أثر التعددية المذهبيةعلىالعيش السلمي في المجتمعات العربية
الدكتور جلال لطيف محمد
العراق
المنتدى العالمي للوسطية والإعتدال
أثر التعددية المذهبية على العيش السلمي في المجتمعات العربية
المقدمة
الحمد لله شهدت بوجوده آياته الباهرة، وولدت على جوده ونعمه الباطنة والظاهرة، وسبحت بحمده الأفلاك الدائرة والرياح السائدة والسحاب الماطرة هو الأول فله الخلق والأمر، والآخر فإليه الرجوع يقوم الحشر هو الظاهر فله الحكم والقهر هو الباطن فله السر والجهر.
وأشهد أن لا إله إلا الله له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير.
وأشهد أن سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمد عبدالله ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه إذا سار النور معه وإذا نام فاح الطيب من مضجعه وإذا تكلم كانت الحكمة مرفعة وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجه إلى يوم الدين وتمسك بسنته وأتبعهم بإحسان إلى يوم الدين ونحن معهم يا أرحم الراحمين.
فإن من المفاهيم التي ركز عليها الشرع الحنيف حتى عدت مبدأ من مبادئه فأولاها عناية ورعاية هو مفهوم التعايش السلمي بين المسلمين وبين غيرهم الذي كان الأليات التي اعتمدها الإسلام، في معالجة التنوع العقدي والإختلاف الديني الذي الفته البلاد الإسلامية والواقع لقد كان للحضور المبارك والفعال لشخص النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في تطبيق مفهوم التعايش السلمي على مستوى التنظير والتطبيق وذلك لتثبيت دعائم الأمن والإستقرار في أنحاء البلاد الإسلامية وخير صورة هي مؤاخاة الأوس والخزرج لتأسيس دولة مدنية تواجه التحديات وتكون مبنية على المحبة والألفة.
لقد خلق الله تعالى الناس أجناساً وألواناً وعقائد ومذاهب متنوعة ومختلفة وجعلهم شعوباً وقبائل لتعارفوا ( إنا خلقناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم ).
ومن صور التعايش السلمي ما ضربه لنا النبي محمد (صلى الله عليه وسلم ) مع من هم ليسوا مسلمين مع اليهود والنصارى ففي الطبراني ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا عاد يهودياً أو نصرانياً قال له كيف أنت، فيقول صالح النبي صلى الله عليه وسلم جعلك صالحاً ).
وربما دفع هذا السمت النبوي الذي دأب عليه صلى الله عليه وسلم أن يكون دافعاً لبعض اليهود أن يسلموا فلقد قعد النبي صلى الله عليه وسلم على رأس يهودي فقال له: أسلم: فنظر إلى أبيه وهو عند رأسه فقال أبوه: اطع أبا القاسم فأسلم فقال النبي (ص) الحمد لله الذي أنقذه من النار.
وقد انطبعت تلك السجايا الكريمة عند أهل بيته فكانت سمة الحسن بن علي أن جاره اليهودي انحرف جداره إلى منزل الحسن فصارت النجاسة تنزل إلى داره واليهودي لا يعلم فدخلت زوجة اليهودي بذلك فجاء اليهودي إليه معتذرا فقال الحسن أمرني جدي (ص) بإكرام الجار.
فإذا كان هذا دينهم مع من هم ليسوا على دين الإسلام فمن باب أولى أن يكون التعايش مع من هم من أهل الإسلام.
إذ أن الإسلام لا يفرق في الإسترسال مع الإختلافات الدينية ويتغاضى عن المشتركات (الله ربنا وربكم ) كذلك أن الإسلام كفل للآخر المختلف حرية الإعتقاد على أن يتحمل مسؤولية اختياره (لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ).
وقوله تعالى (ولو شاء ربك لا من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ).
إذا أن التعايش السلمي لمجتمعات فيها التعدد المذهبي يمكن أن يشمل الآتي:
فمن الحقائق المعروفة عن الإسلام ظاهرة التعددية المذهبية التي تنتج افهام ورؤى متنوعة لنصوص الشرعية تمثل في مجملها الفقه الإسلامي مهما اختلفت في ظاهرها فدائرة الإجتهاد تستوعب الجميع وتقوم هذه التعددية عل الإعتراف بالتنوع في الإنتماء المذهبي في الأمة أو الدولة التي تضم مجتمع أو أكثر، وإحترام هذا التنوع وقبول ما يترتب عليه من إختلاف أو خلاف في الفروع الفقهية أو غيرها، وإيجاد صيغ ملائمة للتعبير عن ذلك في إطار مناسب وبشكل يحول دون نشوب صراعات مذهبيه تهدد سلامة الأمة والسلام الأهلي فيها. ومفهوم التعددية المذهبية تتضمن الإقرار بأن إحداً لا يحق له نفي أو إلغاء رأي أحد، وضمان حرية التفكير والتعبير المذهبي في فهم النصوص من الأدلة التفصيلية.
في الكتاب والسنة للجميع، والمساواة في ظل سيادة القانون ووفق شروط الإجتهاد التي أجمع عليها الفقهاء عبر الحقب التاريخية المتفاوتة. ولا تعني الإختلاف بين المذاهب الإسلامية اختلافا في جوهر النصوص التشريعية الثابتة في كتاب الله والصحيح من السنة وإنما هي مجرد إجتهادات ظنية في الفروع لا في الأصول، وهي خلاصة آراء علمية توصل إليها والأئمة المجتهدون من بعدهم. إذ أنه ليس من حق أحد أن يحتكر فهم الإسلام أو تفسير نصوصه حسب طريقته وأسلوبه وفكره هو ولا يجوز لأي كان مهما بلغ من العلم أن يدعي إمتلاك الحقيقة الكاملة وحده في أية مسألة فقهية، أو فهم النص حسب ما يرتئيه، وإلا فهذا هو الإستنساخ الفكري والفقهي المقيت وغير المفيد للأمة. وليس من أحد أيضاً اتهام مخالفيه في الرأي بالخروج عن تعاليم السنة النبوية أو الخروج من دائرة الدين فهذا هو التعصب الأعمى يعمي عن الحق ويزيد ظلمة القلب والعقل.
لذلك نشأت المذاهب الإسلامية بمثابة المدارس الفقهية تلبي حاجة المسلمين لمعرفة أحكام دينهم ولكل من هذه المذاهب الأخرى.
ورغم أن الإسلام دين التوحيد ورغم أن هذه الحقيقة تميزه عن غيره إلا أن التعددية المذهبية لا تؤثر فيها ولا تدل على إنقسام المسلمين وتفقرهم بل هي الحيز دليل على وحدتهم وعقليتهم الفذه المتميزة وسعة مداركهم وقدرتهم على محاربة الحوار الإنساني على تقبل جميع الأراء المذهبية واحترامها.
ورد أن الخليفة أبا جعفر المنصور أراد أن يلزم الناس بما لدى الإمام مالك في كتابه الموطأ ويفرضه عليهم ويمنع مخالفته، لكن الإمام مالك رفض ذلك وقال: يا أمير المؤمنين، إن النبي (ص) كان في هذه الأمة، وأن إختلاف العلماء رحمة من الله كل يتبع ما صح عنده وكل على هذى وكل يريد الله، مما يدل على أن تهميشه أي مذهب أمر مرفوض ولم يرد في تاريخ الإسلام أن العلماء تجاهلوا رأياً أو حاربوا مذهباً لقد ورد أن قاضي القضاة أبو يوسف (رحمه الله) تلميذ أبي حنيفة توضأ لصلاة فأخبره أحدهم أن ماء الوضوء لم يكن طاهراً وفق مذهب أبو حنيفة فصلى وبقي على وضوئه على رأي الشافعي ولذلك قال أبو حنيفة ( علمنا هذا رأي فمن أتانا بخير منه أخذناه) وقول الشافعي (إذا صح الحديث فهو مذهبي) ولذلك عاشت تلك المدارس التي جاءت بالتعدد المذهبي مثل مدرسة الرأي ومدرسة الأثر فلم تنعزل إحداهما لظهور الأخرى ولم تخشى الثانية ذهاب خصوصيتها مع بقاء الأولى، أما في الفترات اللاحقة فقد شاه التعصب المذهبي البغيض لدى بعض اتباع هذه المذاهب وأصاب أمة الإسلام في عصر التراجع و الإنحطاط وهن وضعف ورعود فكري فأثر ذلك سلباً على الإسلام والمسلمين بظهور الفرقة والتنازع والتناحر وبتحميل النصوص الشرعية أكثر من معانيها وما لا تتحمل، مما انعكس على وحدة الأمة، أن التعصب مهما كان شكله ومحاربة فكر الآخر ورأيه والعمل على فرض الآراء الشخصية بأي وسيلة لا يأتي بخير أبداً ولا يحقق الا تمزيق الأمة وتفتيتها وخلق الفتن والصراعات فمن الخيارات الواجبة على الأمة الإسلامية كي تتوحد أن تحترم التعددية في الرأي المذهبي وتعترف بها ما دامت قائمة على أساس وأسس ومناهج صحيحة، فالتعددية المذهبية في مجتمعنا وأوطاننا، ليست عيباً يجب إخفاؤه ولا عبئاً ينبغي التخلص منه وإنما هي حقيقة تاريخية إجتماعية ينبغي التعامل معها بحكمة وروية وبعد نظر، حتى ترتفع كل العناصر السيئة التي تشوب العلاقة بين المكونات المذهبية في المجالين العربي والإسلامي. ان التعدد المذهبي لا يشرع بأي حال من الأحوال إلى ممارسة الطائفية ضد بعضنا البعض، بحيث يكون الإنتماء إلى مذهب أو طائفة لا يدل على حرمان الغير من أمور الدنيا لإنتماءه إلى غيره لذا فإن الخطوة الأولى في مشروع إعادة صوغ العلاقة بين المذاهب الإسلامية في الفضاء الوطني، هو رفض الطائفية بكل مسوغاتها وتبريراتها التي تسوق في تمزيق المجتمع وتفتيت الوطن، فبدون محاربة الطائفية ونقد أساسها الثقافية والسياسية ومرتكزاتها العقدية والفكرية. لن نتمكن من بناء العلاقة بين مكونات الوطن المذهبية والسياسية على أسس العدالة والإعتراف والإحترام المتبادلين، وأن تقسيم أبناء الوطن على أساس الطائفية لا يضر حاضر الأمة فقط بل مستقبلها وتزيد من فرص الإحتراب الداخلي. ان ممارسة الطائفية المذهبية وعدم تقبل التعدد المذهبي هي التي تدق اسفيناً عميقاً في مشروع البناء الوطني اننا مع التعايش والوحدة بكل مستوياتها لأن الوحدة لا تبنى بتهميش مكونات المجتمع وانما بالإعتراف بها وتوفير كل موجبات الإحتضان والإحترام والتعايش لا ينجز بدحر التعدد المذهبي بل بتوفير الفضاء السياسي والحضاري المناسب لكي يمارس هذا التعدد دوره في بناء الوطن والوقوف بحزم ضد كل حالات واشكال التمييز الطائفي لذا يقتضي الإلتزام بما يلي:
لذلك لعلنا لا نحتاج لكلام كثير لإثبات ان العلاقة القائمة بين مكونات الأمة المذهبية علاقة مليئة بالكثير من الصعوبات والمشاكل والهواجس المتبادلة وازالة هذه العناصر السلبية، لا يمكن ان يتم بالخطاب الثقافي العام وإنما بحاجة الى منظومة متكاملة تحمي حقيقة التعددية المذهبية ليكون فيها التعايش السلمي بين ابناء الوطن الواحد، وتوفر مناخ حضورها الإيجابي في الحياة العامة الذي يؤدي في احد ابعاده الى دخول المواد السامة وعناصر التوتر في العلاقات المذهبية. وان الإختلافات المذهبية بكل متوالياتها، ليست مدعاة او سبباً لسلب الحقوق او نقصانها، فالعلاقة في دائرة الإسلام بين مختلف التعبيرات المذهبية هي علاقة اختلاف ومساواة في ان واحد فلا يمكن ان نلغي حالة التعددية المذهبية في الفضاء الإسلامي، كما انه لا يمكن صياغة واقعنا الإسلامي العام على أسس التهميش والإقصاء بدعوى التنوع والتباين في المرجعيات والأفكار وانما ينبغي ان يقودنا الى بناء مجتمعنا على اساس قاعدة الإعتراف بحق الإختلاف المذهبي والمساواة في الحقوق والواجبات، وهنا الدولة تتحمل مسؤولية قانونية واخلاقية، لإيجاد البيئة المناسبة للتعايش السلمي بين مختلف المكونات فالتعدد المذهبي لا يشرع بناء الكانتونات الاجتماعية المتحاجزة والبعيدة عن بعضها البعض، بل تتعامل بوعي وحكمة مع هذه التعددية الذي يؤسس حالة حضارية للتعايش السلمي على أسس الفهم والتفاهم والحوار والتلاقي وتنمية الجوامع المشتركة وصيانة حقوق الإنسان، والحكمة التي تمنع اندفاع اي طرف للقيام بأي تصرف يضر بمفهوم المواطنة للتعايش السلمي او يؤسس لخيارات لا تنسجم مع مقتضيات الوحدة، والخطر الذي يتهدد الأوطان واستقرارها، ليس من جراء التعددية المذهبية بل هو من جراء سياسة التمييز الطائفي المقيت.
لذلك فإننا مع الإعتراف التام بالتعددية المذهبية ولكننا في الوقت نفسه ضد كل السياسات الطائفية التي تحول حقيقة التعدد من نعمة إلى نقمة وكذلك اننا نرى ان التعدد ليس مشروعاً للنفي والإقصاء المتبادل، وانما هو مجال مفتوح وحيوي للتعارف والتفاعل والإغتناء، واننا نرى ان التعايش يكون مبني علىانتماء متكافئ بين متطلبات الخصوصيات المذهبية وضرورات العيش والإنتماء الوطني المشترك فالحرية المذهبية شرط المواطنة المتساوية.
وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم.
الدكتور
جلال لطيف محمد
العراق-الأنبار
ابحث
أضف تعليقاً