wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
ورق عمل الأستاذ أبو جرة السلطاني: حركة مجتمع السلم

    إنّ ما يجري اليوم على السّاحة العربية ــ لاسيما بعد ثورتي تونس ومصر ــ قد أجاب عن كثير من الأسئلة التي ظلّت لمدّة خمسين(50) سنة تتحرّك في فضاءات التّنظير المثالي، في فقه المطالبة، والمغالبة، والمشاركة، في غياب، أو تغييب، أصحاب القضية –المحظورين سياسيا- الذين تطلق عليهم الأنظمة المتخندقة تسمية "الإسلاميين "، وتعمل على أن تعلق على مشاجبهم كلّ إخفاقاتها.
- فالإسلاميون هم العقبة الكؤود أمام حركة التطور و التقدّم والعصرنة..
- والإسلاميون هم أعداء الدّيمقراطية وخصوم المرأة، ودعاة الإنغلاق والعودة إلى عصور الظلام.
- والإسلاميون هم المنظّرون لفقه التطرّف، وهم مهندسو شبكات العنف ومؤسّسو تيارات الإرهاب، وهم وراء "شيوع" التّنظيمات المتوتّرة في العالم، ومموّلو تنظيم القاعدة.
- والإسلاميون هم أسباب كلّ الفساد، والخراب، وتوتّر العلاقات بين الشرق والغرب، وهم الذين سبب التخلف في دول الجنوب، وهم من يقف ضد التطبيع، وراء فشل مبادرات السّلام مع الكيان الصهيوني، ويعرقلون مساعي الأنظمة العربية في الوصول إلى الحرية والدّيمقراطية والكرامة وحقوق الإنسان، بل هم ــ في نظر بعض الأنظمة ــ أسباب الكوارث والجوائح والنوازل، والفيضانات والزلازل والبراكين...

فهم كما وصفهم الشاعر:
واللّه، لولا خشية العذال   ***    لقلت: هم محرّكو الزلزال

والحمد للّه، أنّ مايجري اليوم في عالمنا العربي قد تولى الإجابة عن كثير من هذه التّساؤلات وأسقط كمّا هائلا من التّهم الباطلة. ورفع الحواجز التي نصبتها الأنظمة المتخندقة في وجه الديمقراطية وحملت الحركة الإسلامية أوزارها.

إنّ التحوّلات التي تشهدها المنطقة العربية قد كشفت عن أوهام كثيرة نسجها الاستبداد السّياسي ليطيل بها زمن المكث في سدّة الحكم، فتساقطت هذه الأوهام الواحد تلو الآخر، فحلال الثلث الأول من عام 2011 سقطت خمسة (05) أوهام :
-وهم الخيار القصري بين النّظام القائم أو البديل الإسلامي.
-ووهم السلوكات عن فضائح تزوير الإنتخابات أو قيام " الإمارات الإسلامية ".
- ووهم ديمقراطية الواجهة أو زحف الخطر الأخضر.
-ووهم الشعار القائل : لا بديل عن الإستبداد القائم إلاّ الفوضى القادمة.
-ووهم إحتكار السّلطة والثروة لسدّ الطريق أمام ديمقراطية الغوغاء.
وبسقوط هذه الأوهام المصنوعة في مخابر الدّيمقراطيات المفصّلة على المقاس تأكّد اليوم أنّ التحدّيات التي كانت تواجه التّيارات الإسلامية قد تحوّلت كلّها من خارج أنفسهم ــ كضحايا للأنظمة التسلطية ــ إلى مواجهة مع الذات، بعد أن تزحزحت كثير من التحديات، إذا استثنينا تحدّ يين إثنين مازالا قائمين، وهما:
1.  تحدّي علاقة الأنظمة العربية بالكيان الصهيوني.
2.  وتحدّي علاقة التيارات الإسلامية بخطوط النّفط.
بمعنى أنّ الدّيمقراطية المطروحة اليوم للنّقاش العام، في عالمنا العربي (نموذج تونس ومصر)       ــ في إطار التحوّلات التي يشهدها العالم العربي ــ قد شطبت من قواميسها كلّ المفردات ذات الصلة بالداخل (فلكلّ دولة الحق في صناعة ديمقراطيتها (والتيارات الإسلامية بشكل خاص)  إذا إحترم الجميع قواعد اللّعبة الدّيمقراطية) وهو ما يعني:
-أنّ التحدّيات قد تحوّلت من الخارج إلى الدّاخل، وانحصرت في إختبار  قدرة الشّعوب، على إعادة صياغة منظومتها السّياسية في ثلاث إتّجاهات كبرى:
• إتّجاه القدرة على التّعايش السلمي مع الجميع، وفق مفهوم المواطنة  بعيدا عن إكراهات اللّون السّياسي والعقيدة والإيديولوجيا، والجهة والعرق واللّون والتّاريخ والشّرعيات الثّورية..إلخ.
• واتّجاه القدرة على إعتماد المعايير الدّولية في ممارسة الفعل الديمقراطي، والقيام بالواجبات واستخلاص الحقوق، ووضع التّشريعات والقوانين، وإدارة العمليات الإنتخابية، وإستبعاد ثقافة اللّجوء إلى العنف لا للوصول إلى السّلطة و لا من أجل البقاء فيها، على قاعدة أنّ الأغلبية الشّعبية ــ التي تزكّيها صناديق الاقتراع ــ تحكّم وللأقلّيات حقوقها واحترامها ومكانتها في الوطن.
إنّ مربط الفرس في كلّ صراع تفرضه التحوّلات الدّيمقراطية، بصرف النظر عن العقائد والإيديولوجيات، إنّما يستهدف أساسا فكرة بسط النّفود واحتكار الساحة الوطنية، وإقصاء الآخر.. بطريقتين:
-طريقة السّيطرة على السّلطة لإدارة المال.
-وطريقة إحتكار الثروة للخلود في السّلطة.
وبين سلطة المال ومال السّلطة تقوم كلّ الصّراعات بين الشرعيات المتعارضة (شرعية الثورة والتاريخ، شرعية الوطن، شرعية الدين، شرعية الشعب..إلخ) تحت عناوين براقة من أفقعها: الإسلام، والوطنية والدّيمقراطية.

لكي أتجاوز الطّرح النّظري لمسألة " الإسلاميين وتحديات التحوّل الدّيمقراطي"، وأطرح رؤية عملية، إسمحوا لي أن أضع بين أيديكم خلاصة مركزية لتجربة حركة مجتمع السّلم الجزائرية خلال عشرين (20) عاما من تعاطيها مع هذه الأطروحات في الميدان العلمي..لا في كتب الفقه السّياسي.
إنّ التطرّف الذي إتّسعت دوائره داخل تيارات الحركة الإسلامية كان ناجما عن تطرف علماني (لائكي) أقصى شرائح واسعة من أبناء الوطن من أيّة وظيفة سياسية أو إجتماعية، وضيف هوامش الحريات واحتكر السلطة والثروة.. ووضع الجميع في سلّة واحدة أطلق عليها اسم الإرهاب الأصولي (أو التطرّف الإسلامي) 
  
أمام هذه الوضعية نادت حركة مجتمع السلم بضرورة العودة إلى عمق خطاب الوسطية والاعتدال كونه العلاج  الأمثل لكل التوترات التي لها صلة بالغلو والتطرف، لاسيما إذا تحول هذا الفقه إلى ممارسات ميدانية تستهدف الوصول إلى بناء ثقافة عامة بين جميع أبناء الوطن عن طريق:
- الحوار الثنائي و المتعدد في القضايا المصيرية للأمة.
- التربية الوطنية للنشء على الفهم المعتدل للإسلام
- الإدارة الراشدة للتكفل بأقضية الناس والإستجابة لانشغالاتهم .
- المؤسسات الديمقراطية القائمة على خدمة الصالح العام.
- الأنظمة المتواصلة مع مواطنيها و المتجاوبة مع تطلعاتهم وطموحاتهم 
- الإعلام الباني للقناعات و المساهم في تشكيل رأي عام متناغم و متعاون بعيدا عن استفزاز مشاعر الناس وإثارة عواطفهم وتحريض بعضهم على بعض .
- وإرادة سياسية تمثيلية تتكافأ فيها الفرص وتتساوى فيها الحظوظ وتتعزز من خلالها المشاركة الفاعلة والمثمرة لكل أفراد الشعب،  إرادة سياسية تعرف أولوياتها وتناضل سلميا لاستكمال مشاريع الإصلاح الشامل على كل المستويات : السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي.

هذا ما فهمته حركة مجتمع السلم في لعبة الشد والجذب، وأدركت – منذ الوهلة الأولى- أن التطرف لا يولّد إلاّ المزيد من العنف والإرهاب، وأن العلاج يكمن في الدعوة إلى تحكيم العقل وحمل الناس على العودة إلى الوسطية والاعتدال.

لذلك بذلت حركة مجتمع السلم ما في وسعها ومكنتها لتتجاوز عتبات الاحتباس السياسي و الاحتقان الاجتماعي القائمة على المطالبة و المغالبة إلى آفاق المشاركة في صناعة رأي عام وطني، وحاولت زرع قناعات مشتركة وصيغ مرنة لمعالجة أسباب المأساة الوطنية والتكفل بآثارها وتداعياتها بجملة من الفقهيات المتجددة بعيدا عن فقه الصراع والحرابة ودفع الصائل إلى خمسة مستويات من الفقه المتجدد لمعالجة أسباب التطرف والتصدي لمدارس الغلو والعنف والإرهاب ، هي :
- فقه المرحلية والتدرج المانع من التسرع والإنبتات.
- فقه المآلات والعواقب الناظر في صيرورة القناعات والممارسات.
- فقه المقاصد والكليات الدافع باتجاه التعاون على "المشترك الأوسع".
- فقه الموازنات وتقدير المصلحة وتوازن المصالح والمفاسد.
- فقه الأولويات بالتقديم والتأخير.

وقد برعت الحركة في التأسيس العملي لهذه المستويات الفقهية المتجددة التي كانت إما غائبة ( لعدم الحاجة إليها قبل استفحال ظاهرة الغلو والتطرف والعنف والإرهاب) وإما مغيبة بسبب طغيان خطاب الاستئصال من دعاة العلمانية و "الكلّ الأمني" في مواجهة اتساع دوائر خطاب "نحن أو الطوفان" من طرف الجماعات المسلحة من دعاة المشروع الإسلامي.

في ظل هذه الثنائية المقيتة التي صنفت المجتمع الجزائري إلى صنفين وقسمته إلى معسكرين : 
- معسكر العلمانيين المنادين باستئصال شأفة الإسلام بمتطرفيه ومعتدليه، وهو معسكر المنادين بشعار " على الرعب أن يغير معسكره".
- ومعسكر الإسلاميين المنادين بأن من ليس معنا فهو ضدنا الرافعين شعار : "واقتلوهم حيث ثقفتموهم ".

بين هذين التطرفين برز خطاب حركة مجتمع السلم الوسطي المعتدل – المنادي بالمصالحة وتحكيم العقل- ليجدد في الأمة خطاب الفقهيات المنسية في سنن التدافع السلمي المانع من هدم الصوامع والبيع والصلوات والمساجد :" ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد ..." فابتعثت إلى ثقافة الناس وإلى الواقع المحتقن خطاب الوسطية والاعتدال عبرا المستويات الخمسة (05)، السالفة الذكر، من الفقه المنسي.

ومع الزمن، بلورت الحركة خطابا جديدا مزج بين الوطنية والإسلام من جهة، وبين الديمقراطية والإسلام من جهة أخرى، ورفعت شعار "المشاركة لا المغالبة " وانخرطت بكامل قواها في مسعى المصالحة الوطنية بالدفاع عن سماحة الإسلام البريء من التكفير والتفجير، وواجهت الغلو والتطرف بالوسطية والاعتدال وفقه : "لئن يسطت إلىّ يديك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك..".

والخلاصة التي ننتهي إليها هي : أن المأزق الذي كانت تتخبط في التيارات الإسلامية كلها تقريبا هو مأزق الإستبداد والإحتكار وغياب الحريات ومصادرة حق الفرد في المشاركة بتهمة الانتساب للإسلام.

فالتحديات لم تكن حقيقية ماثلة يمكن التعاطي معها فيما هو متاح ومباح، وإنما كانت تحديات مفتعلة رفعتها كثير من الأنظمة المتخندقة فزّاعات تاريخية تخيف بها خصوم الإسلام، على مدى قرن من الزمن، مفادها : إما الإستبداد القائم الذي يحارب الأصولية ويحفظ مصالحكم، وإما "الدولة الدينية" التي تعود بنا جيمعا إلى قرون الظلام فجاءت الثورات الشعبية لتجسد شعارا جديدا قطعت به جهيزة قول كل خطيب مفاده : "الشعب يريد إسقاط النظام".

أضف تعليقاً

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.