
في هذه الحلقة يطرح د. يوسف القرضاوي قضية الجهاد، التي تثير سجالات وحوارات فقهية وفكرية عاصفة في المشهد العربي المعاصر، بخاصة مع بروز مفهوم الإرهاب الإسلامي والتفريق بين مشروعية جهاد الدفع وجهاد الطلب، والمفهوم الواسع للجهاد في الإسلام.
يأتي ذلك في سياق الوجبة الفقهية اليومية التي يقدمها القرضاوي خلال الشهر الفضيل، وتنشرها "الغد" بالتزامن والتنسيق مع قناة "أنا الفضائية"، ويحررها الزميل مصطفى عبد الجواد من القناة.
إذ يجيب رئيس اتحاد العلماء المسلمين، على أسئلة: ما حقيقة الجهاد وما مفهومه؟ وما حكم الجهاد، وما الحكمة من تشريعه؟ ولماذا فرضه الله عز وجل؟ ومتى يكون الجهاد فرض عين، ومتى يكون فرض كفاية؟
القرضاوي شدد على أن الأصل في الجهاد هو الدفاع عن الدين والنفس والأرض والحرمات، موضحًا أن البعض أراد أن يميت الجهاد ويشطبه بالكلية أو يعاديه بدعوى السلام، وبذلك يجرد الأمة من قوتها ويجعلها نهبًا للطامعين، بينما البعض الآخر يرى الجهاد حربًا ضد العالم كله حتى يدفع الجزية، ويعتبرون أن الجهاد لا يتحقق إلا بغزو أرض الكفار، وبين هذين النقيضين توجد طائفة وسط.
وأشار إلى أن الجهاد نوعان: جهاد دفع وجهاد طلب، الأول يكون برد المعتدين ومقاومتهم وتحرير الأرض، أما الثاني فيكون بمهاجمة أرض الأعداء لإفشال خططهم ومؤامراتهم، كما فعل الرسول في غزوة تبوك، موضحًا أن الغزوات التي شنها المسلمون في بداية الدعوة ضد الإمبراطوريات الظالمة لمنعها من الحيلولة بين شعوبها وبين تلقي الإسلام لم تعد هناك حاجة إليها، في ظل وسائل الدعوة المتعددة من فضائيات وأنترنت.
كما استهجن موقف من يقصرون الجهاد على القتال، مع أن هناك 13 مرتبة للجهاد، من بينها جهاد النفس واللسان والقلب والدعاء، معتبرًا أنه حتى في حالة القتال فإن توزيع المهام والأدوار مهم، بحيث يتم توفير احتياجات من يجاهدون بالسلاح.
* صدر لكم مؤخرًا كتاب "فقه الجهاد"، ولعله أخذ منكم فترة طويلة، حتى ظل الناس ينتظرون هذا الكتاب قرابة سبع سنوات، لما حدث في السنوات الأخيرة من خلط وجدل حول مفهوم الجهاد، فما التعريف الذي ارتضيتموه للجهاد؟
لا شك أن موضوع الجهاد من أهم الموضوعات وأخطرها في عصرنا، لما له من أهمية في الدين نفسه، وقد جاءت بذلك آيات القرآن وأحاديث الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولما له أيضا من أهمية في نظر الناس، حيث التبست حقيقة الجهاد على كثير من المسلمين ومن غير المسلمين، وأصبحنا في مفهوم الجهاد أمام طوائف ثلاث، طرفان ووسط كالعادة.
فهناك من يريد إلغاء الجهاد من حياة المسلمين، وهذا من قديم، حتى أن الاستعمار أنشأ نحلة دينية معروفة في الهند اسمها القاديانية، وكان أهم ما جاءت به القاديانية أمرين كلاهما يخدم الاستعمار البريطاني، الأول: إلغاء الجهاد؛ بزعم أن الجهاد كان في أيام الرسول والصحابة والآن لم يعد. والأمر الثاني: طاعة ولي الأمر، ولو كان كافرًا، بمعنى أطيعوا الإنجليز ولا تقاوموهم، فما أحسن هذه النحلة للإنجليز؟!
هناك أيضا من يعادي الجهاد لكنه لم يصل إلى حد القاديانية، فهو يريد سلامًا بلا جهاد، ومعنى هذا تجريد الأمة من قوتها، وإذا جردت الأمة من قوتها أصبحت نهبًا لكل طامع، والمشكلة الآن أن الدم الإسلامي أصبح أرخص دم على وجه الأرض، وأصبح المسلمون مستباحي الحمى في كل بلد من البلدان؛ لأن المسلمين تركوا إعداد القوة الجهادية التي أُمروا بها (وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ)، ولم يعدوها ولم يستجيبوا لقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ).
رسالة ثورية
* فضيلة الشيخ اعتبرتم الإسلام أو رسالة الإسلام رسالة ثورية، فما معنى هذا؟
نعم، لأنها رسالة جاءت تقول للضعفاء شدوا سواعدكم، وللمظلومين طالبوا بحقكم، وللمضطهدين لا تستسلموا للطغاة من حولكم، جاءت تأمر بمقاومة الفراعين والقوارين، والهوامين، والمستكبرين في الأرض والمتآلهين.
لماذا ذكر القرآن قصة فرعون وموسى (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ المُفْسِدِينَ) إلى آخره؟ هذا ليعبىء الأمة ضد هؤلاء الطغاة والمتفرعنين في الأرض؛ ولذلك من شأن هذه الرسالة أن يكون أبناؤها مجاهدين، ويكون الجهاد شعارًا لها، أما هذه الفئة التي أرادت أن تميت الجهاد، ولا تعتبر له أي قيمة، وتشجع السلام بلا جهاد، فهي تريد مصحفًا بلا سلاح، أو حقًا بلا قوة، بينما لا يمكن أن يعيش الإنسان في هذه الحياة إذا كان لا أظافر له ولا أنياب، ولا شيء يستطيع أن يدافع به عن نفسه، وهناك سيسقط فريسة للأقوياء من غير شك.
* إذن هذا طرف وفيه ما فيه من التفريط، فماذا عن الطرف الآخر؟
الطرف الآخر هو الذي يريد أن يقاتل العالم، كل العالم سالم أو حارب، يرى أنه على المسلمين أن يحاربوا العالم كله، حتى يسلم أو يعطي الجزية عن يد وهو صاغر، وهذه فئة موجودة، وتفهم بعض ما جاء في الفقه الإسلامي، وفي القرآن والسنة، فهمًا لا أقرهم عليه، حيث أخذوا بعض ما جاء في الكتب من أن الجهاد فرض كفاية على المسلمين، واعتبروا أن هذا الفرض لا يتحقق إلا إذا غزونا أرض الكفار، يعني توسعنا في دخول أرض الكفر، وضممنا بعضها إلينا، فكل سنة لا بد على الأقل أن نغزو مرة، وهذا الفكر موجود.
وهؤلاء كلامهم خطير جدًّا، لأن هؤلاء ينتهون إلى ماذا؟ يقول لك لا يجوز لنا أن ندخل في الأمم المتحدة، ولا أن نؤمن بميثاقها ولا أن نقبل عضويتها، وأي دولة تقبل عضوية الأمم المتحدة تكون آثمة، لماذا؟ يقول لك لأن الأمم المتحدة من ميثاقها احترام حدود الدول الإقليمية، ومعنى احترام الحدود أنه ليس لنا حق في أن نغزو بلاد الآخرين، وغزو بلاد الآخرين فرض علينا، أيضًا ميثاق الأمم المتحدة يفرض حل النزاعات بالطرق السلمية، وليس بالجهاد، والأمم المتحدة تقر اتفاقية جنيف في الأسرى، وترى أنه لا يجوز قتل الأسير، ونحن من حقنا أن نقتل الأسرى، هكذا يرون، ويقول بعضهم إن الإسلام انتشر بالسيف، ويعيب على الذين يقولون إن الإسلام إنما انتشر بالحجة، وأخلاق المسلمين، ويتهمونهم بأنهم مهزومون نفسيًا، ومتأثرون بالاستشراق، وبدعوة المبشرين والمنصّرين.
وهناك كتاب اسمه "الدعوة إلى الإسلام" كتبه توماس أرنولد، وهو كاتب مستشرق بريطاني، وترجمه إلى العربية الدكتور إبراهيم حسن وزميلاه، وقال في مقدمة الكتاب نحن لا نستطيع أن نقدر هذا المستشرق حق قدره لما بذل من جهد في تجميع وثائق هذا الكتاب من مختلف اللغات، ومختلف التواريخ، ومختلف الأمم، كل ذلك ليثبت أن المسلمين لم ينصروا الإسلام بالسيف، كما ذكر البابا في كلامه، إنما نصروه بالإقناع، وبالأخلاق، وبحسن التعامل مع غيرهم.
وبعض إخواننا الذين قدموا أطروحات في الجهاد، يعيبون على هذا المستشرق والمترجم الذي ترجم الكتاب، ويقول: أي قدر لهذا المستشرق إلا أن يضرب بالسيف حتى يبرد، أو أن يعطي الجزية عن يد وهو صاغر.وهكذا فإن هذه الفئة التي تريد أن تحارب العالم حتى لو سالمنا، تقابلها الفئة التي تريد أن تميت روح الجهاد في الأمة، وضاعت الأمة بين هذين الطرفين.
الطائفة الوسط
* بقيت الطائفة الوسط، فماذا قالت في هذا الأمر؟
هذه الطائفة تتبنى المنهج الوسطي في فهم الإسلام وفهم الواقع، فلا تميل مع الغلاة ولا تميل مع المقصرين، فتنظر إلى الجهاد على أنه فريضة إسلامية للدفاع عن الدين، وعن الإسلام، وعن المسلمين، وعن أرض الإسلام، وحرمات المسلمين، وليس للتطاول على الناس، أو الاعتداء عليهم من غير أن يكون منهم شيء.
والأصل أن الإسلام هو الذي يعتدى عليه، والإسلام يدافع هذا الاعتداء، وهذا ما تنادي به النصوص، وهذا ما وقع بالفعل، فالإسلام جاء إلى الناس في مكة المكرمة، وظل ثلاثة عشر عامًا يدعو الناس إلى الله في أطوار مختلفة، طور الإنذار (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ) و(قُمْ فَأَنذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ) ثم الطور الإعلاني الذي سماه القرآن "الجهاد الكبير" (فَلاَ تُطِعِ الكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً)، ثم طور الصبر على الأذى واحتمال المشقات، وفي هذا الطور هاجر من هاجر إلى الحبشة، وحوصر من حوصر في شعب أبي طالب، ولقي المسلمون ما لقوا إلى أن جاء طور الإذن بالقتال دفاعًا عن النفس بعد الهجرة إلى المدينة (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ)، (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ)، ,( وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ).
وبذلك أقر القرآن هذه السنة، وهي سنة التدافع، فالله خلق الناس ليدفع بعضهم ببعض، ولولا هذا لفسدت الأرض؛ لأنه يوجد من الناس من هو عدواني بطبيعته، وبعض الفلاسفة يقول الإنسان حيوان محارب، وإذا كان رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق بيجين قال في كتابه "أنا أحارب إذن أنا موجود"، فهذا لابد أن يقف في وجهه مثل الشيخ أحمد ياسين الذي قال: أنا أقاوم إذن أنا موجود.
فإذا وجد المحاربون والمعتدون، فلابد أن يوجد المقاومون والمجاهدون، وهذا هو موضع الجهاد في الإسلام، والعجيب أن أول آية جاء فيها الإذن بالقتال لم يكن قتالاً دفاعًا عن المسلمين، أو مساندًا للمسلمين فقط، حيث قال تعالى (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ) فالآية تتحدث عن كل أماكن العبادة، لليهود وللنصارى كما هي للمسلمين، فهي تدافع عن حرية التدين، وعن حرية العبادة لله في الأرض، وهذا هو موقع الجهاد في الإسلام.
* نعود مرة أخرى إلى التعريف الذي ارتضيتموه للجهاد، فهناك من يجعل الجهاد مقصورًا على حمل السيف، فهل ترون أن مثل هذا التعريف كما يقول البعض تعريف جامع مانع.
كلمة جاهد يجاهد جهادًا مجاهدة، مصدرها غير القتال، فهي من الجهد، بمعنى بذل الجهد أو تحمل الجهد وهو المشقة، وبهذا يشمل الجهاد أنواعًا غير القتال، فالقتال هو استعمال السيف، أو استعمال القوة العسكرية أو المادية عند لقاء الخصوم.
فالجهاد بينه وبين القتال عموم وخصوص، فكل قتال جهاد، وليس كل جهاد قتالاً، والإمام ابن القيم في "زاد المعاد" ذكر أن الجهاد مراتب، وهو في نظره ثلاث عشرة مرتبة، منها: جهاد النفس، وهذا أربع مراتب، وجهاد الشيطان مرتبتان، وجهاد الظلم والبدع والمنكرات في المجتمع وهو ثلاث مراتب، باليد أو بالقلب أو باللسان، ثم جهاد الكفار والمنافقين وهذا أربع مراتب.
ثلاث عشرة مرتبة لا يجوز أن نختصرها كلها في مرتبة واحدة وهي قتال الكفار باليد، وحتى جهاد الكفار يكون باليد، ويكون باللسان، الكفار والمنافقين.
دستور أخلاقي
* هناك من يحدث لديه نوع من أنواع الخلط بين الجهاد والعنف، وبين الجهاد والحرب، وبين الجهاد والإرهاب، فكيف يفرق الناس بين ذلك خصوصًا أن بعض المتربصين بالإسلام يجعلون الجهاد إرهابًا؟
الجهاد الذي شرعه الإسلام، شرعه لتحقيق أهداف معينة، منضبطًا بأخلاق معينة، وبأحكام شرعية محددة، فمن انضبط بهذه الضوابط كان جهاده إسلاميًا.
* حتى ولو كان فيه سفك لدم الآخرين؟
حتى ولو كان ذلك، فمعنى القتال أصلاً هو أنه يجوز لك أن تقتل الآخرين، ولكن في الإسلام هذا أمر ليس مفتوحًا على مصراعيه، فهناك متى تقتل ومن تقتل، وهناك دستور للحرب، ودستور أخلاقي، يحدد من الذي يجوز لك أن تقاتله؟ وإذا جاز لك أن تقاتله من تقاتل، وهل يجوز لك أن تقتل الطفل، إن كان موجودًا في الميدان، أو تقتل المرأة، أو تقتل الشيخ الكبير؟ وهل يجوز لك قتل الحراث في أرضهم ومزارعهم؟ وأن تقتل التجار في متاجرهم؟ وأن تقتل الرهبان في صوامعهم؟
وإذا قتلت هل يجوز لك بعد القتل أن تتشفى في المقتول، وتمثل بجثته كما يحدث في بعض الحروب، كل ذلك الإسلام وضع فيه دستورًا أخلاقيًا يضبط الحرب، ويضبط متى يجوز لك أن تقتل، ومتى يجوز لك أن تقف؟ القرآن يقول (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنتُمُوَهُمْ)، يعني أضعفتموهم وكسرتم شوكتهم، (فَشُدُّوا الوَثَاقَ) يعني أخذ الأسرى، فليس مطلوبًا منك أن تقتل إلى الأبد، فإذا أثخنته أعمد إلى الأسر؛ لأن علماء المسلمين يقولون إن الأصل في الدماء البشرية هو الحفظ (وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بالحق) وكل نفس حرمها الله، وما أجاز الله أن يقتل فإنما أجيز لسبب، مثل القاتل المتعمد يقتل، والمعتدي على المسلمين (قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُوا) فلم يجز الإسلام من الدماء إلا بقدر الضرورة والمصلحة البشرية، و يجب ألا يزاد على ذلك.
* علماؤنا يقسمون الجهاد إلى نوعين: جهاد دفع، وجهاد طلب، فما المقصود بهما، والفرق بين هذا وذاك؟
جهاد الدفع المقصود به جهاد المقاومة، بمعنى إذا دخل العدو أرض المسلمين، أو اعتدى عليهم في أنفسهم، أو في أهليهم، أو في أموالهم، أو في مقدساتهم، فيجب على المسلمين أن يدفعوا هذا العدو، وأن يقاوموه، وإذا دخل أرضهم يجب أن يطردوه من هذه الأرض، ويحرروا هذه الأرض ولا يسمحوا له باحتلال شبر منها.
وهذا الجهاد هو الذي يسميه العلماء "فرض عين" على أهل البلد إذا دخل عليهم عدو، حيث يجب أن يتكتلوا جميعًا، وينفروا خفافًا وثقالاً، رجالاً ونساء، وشيبًا وشبانًا، للمقاومة، فهي تعبئة عامة، وإذا لم يكف هذا لرد العدو فعلى جيرانهم أن يكونوا معهم، ثم الجيران الأقربون، ثم الأقربون، حتى يشمل الأمة كلها في النهاية، لكن الأصل هو أن أهل البلد يدافعون عن أنفسهم، وهذا الذي قال فيه العلماء إنه يجوز للمرأة أن تخرج لهذا النفير بغير إذن زوجها، والولد بغير إذن أبيه، والخادم بغير إذن مخدومه، لماذا؟ لأن فيه حقين: حق الأفراد وحق الأمة والجماعة، وحق الأمة مقدم على حق الأفراد.
حقيقة فرض العين
* بعض الشباب يفهم من هذا أنه يتعين عليه أن يترك أهله وولده، ووطنه، مجاهدًا في سبيل الله عز وجل؟
للأسف بعض الشباب المتحمس، وحتى بعض العلماء المتحمسين، يفهمون هذا الأمر فهمًا غير سديد، وهذا ما جعلني أناقش بعض إخواننا أيام حرب أفغانستان، حينما قالوا: إن الحرب أصبحت فرض عين على المسلمين، وعلى المسلمين في أنحاء العالم أن يهبوا لنجدة إخوانهم في أفغانستان.
وأنا ناقشتهم في أن الحرب فعلاً فرض عين، ولكن ما معنى فرض العين؟ ليس معقولاً أننا نطلب من المسلمين أن يتركوا ديارهم، فأفغانستان لن تسعهم ولن تستطيع استقبال أعداد كبيرة منهم، ولكن المقصود أن الأمة تهيئ نفسها لهذه المعركة، كل بما يقدر عليه، فمن يستطيع أن يدفع مالاً يجاهد بالمال، ومن يستطيع أن يقدم خدمة يقدم هذه الخدمة، ومن عنده خبرة معينة، كضابط محال على المعاش وعنده خبرة في حرب الدبابات، أو في إطلاق الصواريخ، أو في عمل الإنفاق في الأرض يقدم ذلك، كما ذهب بعض إخواننا من الضباط المصريين إلى البوسنة والهرسك، وحفروا نفقًا مهمًا وكان له شأن عظيم، فمن عنده خبرة لا توجد عند إخوانه الذين يخوضون المعركة، فعليه أن يقدمها في هذه الحالة؛ لأن الفرض تعين عليه هو، بتقديم هذه الخدمة.
وهناك من لا يملك إلا الدعاء، فيدعو لهم، إنما ليس معقولاً أن الأمة تهاجر، لأن المحارب لا يحارب بالسلاح فقط، فهو بحاجة إلى السلاح وإلى الذخيرة، وإلى الملابس والأغطية، وفي حاجة إلى الأكل والشرب والدواء، وفي حاجة إلى أشياء كثيرة، ولابد أن تتهيأ الجبهة الداخلية لتوفير هذه الأشياء حتى تستمر المعركة، فالمعركة تحتاج إلى وقود بشري، ومادي، وعسكري، واقتصادي، وثقافي، وحتى الناحية الثقافية مطلوب من الأمة أن نبقى عليها بروح معنوية قوية، حتى لا تتخاذل أو تيأس وهذا خطر.
* إذن فضيلة الشيخ هي أدوار موزعة وكل ميسر لما خلق الله؟
نعم، ولذلك القرآن قال بعد غزوة تبوك (وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) وهذا معناه توزيع الأدوار على الأمة، فهناك من يشتغل بالفقه، ومن يشتغل بالسلاح، ومن يشتغل بالمخابز، فالناس لكي تأكل فلابد أن تعمل المخابز، أم نأخذ الخبازين وتموت الناس من الجوع.
* هذا عن جهاد الدفع، فماذا عن جهاد الطلب؟
جهاد الطلب أن يكون المسلمون في ديارهم، وأعداؤهم في ديارهم، ونحن الذين نطلبهم لسبب من الأسباب، جائز نطلبهم لنأخذ بثأر منهم، قتلوا دعاتنا مثلاً، فنريد أن نقابل السيئة بمثلها (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا)، (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ البَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ)، (وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ) فقد يكون هذا، قد تكون المعركة بيننا وبينهم بدأت ومستمرة، من متطلبات المعركة أن لا تنتظر حتى يغزوك في دارك.
النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ ذهب إلى غزوة تبوك، لماذا ذهب إلى غزوة تبوك؟ لأنه جاءته معلومات وإشاعات، تقول إن الروم أو اتباع الروم من العرب بدأوا يتجمعون ويتهيأون لغزو المدينة، فهل ننتظرهم حتى يغزونا في عقر دارنا، لا .. الحزم يقتضي أن تقابلهم قبل أن يقابلوك، فالضربة الأولى نصف المعركة، ويقولون: العصا السابقة سابقة، بمعنى اسبق بعصاك قبل أن يسبقك بعصاه.
الحروب الاستباقية
* هذا النوع من الجهاد جعل بعض الفقهاء يقول بأنه من الواجب على الأمة أن تغزو العدو مرة في السنة، فما رأي فضيلتكم؟
في بعض الأحيان يكون هذا مبررًا، وبعضهم يسمونها الحرب الوقائية، مثلاً بيني وبين الروم وقائع مستمرة ولا يؤمن أن يغيروا عليّ في أي وقت من الأوقات، فلابد أن أناوشهم ما بين الحين والحين، حتى يستشعروا أننا هنا، وأننا أيقاظ، وأحيانًا يكون مطلوبًا من الدعوة العالمية أنها تغزو الإمبراطوريات التي تستحوذ على الشعوب وتمنعهم من الاستماع إلى أي دعوة جديدة، وهذه مشكلة كيف تبلغ دعوة مثل الإسلام، جاء يعلن أنه رحمة الله للعالمين (لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً)، (إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ)، (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً)، كيف نبلغ هذه الدعوة؟ لن يسمح لك كسرى ولن يسمع لك قيصر أن تدخل بلده، وأن تبلغ، وبعضهم قتل الدعاة الذين وصلوا إليه، وكسرى مزق كتاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فليس هناك إذن إلا أن تزيح هذه العقبات الطغيانية، وهذه الحواجز المادية التي تمنع الشعوب في حقها في الاستماع إلى أي دعوة جديدة.
وقديمًا قالوا الناس على دين ملوكهم، وفرعون حينما أسلم السحرة بعدما وجدوا أن عصا موسى لقفت كل ما عندهم من حبال وعصي، فخروا ساجدين وقالوا (آمَنَّا بِرَبِّ العَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ) ماذا قال فرعون؟ أآمنتم له قبل أن آذن لكم؟ كأنه لا ينبغي أن تتحرك القلوب بالإيمان ولا العقول بالاقتناع إلا بإذن فرعون.
ماذا تفعل أمام هؤلاء؟ هؤلاء حواجز أمام الدعوة ومن حق الشعوب أن تزاح هذه الحواجز ليسمعوا الدعوة، ثم بعد ذلك هم أحرار (مَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)، وأحيانًا الإسلام اضطر في عصوره الأولى إلى أن يلاقي هؤلاء الناس ليزيح الحواجز المادية، التي تحول بين الشعوب وبين الدعوة الجديدة.
* لكن هل وضع الأمة الإسلامية الآن، ومقدرات الأمة الإسلامية تسمح لها أن تخرج بهذه الحرب الاستباقية؟
أنا أقول هذا كان في الزمن الماضي، حيث كانت بحاجة إلى هذه الحرب الوقائية الاستباقية، التحررية، للبشر وللشعوب، الآن لم تعد محتاجًا لذلك. إننا في عصرنا هذا لم نعد محتاجين إلى قتال الطلب إطلاقًا؛ لأن الأبواب مفتحة أمامنا للدعوة العالمية، ولسنا في حاجة إلى أن نذهب بالجيوش إلى أوروبا، أو إلى أميركا، أو إلى الصين، أو إلى الهند، فالفضائيات موجودة، والإذاعات الموجهة موجودة، والإنترنت موجود، وتستطيع أن تغزو العالم بها.
نحن الآن لسنا في حاجة إلى جيوش تقاتل بالسيف والمدفع، نحن في حاجة إلى جيوش جرارة تجاهد بالقلم، والعلم، والفكر، والدعوة، إلى آلاف وعشرات الآلاف من الإعلاميين والدعاة والمعلمين الذين يخاطبون الناس بلغتهم، وبألسنتهم حتى يبينوا لهم (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ).
منقول عن صحيفة الغد
بتاريخ:4/9/2009
ابحث
أضف تعليقاً