بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
" الطائفية والمذهبية
وأثرها على وحدة الأمة واستقرارها "
بقلم الدكتور حمدي مراد
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه أجمعين وبعد :
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
قال تعالى : ( وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم ).
جاء هذا التوضيح الإلهي لطبيعة تكوين المجتمع البشري والإنساني بأنه يقوم ويتشكل بإرادته سبحانه من القبائل المتعددة والتي فيها تتكون الشعوب ومن الشعوب تتكون الأمم وأنّ هذه السنّة الإلهية هي فطرة فطر الله تعالى الخلق عليها في كل زمان ومكان منذ خلق سبحانه آدم عليه السلام مروراً بكل العصور البشرية الغابرة والرسالات السماوية إلى الرسالة الخاتمة (الإسلام) إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولم يضع الله تعالى أي تفاضل بين هذه الشعوب والقبائل وأفرادها لا في اللون ولا اللسان ولا الحقوق ولا الواجبات ولا العدد ولا المال ولا الأولاد ولا الجاه ولا السلطان ...... إلا أنه تعالى وضع ميزاناً واحداً بين الناس جميعاً ألا وهو التقوى فهو المعيار الوحيد الذي أصّله الله سبحانه في قرب العباد أو بعدهم من الله سبحانه وتعالى ولا شيء سواه .....
ولذلك حينما يبرز أي عامل غير التقوى ميزاناً ومقياساً بين الناس فإنه يقلب توازن المجتمع وينبت تياراً من العصبيات العمياء الضالة وفيها تُنسج المفاهيم الناشزة والأفكار الهدّامة والفلسفات السلبية الخطيرة التي تصنع الطائفية البغيضة وتبني المذهبيات المشرذمة غالباً للمجتمعات ثم تتفاعل إلى مرحلة كره الآخر واحتقاره والعمل على إقصائه وهكذا تنتقل هذه الحالة والظاهرة المرضية الفتاكة إلى النزاعات والصدامات والصراعات التي تحرق الأخضر واليابس وتحطم ناموس المُثُل والأخلاق والقانون والدّين وتستبيح كلّ شيء في المجتمع تصل إلى مرحلة قلعه من جذوره والتهديد بفنائه ليصبح نهباً تاماً لمصالح ومخططات أعدائه.
ولعل هذا يقودنا إلى الوقوف على بعض التعريفات ليكون الموضوع أكثر جلاءً ووضوحاً يُشكل أمامنا الواقع والأبعاد ويرسم لنا خريطة الخطر الحقيقي والأثر البالغ على وحدة الأمة واستقرارها لا بل على وجودها ...
قلنا قبل ذلك بأنّ المشكلة ليست في وجود الطائفة أو المذهب وإنما المشكلة حين تتحول الطائفة إلى طائفية والمذهب إلى مذهبية أي إلى حالة من التقديس للذات والتحقير للآخر إلى درجة تصل إلى الإقصاء فالإبادة والتطهير التدريجي أكان عرقياً أم دينياً .... أم طائفياً أم مذهبياً ....
ولعلنا نستطيع القول بأنّ الطائفية بذلك تشكل حالة غير إنسانية ولا حضارية وبالتأكيد غير إسلامية لأنها تقوم على أساس الإثارة للعصبية القبلية المدمّرة في حين تقف المذاهب في الأصل على تنوع الفهم والإجتهاد ومسارات الفكر والفقه وإثرائه وأنّ ذلك من التعددّية المحمودة التي تساهم في تطور وتقدّم المجتمع ويبقى منهجها حوارياً إيجابياً على الأغلب ومن شذّ فإن ذلك لا يؤثر على نتائج هذه المسارات المذهبية في إيجابياتها المذكورة وهذه هي الحقيقة التي حفلت بها مسيرة المذاهب الإسلامية عبر تاريخنا الإسلامي الطويل فشتّان بين عصبية الطوائف ونتائجها الوخيمة وأفكار المذاهب وأبعادها السليمة.
من هنا فإن الطائفية الحاقدة والمذهبية المقيتة تشكّل خطراً داهماً على المجتمعات يقض مضاجع وحدتها وينسف استقرارها .
فغابر التاريخ يشهد على ذلك عبر الحقبات المتوالية تلك التي ظهرت بعد المسيح عليه السلام بين اليهود والمسيحيين . وبعدها الصراع على السلطة بين الكنيسة الكاثوليكية في روما والكنيسة البيزنطية الشرقية تلته حركة الإصلاح الدامية التي قادها مارتن لوثر والتي دارت رحاها بين البروتستانت والكاثوليك ثم الحرب البيزنطية الإسلامية وبعدها الحروب الصيلبية على يد بطرس الناسك للسيطرة على الأراضي المقدّسة .
فإذا كان ذلك شيئاً من الصدامات الطائفية والمذهبية الدينية فإننا نجد أنفسنا أمام أشكال أخرى من التطرف العرقي كالإبادة التي قام بها الأوروبيون لكثير من الهنود الحمر في أمريكا الشمالية والجنوبية ... كذلك الجرائم البشعة في القارة الهندية بأبعادها الدينية والعرقية وأحداث النزاع البربري العربي في إفريقيا الشمالية وما تلاها من صراع في جنوب أفريقيا يقوم على التمييز العنصري .
لقد لعبت بعض الطوائف التي دخلت الإسلام دوراً خطيراً حيث ظلّت تحمل تعصباً غير معلن لطائفيتها قبل الإسلام ولعلّ من أبرزها بعض الفرس والمماليك والشركس والترك حيث مارس بعضهم ذاك التعصب.
وبعد سقوط الخلافة ودخول عصر ما عرف بالإستعمار الغربي هذا الذي لعب دوراً بارزاً وخطيراً في سياسته ( فرّق تسد ) ووجد سبيله عبر إثارة الثغرات العصبية الطائفية والمذهبية أكان بين الطوائف المسيحيّة مثل الموارنة والبرادعة والنساطرة ..... وبين المسلمين مثل السنّة والشيعة والعلويين والدروز ...
ومن شواهد التاريخ على التطرف الطائفي والمذهبي الحملة الفرنسية على مصر عام 1798م كذلك الحملة الصفوية السابقة للحملة الفرنسية التي بدأت منذ عام 1587م حتى عام 1629م حيث تمّ بالقوة والقهر التحويل المذهبي في إيران .
ثمّ برزت الصهيونية العالمية في حركتها الطائفية والعنصرية واتضحت في إعلانات وإصدارات مؤتمر بازل العالمي في سويسرا عام 1879م والتي كشفت عن بروتوكولات حكماء صهيون حيث جاء في إحداها قولهم : ( لقد نجح اليهود في نشر التعصبات الدينيّة والقبلية خلال عشرين قرناً مما جعل الأمم تنشغل بخطر جيرانها عن خطر اليهود).
ثمّ أطلّ علينا القرن العشرين بأشرس حربين عالميتين كونيتين إختلطت أسبابها وأبعادها بين مصالح وأطماع الغرب وتنازعه فيما بينه عليها وسُحقت الشعوب المستضعفة بين أقدام قادة الحرب ونهبت مقدّراتها وتمت الهيمنة عليها وأغرقوها بين طائفيات ومذهبيات وعنصريات وعرقيات ساهمت واستُغلت في رحى تلك الحربين اللتين حصدتا عشرات الملايين من البشر وغيّرت معالم جغرافيا العالم وتوازناته العرقية والدينية وفرزت واقعاً جديداً على الصعيد العالمي بكل أبعاده السياسية والإقتصادية والإجتماعية والسياديّة والدينيّة والفكرية والأيديولوجية وفيها سقوط الخلافة العثمانية وتمزيق العالم العربي والأمة الإسلامية بين الدول المنتصرة المدمرة واستعمارها من جديد .
ولم يقف الأمر عند ذلك فقد استمرّ مسلسل صنع الصراعات والنزاعات في العالم وبخاصة فيما عُرف بدول وشعوب العالم الثالث وأدخل القطبان الغربي والشرقي العالم من جديد في حرب جديدة عرفت بالحرب الباردة التي جعلت من أدواتها وإنتاجها حروب الطوائف والمذاهب والعنصريات والعرقيات في كثير من أنحاء العالم وبخاصة في إفريقيا وآسيا وقد وقع على العالم العربي والإسلامي النصيب الأكبر.
وإلى أن سقطت منظومة الإتحاد السوفيتي عام 1990م حيث اندحرهذا الإتحاد عن مسرح العمليات العالمية كقطب شرقي وظلّ في العالمية القطب الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية قطباً واحداً بدأ يتطلّع إلى عدو جديد بعد سقوط الشيوعية وانحسار المخاطر الإشتراكية فبدأ التنظير والتحذير والإنذار المبكّر فيما يزعمون من خطر ( الإسلام فوبيا ) والإسلام الأصولي والإسلام الإرهابي حيث بدأ الغرب يهيئ لذلك بتشجيع صناعة الإرهاب والتطرف وتصعيد أنفاس الطائفية وتفعيل صراعاتها مع العصبيات المذهبية وراحت مراكز البحث والدراسات الغربية تقدم البحوث والدراسات المفتعلة حول ذلك بتوجيهات دقيقة من أجهزة صنع القرار الغربي وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وبمتابعة وتنفيذ من أجهزتها الأمنية الخاصة لذلك ..
يقول بريجنسكي / مستشار الأمن القومي الأمريكي في عهد الرئيس الأمريكي جيمي كارتر بين عام 1977- 1981م : ( إنّ أفضل وسيلة لتفتيت الشعوب والأنظمة والدول هي تعميق التعدد المذهبي والطائفي والعرقي من خلال تمكين طائفة بعينها ودعمها لقهر بقية المكونات حتى تعاني تلك المجتمعات من مشكلة دائمة تتعلّق بخلق التوافق النسيجي فيما بينها ).
نعم لقد كان أوّل إنتاج لهذه النظرية الأمريكية هو قيام المذهب الشيعي كنظام سياسي حاكم ومسيطر في إيران ومتجاهل لكل الفئات والجهات والطوائف التي ساهمت في إسقاط نظام الشاه .
ومن هنا بدأ الغرب فتح هذه البوابة الخطيرة على المنطقة وليس هذا من باب حبّ ورغبة طائفة معينة والقناعة بها وإنما البحث عن أنجح السبل لإنشاء صراعات تبدأ في مناطق العالم.
ولا ننسى بعد ذلك وفي عهد الرئيس الأمريكي بوش الإبن واستمراراً على ما انطلقت به السياسة الأمريكية في عهد الرئيس كارتر الإعلان الجديد (الفوضى الخلاّقة ) نحو ( شرق أوسط جديد ) .
وهكذا تم زجّ المنطقة العربية والإسلامية برمّتها في محيط متلاطم الأمواج من الصراعات والنزاعات الدامية الساحقة التي تنبع من إثارة وتنشيط وتفعيل صدامي طائفي مذهبي بشع غير مسبوق إتضحت ملامحه ولاتزال تزداد وضوحاً في ظلال ما عُرف ( بالربيع العربي) والذي لا تزال شعوب هذا الربيع عربياً وإسلامياً ترزح تحت وطأة السحق والتدمير والدماء والأشلاء وأصبحت فتناً كقطع الليل المظلم _ تجعل الحليم حيراناً_ كانت لها بداية ولا يعلم بنهايتها إلاّ الله وأصبحت الأمة فاقدة لبوصلتها وفاقدة لأية رؤيا لمستقبلها وفاقدة لأية إرادة في إيقاف هذا المخطط الرهيب وراح العدو الصهيوني المحتل يعيش هو حقيقة ربيعه تمددّاً وغطرسة وعنصرية وتهويداً للقدس الشريف إيذاناً بمرحلة قادمة أخطر بكثير مما نتصور يخطط لها وباتت الأجواء بكل أحوالها تصب لتسهيل مصالحه وأطماعه وتنسف في المقابل كل مصالح هذه الأمة .
وهذا ما نشهده الوضع من تمزيق طائفي مذهبي وحرب ضروس في الشام والعراق وليبيا واليمن ولعل الشبح الأخطر الذي تدور حوله وعليه رحى هذا الدمار هو الصراع الطائفي السنّي الشيعي والذي يراد له أن يكون حرباً ضروساً تدور وتستمر بلا توقف وإلى إشعار تنهار فيه الشعوب تماماً وتشطب كلّ بناها التحتية لعشرات السنين وتنهب مقدّراتها وتتعمّق جراحاتها وثاراتها لعقود قادمة حتى يتسنّى إنشاء شرق أوسط جديد تكون سيدته فيما يخططون هي – إسرائيل فقط- وبلا قضية فلسطينية - ......
نعم إنّ السياسة الأمريكية اليوم وبحسب ما أعلنته الممثلة الأمريكية العسكرية (أرمدفورسنر جورنال ) تحت عنوان ( اللعب بورقة السنّة ). وبخاصة في الشرق الأوسط والعالمين العربي والإسلامي – وهي نفسها حينئذٍ السياسة والأهداف الإسرائيلية في المنطقة – تقول : ( إذا كنا في حالة حرب حضارية مع الإسلام فإن تعميق هذا الإنشقاق الطائفي في صفوف العدو يجب النظر إليه باعتباره استراتيجية فعّالة وقد طبق هذا الأمر فعلاً في العراق إلى حدّ كبير وسيتم تطبيقه تدريجياً على جميع الدول العربية والإسلامية ...) .
فهل بعد هذا من شك فيما نشهده في سوريا والعراق واليمن والحبل على الجرار يؤكد هذا المسار الأمريكي الإسرائيلي الغربي ..... هذا غير الذي نشهده في القارة الإفريقية من صراعات ونزاعات دامية تصب كلها في إطارها الطائفي وبخاصة الديني والعرقي والأثني والمسلمون فيها هم المستهدفون في نفس اتجاه الأهداف المعادية للأمة .
نعم إنّ المخطط أصبح واضحاً في غاياته ومراميه وإنّ أدواته وأشكاله وألوانه وإن تعددت وتجددت من حين إلى حين ( شيعيّة وسنّية .... ) فلا يجوز لعقلاء هذه الأمة في كل مواقعهم ومسؤولياتهم أن تنطلي عليهم ( هذه التكتيكات السياسية والعسكرية .... ) فما وراءها هو إسقاط كل أمل لقيام الأمة من جديد ذلك أنّ معظم الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل قد دخلوا هذه المرحلة في مواجهة الأمة بعد نجاحهم في مواجهة وإسقاط الإتحاد السوفيتي. – لكننا نعتقد وسنظل نعتقد بقوله عز من هو قائل : ( ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) . شريطة ( إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ) . والنتيجة ( وكان حقاً علينا نصر المؤمنين ) ( ولينصرنّ الله من ينصره ) وسنظل نقسم بالله بقسمه العظيم :
( والعصر إنّ الإنسان لفي خسر إلاّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) صدق الله العظيم والحمد لله رب العالمين .
ابحث
أضف تعليقاً