wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
ورقة عمل الدكتور سفير جراد:أهمية وحدة الأمة وجمع الكلمة عند ابن تيمية/سوريا

الوحدة الإسلامية في فكر ابن تيمية بين النظريات والطموحات

    إعداد الدكتور :
    سفير أحمد الجراد

 

 

ابن تيمية الموسوعة المتحركة

شيخ الإسلام أحمد تقي الدين أبو العباس بن تيمية المولود سنة {661هـ /1263م}
والمتوفى سنة {728هـ/1328م} 
قد استوفى المترجمون  له والكاتبون في سيرته ذلك كله وظن الكثيرون أنه لم يعد في حياة شيخ الإسلام واّثاره ما يتسع للبحث أو يحتاج إلى الدراسة فقد كتب الباحثون في سيرته ومناقبه وصفته وأسرته ومشيخته ومرباه وجهاده العلمي والسياسي وفكره وعلومه ومعاركه وخصومه ومواقفهم منه وعفوه وحلمه وورعه وتقواه وتواضعه وتلاميذه ومؤلفاته وعزوبته وأسباب إعراضه عن الزواج وغير ذلك من خاصة شأنه وعامته كتب في ذلك مسلمون وغير مسلمون  فقد كان الرجل موسوعياً يمثل ظاهرة أو مدرسة هو ضميرها والمعبر عن اتجاهها

 ولهذه المدرسة نموذجها ونظامها المعرفي وتصورها ومنهجهاورؤيتها في المعرفة والعقيدة والقراءات والدلالات والتجديد والاجتهاد والتصوف والتسلف والسياسة والحكم والمال والاقتصاد والجهاد والإصلاح والتغيير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها من شؤون الدنيا والاّخرة  
لقد نشأت هذه المدرسة أو الظاهرة والأمة المسامة في حالة تراجع وتمزق بل في حالة تردٍ وتدهور على مستوى الدول والنظم 
والحاكمين وعلى مستوى الفكر والتصور والاعتقاد والعلاقات والسلوك ومؤسسات الوقف والمدارس والقضاء والحسبة ونحوها 
كانت الأمة كأنها قد تحولت إلى قطع متجاورات من الأرض ومن الكتل البشرية تقام على كل من تلك القطع دولة أو إمارة تسيطر عليها أسرة من الأسر الحرة أو ثلة من المماليك والعبيد وكل تلك القطع أو المزق المسماة بالدول أو الإمارات أو سواها كانت مثخنة بجراح معارك الصليبيين واعتداءاتهم مذعورة من غزوات التتار وحروبهم

   الفكر القيمي عند ابن تيمية

لقد كانت ((الأزمة الفكرية)) قد بلغت أوجها في عصر شيخ الإسلام ابن تيمية واستفحل أمرها  وامتدت امتداداً سرطانياً جعلها تبسط ظلها البغيض على جوانب التصور والإعتقاد والمنهج والمصادر والعلاقات والمعاملات والسياسة والأقتصاد ونواحي العمران المختلفة ومنها السلوك والأخلاق وأساليب التدين ولقد تغير فهم الناس للدين ذاته تغيراً شمل أهم جوانبه البنائية والوظيفية وشلّ فاعليته بل لقد أدت البدع والإنحرافات إلى ظهور كثير من السلبيات والممارسات المنحرفة والتصورات الشاذة التي ألبست لبوس التدين
لقد كان من أهم عواصم الفكر الإسلامي من الإنحراف أنه فكر قام على قواعد عقيدة ربانية موحاة من الله تعالى بكل أركانها وعناصرها ومقوماتها وخصائصها وذلك المصدر الرباني المعصوم هو المصدر الوحيد لتلك العقيدة السليمة وهو الذي ميز هذه العقيدة وما انبثق عنها من تصورات وأفكار عن تلك التصورات البشرية الفلسفية التي ينشئها الفكر البشري حول الحقيقة الإلهية أو الحقيقة الكونية أو الحقيقة الإنسانية  
والعلاقات والإرتباطات القائمة بين هذه الحقائق 
كما أن الوحي انبثاق العقيدة عنه واستنادها إلى مصدريته -وحده- هو الذي ميز هذه العقيدة السليمة عن المعتقدات الوثنية التي تنشئها المشاعر والأخيلة والأوهام والتصورات البشرية المختلفة ومنحها خصائص لم تتوفر في عقيدة غيرهامنها الإحاطة والشمول والتوازن والقدرة على الإجابة على الأسئلة الكلية وتقديم التفسيرات وتحديد العلاقات بين الله تعالى والكون والإنسان

  منهج ابن تيمية في البناء المعرفي للإنسان

ومن هذا المنطلق بدأ شيخ الإسلام ابن تيمية جهاده في تصحيح العقيدة بعد أن أدرك الإنحراف الذي أصابها فعمل على إعادة بناء قواعدها بناءً سلفيا نقيا يعتمد الكتاب الكريم واّياته في الإستدلال لكل جانب من جوانبها وتنقيته مما علق به أو أحيط به من شوائب ومستنيراً بسنة رسول الله  صلى الله عليه وسلم ومنطلقاً من القراءة في الوحي في إعادة بناء قواعدها لبنة لبنة واضعاً نصب عينيه حالة الأمة الإسلامية في عصره وفرقتها وانقسامها فبدأ يناقش مقالات الفرق والطوائف المختلفة ويضع بين أيديها ما أصاب عقيدتها الإسلامية من إصابات وانحرافات لعل ذلك يعيد هذه الفرق المختلفة إلى دائرة الأمة الواحدة ويقضي على اختلافاتها المفرقة 
ومعظم كتبه التي ناقش فيها معتقدات الفرق الإسلامية في عصره قد انطلق في اعدادها وكتابتها من هذا المنطلق - منطلق تنقية التصورات الإسلامية وتصحيح العقيدة وإعادة توحيد الأمة أو التأليف بينهاعلى تلك القاعدة الصلبة من التصحيح المنهجي السليم- الذي يكفل بعد ذلك تحقيق وحدة الأهداف والمواقف بعد وحدة المفاهيم والأفكار بل لقد تجاوز شيخ الإسلام في طموحاته المشروعة هذه الدائرة الإسلامية الخاصة إلى الدائرة الإسلامية الأوسع الدائرة التي ترى في الإسلام جماع رسالات الأنبياء والمرسلين دائرة الحنيفية السمحة والإبراهيمية الشاملة

التي يعبر الإسلام عنها أصح وأصدق تعبير: {ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين ءامنوا والله ولي المؤمنين}
فوضع جملة ً من الكتب القيمة في مناقشة المعتقدات الموروثة لليهود والنصارى في عصره وبيان مالحق بهما من تبديل وتحريف وإضافة ونقصان  
وحاول-ولقد فعل ذلك- بروح الداعية المخلص لا بروح المهاجم أو المدافع لعله يحمل هؤلاء على مراجعة أنفسهم وتجاوز إضافات البشر وتحريفاتهم في رسالات رسلهم وأنبيائهم لتقوم جبهة يسودها الهدى ودين الحق بوجه جبهة الإلحاد والشرك والوثنية فكان البعد العالمي للإسلام واضحاً بيناً لديه وكان يرى النهج السليم لتحقيقه في تصحيح العقائد وإعادة بنائها 
وبعقلية النطاسي البارع استطاع أن يراجع سائر مقولات أهل الكتاب ودعاويهم وتحريفاتهم التي حاولو من خلالها أن يبينوا أن النبي الذي بشرت به التوراة والإنجيل ليس محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام وأن الصفات الواردة في تلك المبشرات لا تنطبق عليه ولا على شريعته وإذا كان هناك ما يدعو إلى التسليم بنبوته صلى الله عليه وسلم ورسالته فيمكن أن يسلم له أنه نبي للعرب وحدهم يحمل رسالة تخصهم

وبالتالي فليس هو النبي الخاتم للنبوات الحامل للرسالة العالمية الشاملة الخاتمة الذي سيستمرون بانتظاره حسب زعمهم ولا الكتاب النازل عليه (القراّن) هو الكتاب الحاكم والأخير الذي نقلت إليه الحاكمية الإلهية التي كانت في بني اسرائيل ولا شريعته شريعة التخفيف و الرحمة التي تضع عن البشرية إصرها والأغلال التي كانت عليها فتصدى- رضي الله عنه-  لكل تلك المزاعم وقام بنقض ما بنوه من دعاوى وشبهات في مجموعة لا تقدر بثمن في مجال ((دراسات مقارنة الأديان)) والرد على الشبهات المثارة على قواعد الوحي الإلهي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فعمل شيخ الإسلام على ابراز المنطلقات الأساسية المشتركة بين الناس كالتوحيد والنبوة ووحدة الخلق وغائية الخلق والسنن الإلهية الحاكمة وضبط مصادر المعرفة ووسائلها وأدواتها وتحديد أنواع العلاقات بينها 
فقد أدرك –رضي الله عنه- أن تحديد نوع العلاقات بين المصادر المعرفية سينعكس على عملية تحديد ميادين فعلها المعرفي وتأثيرها ويساعد على معالجة شبهات التناقض والتعارض بينها فكأن شيخ الإسلام ربط بين الصراع الفكري الذي كان يجتاح أهل الأديان من ناحية ويشغل الفرق الإسلامية كلها ويهيمن على الساحة الثقافية والمعرفية العامة والإسلامية خاصة وبين عملية تحديد العلاقات بين مصادر المعرفة الإنسانية وضبط نسبها من جهة أخرى

دعوته إلى الوحدة الفكرية مع الإختلاف الفقهي الفكري

لقد كان شيخ الإسلام يرى التكفير والتبديع والتفسيق أي نسبة الفرق أو العلماء أو الأفراد بعضهم بعضا إلى الكفر أو البدعة أو الفسق من الأمور التي تشيع بين المسلمين كلما اشتد الخلاف وسادت الفرقة وكثر الجدل وأن الناس قد تساهلو في هذا نتيجة الحالة العقلية والفكرية والنفسية السائدة فيرى شيخ الإسلام أن هذخ النزاعات تعتبر من النتائج السلبية الكثيرة التي تترتب على ضيق الأفق وقلة الوعي والتقليد والتعصب وتناسي أدب الإختلاف وروح العلم والتعليم والموضوعية وأدب الحوار والجدال بالتي هي أحسن والإستهتار بوحدة الأمة وتجاهل التحديات والمخاطر التي تواجهها وفقدان فقه الأولويات والغفلة عن اّداب الدعوة وأصولها واّداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كل أولئك من الأمور التي تجعل البعض يتساهل في إطلاق ألفاظ الكفر والبدعة والفسق والضلال على المسلمين فرقاً وطوائف وأفراداً ولذلك أعلن –رضي الله عنه- عن شجبه لهذه الظاهرة ودعا المسرفين فيها إلى الرجوع إلى الله تعالى والتوبة ولم يشفع لبعض متعاطي هذه الظاهرة -عند شيخ الإسلام- أنهم من المنتسبين إلى مذهب الإمام أحمد أو مذهب الإمام الشافعي –رحمهما الله- فشن على ((المرازقة)) أتباع الشيخ عثمان بن مرزوق حملة شديدة يمكن الإطلاع عليها فيما قاله كاملاً في فتواه ومما جاء فيه قوله)): ......ومن البدع المنكرة تكفير الطائفة غيرها من طوائف المسلمين واستحلال دمائهم وأموالهم.....)) ورد على متعاطي هذه البدعة بشدة ثم قال :((....أجمع الصحابة وسائر أئمة المسلمين على أنه ليس كل من قال قولاً أخطأ فيه أنه يكفر بذلك وإن كان قوله مخالفاً للسنة فتكفير كل مخطئ خلاف للإجماع...))

كما تطرق إلى منع بعض مشايخ الفرق الزواج بين المنتسبين إلى فرقهم والمنتسبين إلى فرق أخرى فقال :((......وليس للمنتسبين إلى ابن مرزوق  أن يمنعوا من مناكحة المنتسبين إلى العوفي لاعتقادهم أنهم ليسوا أكفاء لهم بل أكرم الخلق عند الله أتقاهم من أي طائفة كان من هؤلاء وغيرهم.....))
هذا ولعل من أهم أسباب الإسراف في تعاطي ظاهرة التكفير بين المسلمين تلك الغفلة الشديدة عن لغة ((الشرع)) ومنهاج التعامل مع المصطلحات والألفاظ الشرعية وفهمها في سياقاتها بحيث لا يجري تعميم خاص ولا تخصيص عام ولا إطلاق مقيد ولا تقييد مطلق إلا ببينة ودليل وفقه وبرهان 
فإن ألفاظ ((الإيمان والكفر والنفاق)) ونحوها ألفاظ شرعية هامة تقوم عليها كثير من الأفكار والأحكام لا يكفي أن تفهم معانيها بمجرد الرجوع إلى قواميس اللغة والخزائن المعجمية بل لابد بالإضافة إلى ذلك من مراجعة السياق في دائرة النص الجزئي ثم في إطار الغايات والكليات والمقاصد الشرعية وللأصوليين قواعد كثيرة يمكن الإستفادة بها وإنماؤها للوصول إلى القواعد الضابطة لعمليات التعامل مع النصوص ولفظ (الكفر) كلفظ (الإيمان) من الألفاظ التي تتعلق بالإعتقاد وبالعمل ولكل منهما شعب ومراتب وشروط وأسباب وموانع وغير ذلك
 وشيخ الإسلام –في هذا- مثل سائر محققي علماء هذه الأمة الذين لم يرتضوا أن يكفر أهل القبلة الواحدة والكتاب الواحد والرب الواحد والنبي الواحد بعضهم بعضاً إلا من شرح بالكفر البواح أو الكفر المطلق-كما سماه ابنتيمية- صدراً فذلك هو الذي يكذب بالدين ويستحق أن يطلق عليه لفظ (الكفر) ومشتقاته وقد قال –رحمه الله- ((...وقد اتفق المسلمون على أنه من لم يأت بالشهادتين فهو كافر وأما الأعمال الأربعة فاختلفوا في تكفير تاركها....)) ويعني بالأعمال الأربعة الأركان الأربعة التي عليها بني الإسلام 
واستطرد رحمه الله قائلاً ((ونحن إذا قلنا .....أهل السنة متفقون على أنه لا يكفر بالذنب فإنما نريد به المعاصي كالزنا والشرب وأما ه1ه المباني ففي تكفير تاركها نزاع مشهور....))ويعني بالمباني الأركان التي بني الإسلام عليها عدا الشهادتين وسائر الذين كتبوا في الفرق الإسلامية لم يخرجوا أي فرقة من فرق المسلمين من الملة فالأشعري سمي كتابه ((مقالات الإسلاميين)) فلو كان من حق أي فرقة أو طائفة أومذهب أن تكفر ما عداها لما شاع شمول كل تلك الفرق بلفظ ((الإسلاميين))
وقال النووي:((اعلم أن مذهب أهل الحق أنه لا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ولا يكفر أهل الأهواء والبدع))ولقد ذهب علماء الأمة المحققون إلى هذا لعلمهم أن كل فرقة من فرق المسلمين تعتبر نفسها الفرقة الناجية والمصيبة في اجتهاداتها فلو تساهلت الأمة بتكفير بعضها بعضاً لانهار بناء الأمة وانهدمت قواعدها 
ولقد كان شيخ الإسلام-تغمده الله برحمته- من بين العلماء الذين حاولو تنبيه الأمة وتحذيرها من هذه المجازفات فوضع جملة من القواعد لم نر مثيلها في قوتها واستنارت بهدي الكتاب والسنة وتناولها الكثير من التفاصيل التي لم يتعرض لها سواه

كما حاول رحمه الله البحث عن أسباب وجذور تلك الأزمات التي تعرضت الأمة لها وأدت إلى هذه الفرقة والإختلاف والوقوع في درك التكفير والتفسيق والتبديع بين المسلمين ومنها ما جاء في الفتاوى وجاء في أواخر ما قال , قوله في (3/277) وما بعدها :((والناس يعلمون أنه كان بين الحنبلية والأشعرية وحشة ومنافرة وأنا كنت من أعظم الناس تأليفاً لقلوب المسلمين وطلباً لاتفاق كلمتهم واتباعاً لما أمرنا به من الإعتصام بحبل الله وأزلتُ عامة ما كان في النفوس من الوحشة وبينت لهم أن الأشعري كان من أجلّّ المتكلمين المنتسبين إلى الإمام أحمد –رحمه الله- ونحوه المنتصرين لطريقه وكنت أقرر هذا للحنبلية ....ولما أظهرت كلام الأشعري وراّه الحنبلية قالوا: هذا خير من كلام الشيخ الموفق وفرح المسلمون باتفاق الكلمة...ثم يقول -رحمه الله- (....ومعلوم أن في جميع الطوائف من هو زائغ ومستقيم ويؤكد أنه من أعظم الناس نهياً عن أن ينسب معيناً إلى تكفير وتفسيق ومعصية إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرا تارة وفاسقا أخرى وعاصيا أخرى وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية القولية والمسائل العلمية ...)) ثم قال –عليه الرحمة-: ((وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل ولم يشهد أحد منهم على أحد بكفر ولا بفسق ولا بمعصية...)) وذكر على ذلك جملة من الأمثلة وعقّب عليها بقول: ((والتكفير هو من الوعيد فإنه وإن كان القول تكذيباً لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده أو عارضها –عنده- معارض اّخر أوجب تأويلها وإن كان مخطأَ)) .

اد
                        
الوحدة الإسلامية واّلية التطبيق
إن عالمية الأزمة تتطلب عالمية الحل وليكون الحل الإسلامي على مستوى خطاب عالمي فإن مدخله الأساس هو (( المنهجية المعرفية )) القائمة على القرآن المجيد . فهي ــ وحدها ــ القادرة على إعادة تشكيل العقل المعاصر وبناء مدركاته بناءاً سليماً .
أما (( المنهجية )) فنعني بها ضوابط للفكر الإنساني تستقى من إطار مرجعي صالح لأن يقوم بتحديد طرق إنتاج الأفكار وتوليدها واختبارها .
والمنهجية تُخرج العقل الإنساني من حالة التوليد الذاتي للمفاهيم القائم على التأملات والخواطر الإنتقائية وتحمله على اكتشاف (( إطار مرجعي )) يرجع إليه من خلال منهج يمثل خُلاصة لقوانين وسنن تم رصدها وملاحظتها ثم تحولت إلى نظريات وقواعد ليصبح النسق الناظم لتلك النظريات إطاراً مرجعياً يضبط حركتها ولا تتضاد ولا تتنافى ولايضرب بعضها بعضاً, فتنداح دوائر الأفكار من حولها ثم تعود إليها كأنها مشدودة إليها بعقال .
ولذلك فإن (( المنهجية )) إضافة لمهمتها تلك تصبح ناظماً للمفاهيم والنظريات, ومكيّفاً للقوانين بالشكل الذي يجعلها مترابطاً . وتتدخل  في صياغة الأسئلة والفرضيات كذلك لتتصل ــ بعد ذلك ــ ((بالمعرفيّة)) التي تقف أمام كل قضية موقف الدراسة والنقد والتحليل، ثم إعادة التركيب: فالمنهجيّة ــ إذن ــ علم بيان الطريق والخطوات اللازمة لاجتيازه باتجاه غاية معرفية محددة، وتُعتبر ((المفاهيم)) اللبنات الأساسية التي تقوم المنهجية عليها . ويعتبر ((الإطار المرجعي)) الناظم الذي يُتيح وضع المفاهيم موضعها ويعمل على تشكيلها وتشغيلها بشكل يحقق المقاصد المعرفيّة منها . وإذا كان ((الإطار المرجعي)) يمثل ناظماً للمفاهيم فإن الإطار المرجعي يقوم على دعائم تمثل المفاهيم أهمها.
وإذا تعددت المناهج في أنظار الآخرين وتنوعت المنهجية تبعاً لتنوع نظريّاتهم في المعرفة أو تصنيفها, أو مجالاتها فإن ((إسلامية المعرفة)) لقيامها على قاعدة ــ الجمع بين القراءتين ــ تعمل على أن تقرأ الوحي والكون بمنهجية واحدة انطلاقاً من إطارها المرجعي القائم على دعائم التوحيد ووحدة الخلق في علاقته بالخالق، ووحدة الحق ومفهومه في الوحي وفي الوجود, ووحدة الحقيقة فيهما كذلك, والجمع بين تعليل الوحي والحكمة فيه, وغائيَّة الكون وقوانين الأسباب فيه .
وهنا يتضح الفارق بين ((المنهج)) بمعنى قواعد التفكير وضوابط البحث في أي مجال جزئي أو كلي وبين ((المنهجية و المنهاج)) في منظور ((إسلامية المعرفة)) .
وهذه مهمة لا يستطيع المشاركة فيها والنهوض ببعض أعبائها إلا أولئك الذين أوتوا القرآن وحظاً من العلوم والمعارف كافياً لاكتشاف ذلك التداخل المنهجي بين القرآن العظيم والكون والإنسان إذ أن أيَّ منطق لا يأخذ في دلالته المنهجية المعرفية بُعد تحديد العلاقة مع الغيب كمؤثر فاعل في الوجود وحركته لا يمكن قبوله كمنطق فاعل قادر على أن يعصم الذهن من الوقوع في الخطأ, ومنهج الأخذ بهذا البعد لا يمكن أن يستقى صافياً سليماً من غير القرآن الكريم .
((فإسلاميّة المعرفة)) إذاً منهج معرفي محدد المعالم واضح القسمات وتمثل بديلاً للمادية والوضعية المتجاهلة لله وللغيب من ناحية, كما تمثل بديلاً عن اللاهوتية والكهنوتية المستلبة للإنسان والطبيعة من ناحية أخرى.

 

 

 

 

منهج الوحدة الإسلامية في  فكر ابن تيمية
إعادة بناء الرؤية الإسلامية المعرفية القائمة على مقومات وخصائص التصور الإسلامي السليم ليتضح ما يمكن اعتباره النظام المعرفي الإسلامي القادر على الإجابة عن الأسئلة الإنسانية الكلية وإنتاج النماذج المعرفية الضرورية , دون تجاوز شيء منها, وبناء قدرة ذاتية على النقد المعرفي الذي يمكن من الاستيعاب والتجاوز لتراث الماضين وإنتاج المعاصرين بشكل منهجي منضبط, وبالوقت نفسه يعطي القدرة على التوليد المعرفي المنهجي, والتفسير المعرفي الذي لا يقوم على الإقناع والخطابة بل على المنهجية المعرفية التامة .
إعادة فحص وتشكيل وبناء قواعد المنهجية الإسلامية على ضوء ((المنهجية المعرفية القرآنيّة)) وعلى هدىً منها. فإن أضراراً بالغةٌ قد أصابت هذه المنهجية نتيجة القراءات المفردة والتجزيئية التي قرأت القرآن عضين, وقرأت الوجود والإنسان في معزل عنه قديماً وحديثاً .
بناء منهج للتعامل مع القرآن المجيد من خلال هذه الرؤية المنهجية وباعتباره مصدراً للمنهاج والشرعة والمعرفة ومقومات الشهود الحضاري والعمراني وقد يقتضي ذلك إعادة بناء وتركيب علوم القرآن المطلوبة لهذا الغرض, وتجاوز الكثير من الموروث في هذا المجال. فالإنسان العربي قد فهم القرآن ضمن خصائص تكوين الإنسان العربي الموضوعية الماضية التي كانت بطيئة ومحدودة اجتماعياً وفكريّاّ بالقياس إلى خصائص التكوين الحضاري العالمي الراهنة. ففي تلك المرحلة التي تم فيها التدوين الرسمي للعلوم والمعارف النقلية التي دارت حول النص القرآني والحديث النبويّ كانت العقلية البلاغية واللغوية وما توحي به من اتجاه نحو التجزئة وملاحظة المفردات أو الجمل باعتبارها وتأويلات الجاهلين, وانتحال المبطلين, وهذا أساس الجمع بين العلوم والمعارف وربطها بالمنهجية المعرفية القرآنية إذ لم يكن الدين من قبل يوجد سوى فكر عقلي وضعي مجرد ولم يكن مسلّحاً بالعلم التطبيقي المعاصر ونتائجه التي أدت إلى قيام مذهبيّات تجاوزت الوضعية التقليدية. فالمطلوب منا ــ وكما أمرنا -استرجاع أو استرداد العلم من هذه المذهبيات وتطهيره وإعادة توظيفه بمنطق الجمع بين القراءتين: قراءة الوحي وقراءة الكون .

  شيخ الإسلام وبناء المعرفة

والآن نأتي إلى علاقة شيخ الإسلام ابن تيمية في بناء المعرفة, فالمعرفة هي عملية تجديد فكري منهجي معرفي لم تتضح معالمه إلاّ في هذا الطور العقلي الثالث من أطوار العقل البشري الذي اعتمد ((المنهجية المعرفية)) قاعدةً ومنطلقاً للبناء الفكري والمنهجي والمعرفي, وهي محاولة إسلامية معاصرة للرد على التحدي الفكري والمعرفي والثقافي الذي فرضته مركزية الإستتباع الغربية المعاصرة على العالم كله؟ وابن تيمية رجل سلفي من علماء القرن الثامن الهجري وكذلك جل تلامذته وناشري علمه؟ أَهِي محاولة لإضفاء المشروعية القديمة على المحاولة الحديثة؟ أم هي محاولة لسحب الرداء السلفي على هذه القضية لجعلها قضية محورية لدى سائر فصائل الأصالة المعاصرة؟ أم هي محاولة لربط الجديد المستغرب بالقديم المألوف بهدف إزالة الوحشة عن مستقبلية أم ماذا؟ 
ونقول: كل ذلك لم يكن, لأن صلة هذه القضية بفكر وقواعد فكر شيخ الإسلام صلة عضوية يمكن أن تتضح فيما يلي:
إن الأفكار كالكائنات الحية قد تأخذ وهي في طور البذرة الصالحة سنين قبل أن تنبت, وقد تنبت وتبقى في طور جنينيّ سنين عدداً قبل أن تأخذ طريقها نحو النضج فإذا نضجت وتكامل نموُّها فقد يصعب على ذوي النظر الجزئي أو المحدود الربط بين تلك البذرة البسيطة وذلك الكائن الحي المتكامل .
إذا تبين هذا فيمكن للباحث أن يبدأ بالمقارنة بين حالة الأمة المسلمة في عصر ابن تيمية وحالتها اليوم, وبين حالة العالم في تلك الفترة وحالته اليوم ليكتشف من وجوه الشبه بين العصرين الكثير بحيث يحتاج إلى بحث جاد ليصل إلى وجوه الإفتراق بينهما إذا غض النظر عن الأسماء والعناوين وبعض التفاصيل الأخرى, وسيجد التشابه قائماً بين عصرنا هذا وعصر شيخ الإسلام في الجوانب الفكرية والثقافية والسياسية والإقتصادية والقضائية والإدارية والتعليمية وغيرها. كما سيجد التناحر القائم بين المماليك وغير المماليك الذين وقعت بين أيديهم مقدرات الأمة المسلمة, كما سيجد الأمة المسلمة قد تحولت إلى ما يشبه القصعة وقد تداعت الأكلة من صليبيين وتتار. كما سيجد التمزق والإنقسام والتفتت أموراً فاشيةً في داخل الأمة, والصراع المذهبي والطائفي يفتك في جسدها المنهك. لاشك أن الباحث سيجد بعض الفوارق كذلك بين مماليك الأمس واليوم, فمماليك الأمس أشجع وأنبل من كثير من مماليك اليوم, وتتار اليوم أكثر فتكاً من تتار الأمس. وأن صليبيو اليوم يتحكمون في مقدرات العالم كله, ويستطيعون أن يحشدوه كله في مواجهة من يريدون في الوقت وبالكيفية التي يريدونها .
فكيف واجه شيخ الإسلام ومدرسته تلك الحالة, وما الدور الذي قام به؟
1ــ لقد قام- رضي الله- عنه في بادىء الأمر بما يمكن تسميته بـ: (تقديرالموقف) من خلال دراسة ووعي على داخل الأمة وما يدور فيه وخارجها وما يطمع فيه وحدد مداخل الأزمة ومداخل الإصلاح والتغيير والمعالجة وبدأ بصياغة ((خطاب الإصلاح والتغيير)) و ((منهجية التجديد)) المناسبة .
2ــ لقد أدرك ابن تيمية أن مدخل الإصابة المدمرة التي أصابت هذه الأمة كان يوم أن غفلت عن ((المنهجية السليمة)) في التعامل مع كتاب ربها وسنة نبيها فقادها ذلك إلى القراءات الأحادية المتضادّة والأطر التجزيئية المتناقضة فحرمت هداية الوحي الإلهي الصادق ــ وهو بين أيديها ــ فانصرف من انصرف إلى ((علوم الأوائل)) وانصرف آخرون إلى الفرق الباطنية, والطوائف الضالة فتفرقت بهم السبل, وتجارت بهم الأهواء بعد أن انهارت لديهم خصائص التصور الإسلامي, وانفرط عقد نظامهم ونموذجهم المعرفي واضطربت قواعد المنهجية الإسلامية, واختلت قواعد التعامل السليم مع الكتاب والسنة, وتراث الصحابة والتابعين ومن جاء بعدهم من علماء الأمة. كما أن الرؤية المعرفية للعلوم ومراتبها وتصنيفها أصيبت بكثير من الاضطراب والخلل لأسباب عديدة لا يتسع المجال لتفصيلها هنا, بعضها عائد إلى اضطراب مناهج استيعاب ثقافات الشعوب التي دخلت الإسلام, وبعضها عائد إلى اضطراب مناهج استيعاب وتجاوز ما تمت ترجمته من تراث الآخرين. وقد أثر ذلك في طرائق التعامل مع تراث الآخرين بصفة عامة واضطراب الأمة في ذلك وتزايد حجم الإشكاليات المعرفية في الساحة الفكرية الإسلامية فافترقت كلمة الأمة, وتمايز أبناؤها, وتحزبوا فكل حزب بما لديهم فرحون .
3ــ بعد ((تقدير الموقف)) وتحديد مداخل الإصابة قام رضي الله عنه بإعادة تصنيف المعرفة تصنيفاً تجاوز فيه تصنيفات من سبقه سواءً أولئك الذين ترجموا التراث اليوناني وعدّلوا فيه وأضافوا إليه أمثال أبي يعقوب الكندي والفارابي وغيرهما من الملقبين ((بفلاسفة الإسلام)) أو الآخرين الذين لم يتأثروا بذلك كثيراً مثل ابن الساعي الأكفاني وغيره, فقشم ابن تيمية العلوم والأقوال إلى ثلاثة أقسام :عقلي وملي وشرعي 
فالعقلي المحض مثل ما ينظر فيه الفلاسفة من عموم المنطق والطبيعي والإلهي ولهذا كان فيهم المشرك والمؤمن والملي مثل ما ينظر فيه المتكلم من إثبات الصانع وإثبات النبوات والشرائع فإن المتكلمين متفقون على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ولكنهم في رسائلهم ومسائلهم لا يلتزمون حكم الكتاب والسنة ففيهم السني والبدعي ويجتمعون هم والفلاسفة في الأمور الكلية من العلم والدليل والنظر والوجود والعدم ولكنهم أخص بالنظر في العلم الإلهي من الفلاسفة وأبسط فيه وإن شاركهم الفلاسفة في بعضه كما أن الفلاسفة أخص في الأمور الطبيعية وإن شاركهم المتكلمون في بعضها والشرعي ما ينظر فيه أهل الكتاب والسنة ثم هم إما ناظرون بظاهر الشرع فقط كعموم أهل الحديث والمؤمنون الذين هم بمنزلة العباد الظاهرين في العبادة وإما عالمون بمعاني ذلك فهم في العلوم –كالعارفين من الصوفية الشرعية فهؤلاء هم أمة محمد المحضة.اهـ.
والغريب أنه رحمه الله لم يقتصر على إخضاع العلوم –وحدها-إلى هذا التضنيف بل أخضع له العبادات والحسنات والسماع فكل هذه الأمور يخضعها لذات التصنيف فهي عنده ((عقلية وملية وشرعية))
وهنا يطلق رحمه الله حكمة تعبر عن انطلاقة فكرية كان لها أثرها في فكره وفي فكر تلامذته ومنتسبي مدرسته عبر العصور-إلا الخلف منهم- حين أدرج ((العقلي والملي)) تحت الشرعي وضمهما معاً إلى كنفه فقال: ((فالشرعي باعتبار الثلاثة (أي مشروع) وباعتبار يختص بالقدر المميز)) وبذلك أعطى للشرعي الميزة باعتبارين دون أن يضطر لأن ينزع المشروعية والإعتبار عن العقلي والملي كما يفعل الكثيرون الأّن وعند التأمل في هذه الفكرة الجليلة التي لا أشك أن شيخ الإسلام استدرك بها على من سبقه وسبق فيها من لحقه قد بذر بذرة ((القراءة المعرفية)) فقد جمع بين العبادات والحسنات والعلوم والأقوال والسماع في إطار جامع انعكس عليه المنظور الإسلامي السليم الذي يجمع بين القرائتين فيعطي للمنهج الإسلامي صفة الشمول والكلية القائمة على الإلمام بالأبعاد المختلفة لكل ظاهرة دون اغفال لجوهرها وفي الوقت نفســـــــــــــه لاينزع المشروعية عن تعدد أملاه التنوع بين العقول والشرائع والملل ثم يحدد شيخ الإسلام من خلال تصنيفه للعلم مواضع الإطلاق والعموم في العلوم التي يمكن أن تشكل رصيداً حضارياً ويوضح الفرق بين النسبية والخصوصية فيوجه النظر إلى قاعدة معرفية وفكرية تتيح قدراً معلوما من التمايز والتفرع بين جماعة وأخرى حيث إن التنوع من سنن الله في خلقه  وله ما لها من حكمة ونفع تماماً كما أن الوحدة سنة من تلك السنن وما بين الإطلاق والنسبية والعموم والخصوص في تحديد قاعدة العلوم وتصنيف محاورها ودوائرها توجد-أيضاً- المساحات المتداخلة التي ليست بالعقليات المحضة ولا بالمليات والتي يمكن أن تندرج تحت الشرعيات دون أن تنحصر الشرعيات فيها كالمعارف الفقهية من حيث ماترجع إليه من وحدة الأصول وتتسم به من تعدد وتنوع الفروع
إن هذا التصنيف- في الحقيقة- يعتبر –من وجهة نظرنا- بذرة التفكير في إطلاق مصطلح ((أسلمة المعرفة)) على المشروع الفكري والمعرفي الذي يحمله تيار متنام من تيارات الفكر اللإسلامي المعاصر
 فالوعي بتنوع المعرفة وتمايزها في المصادر والناتج المعرفي والغايات والاّثار هو المنطلق الأساسي لقضية اسلامية المعرفة التي رفضت التسليم بعالمية وعلمية العلوم الإجتماعية والإنسانية المعاصرة التي روج لها الغربيون والتي قاسوها على العلوم الطبيعية ليفرضوا على الأمم الأخرى التبعية لخصوصياتهم الملية والدينية ومصادرهم المعرفية وحين تفهم أبعاد ((إسلامية المعرفة)) تتضح-اّنذاك- إمكانية معالجة إشكالية العلوم الإجتماعية المعاصرة من منظور إسلامي وتبدو ((أسلمة المعرفة)) اّنذاك ضرورة ملية وشرعية لا بالنسبة للأمة المسلمة وحدها بل لأهل الإيمان كافة من سائر الملل وضرورة عقلية لسائر البشر ذلك أن العلوم الإجتماعية المعاصرة علوم انبثقت عن مفهوم مختزل ومبستر للمعرفة العلمية وأجذت تعمم أحكامها في المجالات الإنسانية والإجتماعية من واقع التجربة الحسية المحدودة للإنسان الأوروبي ودون نظر للوحي وموقفه في كل هذه الأمور فجاء تعميماً مشوبا بالتحكم والقسر فضلاً عن أن الطفرة التي جاءت في تلك الفصيلة من العلوم العصرية إنم جاءت في أجواء بيئة اجتماعية حضارية كان قد تم فيها تهميش النقليات فضلاً عن تضخيم وتشويه العقليات وتم هذا وذاك في إطار نسق معرفي قوامه الثنائيات والإستقطاب والتناقض والإصطراع فكان من طبيعة الأمور أن ينظر إلى العقليات والنقليات على أنها تناقضت واصطرعت حتى استبعد طرف وساد الاّخر في منطق الغلبة الذي اعتمد التجاوز والهيمنة فلم تكن السعة والتوفيق والتقابل والتكامل من خصائص مثل هذا النسق المعرفي الذي نبت في التربة الوضعية وقام عليه ما اصطلح على تعريفه بالمنهج العلمي الحديث فجاءت تلك الأرضية المعرفية تتسم بالجمود وضيق الأفق فضلاً عن القصور وجاءت تحمل معها معالم التجزئة والإختزال والتقليص والتضخيم والإفراط والتفريط وكلها من الأمور التي كان لابد أن تنعكس على نظريات تبحث في ظواهر العمران الإجتماعي البشري.

و الحمد لله رب العالمين

19/4/2011

 

 

أضف تعليقاً

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.