wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
ورقة عمل الأستاذ عبد المجيد النجار: متغيرات الخطاب الإسلامي بعد نجاح ثورتي تونس ومصر

نظراً لضيق الوقت أمر مباشرة إلى الحديث الموجز المختصر عن متغيرات الخطاب الإسلامي بعد ثورتي تونس ومصر، المقصود بالخطاب الإسلامي ليس هو الكتاب القولي إنما هو المشروع الذي يقدمه أصحاب هذا الخطاب للناس، باعتبار أنهم يريدون تغييراً في الوضع الذي كانوا يناضلون من أجل تغييره وهذا المشروع يتضمن أو يشتمل على مضمون ويشتمل على منهج ويشتمل على خطاب قولي إذا صح التعبير، ومن البين أن الخطاب، أي خطاب، لا بد أن يكون له تأثر ما بالوضع الذي يكون قائماً والذي يتعامل معه ذلك الخطاب، والوضع الذي كان قائماً قبل الثورة في البلاد العربية عموماً وفي مصر وتونس خاصة هو وضع معلوم، وضع كان يسود فيه الإستبداد، كان يسود فيه الإقصاء، والمنع وخاصة فيما يتعلق بالإسلاميين أو بأصحاب هذا المشروع الذي نتحدث عنه، ولذلك فإنا نجد بعض خصائص الخطاب في هذه المرحلة قبل الثورة متأثرة بهذا الوضع الذي كان سائداً، إذ كان هذا الخطاب بصفة عامة على كل حال خطاباً احتجاجياً، خطاباً تغلب عليه المبدئية والمثالية والغالية وينقصه إلى حد كبير التفصيل والتجزئة والواقعية بمعنى ما يتلائم مع الواقع من أجل تغييره فكانت هذه سمة عامة في الخطاب الذي كان سائداً في هذا الوضع، بعد الثورة في هذين البلدين أصبح هناك وضع واقعي آخر يختلف اختلافاً كبيراً عن الوضع الذي كان سائداً، أصبح هناك مناخ من الحرية كبير، في هامش كبير من الحرية، أصبحت هناك استحقاقات واقعية تتمثل في مشاكل في جميع مجالات الحياة تطلب حلاً ناجعاً وواقعياً، في مجال اٌقتصاد وفي مجال الثقافة وفي كل المجالات أصبح هناك منافسة مذهبية حادة وأحياناً يعني مكائد سياسية وغير سياسية، أصبح هناك انتظارات شعبيةن الشعب أصبح ينتظر حلولاً من هؤلاء المخاطبين له، وخاصة هؤلاء المخاطبين من الفصائل إسلامية، وأيضاً هناك تخوفات من هؤلاء المخاطبين الإسلاميين داخلياً وخارجياً وهذا ما اقتضى ويقتضي بطبيعة الحال أن يكون هناك تغير كبير جداً في هذا الخطاب، فما هي هذه الإستحقاقات التي يتطلبها هذا الخطاب الجديد وماذا تحقق منها وما هي المؤشرات الواقعية التي حدثت خلال هذه الأشهرن لعل أول ما يستلزم هذا الخطاب هو التفصيل في البرامج، ذلك الخطاب العام الذي كان يرفع الشعارات والمبدئية، لم يعد الان صالحاً، أو فلنقل لم يعد كافياً، والمطلوب في هذا الخطاب أن يقدم للناس مشروعاً مفصلاً في السياسة وفي الثقافة وفي مشاكل البطالة والتشغيل وفي غيرها من هذه المشاكل، ثم تبعاً لهذا ليس المطلوب فقط أن تقدم برنامجاً تفصيلياً أيها المُخاطب من الإسلاميين وإنما المطلوب أن تقدم مشروعاً وبرنامجاً تفصيلياً ذا خصوصية، لأنك أنت ترفع شعار أو عنوان المشروع الإسلامي، فإذا أنت قدمت للناس مشروعاً مثل المشاريع الأخرى ليس مبرراً أن تسمي نفسك إسلامياً ثم إنك قد لا تستطيع أن تقدم شيئاً مرموقاً بهذا الشأن لأن الآخرين سبقوك بأشواطٍ كبيرة ولهذا المطلوب، هو أن يكون مشروعك التفصيلي العملي معد ومصاغ بالمرجعية العقائدية والثقافية الإسلامية التي تنطلق منها ولا يخفى أن هذا المشروع بهذه المواصفات كان غائباً عن الساحة منذ زمن، هذا ما يمثل صعوبة مهمة جداً في هذا الشأن. أيضاً من المطلوب في هذا الخطاب أن يكون خطاباً إصلاحياً تجديدياً لأن الموجود في التراث والموجود في الخطاب الإسلامي السابق لم يعد كافياً لينهض بهذه المهمة وهو ما يحتاج إلى اجتهاد وإلى تجديد في هذه البرامج التي تصوغها لتنزلها في واقع الناس بخصوصياتها الإسلامية، وهنا قد لا يكفي المجال لأن نعدد هذا التجديد وخصائص هذا التجديد ولكن أشير إلى أمر واحد وهو أن الإسلاميين في خطابهم يريدون ويقصدون إلى أن يغيرو الواقع إلى ما هو أفضل في حياة الناس وفي جميع مجالات هذه الحياة، الإقتصاد والسياسة والثقافة وغير ذلك والمجتمع والعلاقات الإجتماعية فضلا عن العلاقات الدولية، والموجود سابقاً أن الفكر الإسلامي عموماً يرتكز وينطلق من منطلق الإيمان، وهذا الإيمان أصابه فيما أقدر نوع من الخلل في المفهوم لأنه أصبح منذ زمن عند الناس وعند الكثير من الناس المسلمين وشعب تونس كله مسلم يكاد يقتصر على الإيمان بالغيبيات التي علاقتها بالواقع الجاري علاقة غير مباشرة فيدخل فيها افيمان بالله والإيمان بالرسل والإيمان بالملائكة وما نعرف، ويخرج منه المسائل ذات البعد العملي التي يطلب الناس من الإسلاميين فيها حلولاً، يخرج منه التكافل الإجتماعي، يخرج منه الحرية –في أذهان الناس أقصد- يخرج منه تعمير الأرض والإنتاج والإنجاز، إذا سألت أي مسلم ما هو المؤمن المثالي عندك، يقول "الذي يقوم بشعائره ويحج ويصوم ويصلي ويسلم الناس من لسانه ويده وانسان طيب ... الخ"، لكن الحقيقة في القرآن والسنة ليس هذا هو الإيمانن هذا جزء من الإيمان ولو أردنا أن نسرد الآيات والأحاديث في هذا الشأن لوجدنا آيات وأحاديث كثيرة، تقول ان من عناصر الإيمان التكافل الإجتماعي، "ليس بمؤمن من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم"، وأن الحرية وأن تكريم الإنسان وحفظ كرامة الإنسان من العناصر الأساسية في الإيمانن وأن الإنجاز أي التعمير في الأرض والإنتاج هذا مما خلق من أجله الإنسان أصلاً، هو خلق ليكون معمراً في الأرض، هذه المعاني غائبة عند الكثير من المسلمين ويحتاجها الخطاب الإسلامي اليوم تصحيحاً للمفهوم لتكون الحرية من عناصر الإيمان، ليكون التكافل من عناصر الإيمان، ليكون الأنتاج والإنجاز من عناصر الإيمان، لأن هذه حقيقة القرآن والسنة ثم هذا حافز كبير جداً يدفع الناس إلى أن يجيش الإرادة الشعبية إلى أن يقبل الناس على البناء الحضاري في هذه المجالات، فهذا مما أقدر فيما يلزم لأن يكون عنصر مهم في عناصر الخطاب الإسلامي وبالرغم من أن الكثيرين من مشائخنا قد لا يرضون عن هذا الكلام أو هذا التحليل، هناك مقتضيات منهجية غير هذه المقتضيات المغمونيةن ومن هذه المقتضيات المنهجية، التوافق مع الآخرين، لم يعد مقبولاً اليوم أن يقول الإسلاميون نحن نستطيع أن نحل مشاكل الشعب، وإنما لا بد من توافق في جميع شرائح المجتمع، للتعاون، لأن المشاكل أكبر من أن يحلها فريق واحد، لا بد أيضا من قدر من النقد والمراجعة للذات، حتى نتحوط من أن نقع في ضد ما كنا ندعو إليه سنوات وسنوات، هذه قضية الديمقراطية والشورى، وألحق الشورى بعناصر الإيمان –نسيت أن أذكرها- قضية الشورى والديمقراطية نغني بها وكل يدعي بها وصلاً، والإسلاميون يتكلمون فيها وهم صادقون في المستوى النظري، لكن ليس من المضمون أن هؤلاء الإسلاميون كما غيرهم، أن يكونوا في الممارسة يطبقونها ويلتزمونها وعندنا تجارب في واقع العالم العربي والإسلامي، تجارب فيها شيء من المرارة، وهنا لا أخص بالذكر الإسلاميين وإنما يعم الجميع وربما غيرهم من العلمانيين هم في هذا أشد ثقلاً في الحمل لأن العالم الإسلامي والعربي يحكمه العلمنايون وهو مضمخ بالدكتاتورية وبالإستبداد، أيضا التعامل مع المنافسين وحتى الكائدين، إذا دخل الإسلاميون في نزاعات مه هؤلاء الذين يكيدون وهم كثر ونلاحظه اليوم في تونس ونلاحظه في مصر أيضاً، فإن جزءاً كبيراً من القوى التي ينبغي أن تنصرف إلى جهود البناء ستذهب إلى هذه الجهود، فهناك إذن منهج ينبغي أن يكون فيه التغيير الكبير، حتى نربح الوقت ماذا وقع خلال هذه الأشهر منذ الثورة إلى الآن في هذا الشأن، هل هناك مبادئ تغيير أو بوادر تغيير في الخطاب بمعنى المشروع أو بمعنى المضمون، في الحقيقة هناك معطيان، لا يجب أن نغفل عنهما وهما أولاً المباغتة، فالثورة جاءت مباغتة للجميع، ولم يكن الناس يستعدون إليها، لا في تونس ولا في مصر ولا في غيرها، وربما في غيرها الأمر أحسن حالاً، والأمر الثاني هو أن المدة هي أشهر قليلة قد لا تسمح لنا بالتقييم في هذا الشأن ولكن نريد أن نتلمس بعض الإشارات في هذا الأمر، حينما نتلمس هذه الإشارات نجد هناك سلبيات ونجد ربما هنالك إيجابيات، من السلبيات في هذا الخطاب: شيء من الإرتباك في هذا الخطاب، وارتباك في التصريحات، ارتباك في المواقف، واضح للملاحظين، هناك نوع من الإسترضاء أو التطمين الذي قد يبلغ حد الإسترضاء للفصائل الأخرى وللجهات الخارجية والذي قد يخرج عن حده اللائق أحياناً ببيان وتسابق فيما قد يُظنّ أنه يعرقل هؤلاء الإسلاميين في مرحلتهم هذه، هناك وثوق بالذات أحياناً قد يكون غير معلن ولكن مضمن، هناك أيضاً غياب للمشروع المفصل إلى حد الآن، لكن مع هذا نلاحظ أن هناك نقاط إيجابية لم نعد نسمع لا في تونس ولا في مصر قضية أن "الإسلام هو الحل"، فهذه المقولة وإن كانت حقاً فإنها لا تكفي، لم نعد نسمعها في تونس تقريباً، وبحكم معرفتي ببعض الأشياء أن الحركة الإسلامية في تونس على الأقل وهو ما أعرفه – منذ أشهر- وهي تجيش المئات من المختصين ليس النظريين فقط وإنما الميدانيين الذين يشتغلون في الميدان، من أجل أن يضعوا برامج ومشروع تفصيلي للقضايا التي ينتظرها الشعب والتي هي استحقاقات فعلية، بقطع النظر عن هذا المشروع حينما يُعلن ، بقطع النظر عن مدى جدواه أو عن مدى واقعيته، لكن التوجه نفسه توجه إيجابي، كذلك في ميدان التوافق هناك إيجابية ملحوظة، يعني في تصرفات الحركة الإسلامية، أظن في تونس وفي مصر أيضاً معاً، على كل حال المسألة في غاية الصعوبة ولا يمكن أن ينتهي الأمر فيها إلى إيجابيات ملحوظة إلا بالمحك الواقعي لأن الذي ينظّر ويكتب وكذلك كله قد يكون سهلاً، لكن الذي ينضج هو حقيقة التعامل الواقعي حينما تضع هذه المشاريع على المحك ويختبرها ويمتحنها الواقع، حين ذاك يمكن أن يكون لنا حكم على هذا الخطاب وهذا المشروع ، وشكراً.

أضف تعليقاً

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.