرف ذلك معرفة تامة لأنه قاصد العمل بها فتتساعد في حقه هذه الأشياء، حتى أن المحب يعرف من فحوى كلام محبوبه مراده منه تلويحاً لا تصريحاً.
والعين تعرف من عيني محدثها
إن كان من حزبها أو من أعاديها
إنارة العقل مكشوف بطوع هوى
وعقل عاصي الهـوى يزداد تنويرا
وفي الحديث الصحيح: "لا يزال عبدي يتقرب لي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشى بها". ومن كان توفيق الله له بذلك فكيف لا يكون ذا بصيرة نافذة ونفس فعالة.
إلي أن يقول رحمه الله : "فإن الله فطر عباده على الحق فإذا لم تستحل الفطرة شاهدت الأشياء على ما هي عليه فانكرت منكرها وعرفت معروفها".
قال عمر: "الحق أبلج لا يخفى على فطن" . وقال حذيفة بن اليمان: "إن في قلب المؤمن سراجاً يزهر".
إلي أن يقول رحمه الله : "وكلما قوى الإيمان في القلب قوى انكشاف الأمور له وعرف حقائقها من بواطنها،وكلما ضعف الإيمان ضعف الكشف وذلك مثل السراح القوي والسراج الضعيف في البيت المظلم".
ولهذا قال بعض السلف في قوله "نور على نور" قالوا هو المؤمن ينطق بالحكمة المطابقة للحق وإن لم يسمع فيها بالأثر ، فإذا سمع فيها بالأثر كان نوراً على نور.
وفي الصحيح عن النبي (ص) قال: "قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي منهم أحد فعمر" والمحدث هو الملهم المخاطب في سره. إلي أن يقول :" وأيضاً فإذا كانت الأمور الكونية قد تنكشف للعبد المؤمن لقوة إيمانه يقيناً وظناً فالأمور الدينية كشفها له أيسر بطريق الأولى فإنه إلي كشفها أحوج" أهـ ج/20/ص 31-34.
في إقامة الدين وتجديده:
يقول رحمه الله : "فإذا حصل من يقوم بالدين من العلماء أو الأمراء أو مجموعهما كان بيانه لما جاء به الرسول (ص) شيئاً فشيئا بمنزلة بيان الرسول (ص) لما بعث به شيئاً فشيئا، ومعلوم أن الرسول لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به كما أن الداخل في الإسلام لا يمكن حين دخوله أن يلقن جميع شرائعه ويؤمر بها كلها. وكذلك التائب من الذنوب والمتعلم والمسترشد لا يمكن في أول الأمر أن يؤمر بجميع الدين ويذكر له جميع العلم فإنه لا يطيق ذلك، وإذا لم يطقه لم يكن واجباً عليه في هذه الحال وإذا لم يكن واجباً لم يكن للعالم أو الأمير أن يوجبه جميعه ابتداء بل يعفو عن الأمر والنهي كما عفا الرسول (ص) عنه إلي وقت بيانه.
ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرمات وترك الواجبات لأن الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل، وقد فرضنا انتفاء هذا الشرط، فتدبر هذا الأصل فإنه نافع" أ هـ/ج20/ص43.
فقه الممكن في المشاركة وتولي الولايات:
يقول رحمه الله : "ثم السلطان يؤاخذ على ما يفعله من العدوان ويفرط فيه من الحقوق مع التمكن".
وإذا كان المتولي للسلطان العام أو بعض فروعه كالإمارة والولاية والقضاء ونحو ذلك لا يمكنه أداء واجباته وترك محرماته ولكن ربما تولى غيره ذلك- يعني من هو اسوأ منه- فهنا تجوز له الولاية وربما تجب وذلك لأن الولاية إذا كانت من الواجبات التي يجب تحصيل مصالحها من جهاد العدو وإقامة الحدود وأمن السبيل كان معها واجباً حتى ولو كان ذلك مستلزماً لتوليه بعض من لا يستحق وأخذ بعض ما لا يحل وإعطاء بعض من لا ينبغي ولا يمكنه ترك ذلك فيكون ذلك من باب ما لا يتم الواجب أو المستحب إلا به فيكون واجباً أو مستحباً إذا كانت مفسدته دون مصلحة ذلك الواجب أو المستحب، بل حتى ولو كانت الولاية غير واجبة وهي مشتملة على ظلم ومن تولاها أقام الظلم حتى تولاها شخص آخر مقصده بذلك تخفيف الظلم فيها ودفع أكثره باحتمال أيسره كان ذلك حسناً مع هذه النية وكان فعله لما يفعله من السيئة بنية دفع ماهو أشد منها جيداً وهذا باب يختلف باختلاف النيات والمقاصد
إلي أن يقول رحمه الله مستشهداً بيوسف عليه السلام حيث يقول:
"ومن هذا الباب تولى يوسف الصديق على خزائن الأرض لملك مصر بل ومسألته أن يجعله على خزائن الأرض وكان هو وقومه كفارا، ومعلوم أنه مع كفرهم لابد أن يكون لهم عادة وسنة في قبض الأموال وصرفها على حاشية الملك وأهل بيته وجنده ورعيته، ولا تكون تلك جارية على سنة الأنبياء وعدلهم، ولم يكن يوسف عليه السلام يمكنه أن يفعل كل ما يريد وهو ما يراه من دين الله فإن القوم لم يستجيبوا له ولكنه فعل المكن من العدل والإحسان ونال بالسلطان من أكرام المؤمنين ومن أهل رعيته ما لم يكن أن يناله بدون ذلك وهذا كله داخل في قوله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم)"ج/0 ص 39-41.
قلت:
واني لاعتقد أن في ذلك تحزيراً لمسألة المشاركة وتولي الولايات والتي كم اشكلت على الجماعات الإسلامية في بلدانها والتي غالباً ما يتولاها حكام مسلمين لا يحكمون (بشرع الله) الذي بمعنى (الحدود والعقوبات) فأقول: إذا كان الأمر فيه متسع حتى مع غير المسلمين من الحكام أمثال ملك مصر الكافر فإن ذلك مع حكامنا المسلمين الذين يحكمون مع تفريطهم في تطبيق الحدود أو قانون العقوبات من باب أولى، كما نلاحظ أن غالب كلام شيخ الإسلام هنا وفي هذه المسألة تحديدا لا يركز على جواز المشاركة فحسب وإنما بجواز ذلك حتى في حالة تعرض المتولي أو المشارك لفعل ما هو علا خلاف سنة الأنبياء وعدلهم في بعض الأمور، كتوزيع الأموال مثلاً طالما أن المصلحة أعظم من تلك المفاسد وأنه لا يشترط في المشاركة أن يحقق المتولي أو المشارك كل ما يريد من دين الله إن لم يمكنه ذلك وإنما عليه فعل الممكن من العدل والإحسان، وذلك كله استناداً على قوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم).
المسلمون في المهجر ومخالفة غير المسلم:
يقول شيخ الإسلام: "إن المخالفة لا تكون إلا مع ظهور الدين وعلوه كالجهاد والزامهم بالجزية والصغار، فلما كان المسلمون في أول الأمر ضعفاء لم تشرع المخالفة لهم فلما كمل الدين وظهر وعلا شرع بذلك ومثل ذلك اليوم:
لو أن المسلم بدار حرب أو دار كفر غير حرب لم يكن مأموراً بالمخالفة في الهدى الظاهر لما عليه في ذلك من العذر، بل قد يستحب للرجل أو يحب عليه أن يشاركهم أحياناً في هديهم الظاهر إذا كان في ذلك مصلحة دينية من دعوتهم إلي الدين أو الإطلاع على باطن أمورهم لإخبار المسلمين بذلك، أو دفع ضرر ونحو ذلك من المقاصد الصالحة. اقتضاء الصراط المستقيم ج/1/ص 471
قلت: ومما يستغرب ويحزن له الإنسان هو عدم تمثل اخوتنا المسلمين لخطى هذا المنهج في (بلاد الغرب) أوروبا وأمريكا أو في بلاد غير المسلمين عموماً بسبب اعتقادهم أن لابد من مخالفة أولئك المشركين والابتعاد عنهم فيكبلون أنفسهم ويقيدونها دون مقيد مع أن الشرع الحنيف سمح لهم بهامش ليتحركوا من خلاله لم يسمح به لغيرهم اعتباراً وتقديراً لظرفهم الخاص كما حرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله في حديثه أعلاه.وبعد ذلك كله نجد ان إخوتنا في هذه الأمكنة يصرون على مستحبات بل لا مانع من أن يدخلوا بسبب الحرص عليها في معارك مع هؤلاء كالاصرار على النقاب في فرنسا وغيره، هذا مع أنهم يسعهم أن يتركوا ذلك فإذا كان أهل العلم ذكروا لهم أنهم غير مطالبين بمخالفة هدى أولئك الظاهر يعني غير مطالبين باعفاء اللحى مثلاً مخالفة لهم خوفاً من أضرار قد تلحق بهم وبالإسلام فمن باب أولى أن يتركوا كثيراً من المستحبات والواجبات إذا ما تعارض فعلها مع مصالح عظى أخرى.
ابحث
أضف تعليقاً