
إذا لم نكن أمام إستراتيجية مدبرة فنحن بالتأكيد أمام "فتنة"، فمع عرض الفيلم الهولندي وما جاء فيه من مشاهد أو استشهادات يريد مخرجها أن يَسِم الدين الإسلامي والمسلمين كلهم بالعنف والإرهاب والعنصرية يحق لنا أن نسترجع مشاهد الشريط كله الذي استرجعه الفيلم بداية من الحادي عشر من سبتمبر، ونتساءل هل نحن أمام تغير في إستراتيجية مواجهة الغرب للإسلام والمسلمين منذ أن وضعوه بديلا عدائيًّا للشرق الاشتراكي؟ أم أننا أمام انكشاف لوجه الإستراتيجية الحقيقي دونما تغير؟ وهل نحن أمام لعبة بلياردو تستهدف دفع كراتنا إلى رد الفعل "المحافظ" أو الانفعالي المتشدد الذي يثبت التهمة بدلا من أن ينفيها؟ وهل نحن الذين نعطي المبرر لهذا الاتهام، أم أنه ملتصق بنا طالما بقينا على ديننا؟ تساؤلات عديدة يفرضها المشهد والمشاهد.
الحضارة الإنسانية في مواجهة الإرهاب
إذا نظرنا إلى فيلم "فتنة" نجد أنه قليل القيمة من الناحية الفنية، فهو قائم على تلفيق أو قص ولصق مجموعة من الآيات القرآنية ومقاطع من خطب أو دروس دينية موضوعة في سياق من صور لعمليات إرهابية بدءًا من 11 سبتمبر ومرورًا بتفجيرات لندن ومدريد، ومن ثَم فإن الرسالة التي يحاول توصيلها تقول إن تلك الأفعال إنما تأتي من هذه المشكاة (القرآن)، ومن جميع أتباع هذا الدين حتى الطفلة التي ما زالت في سنيها الأولى، ومن ثَم فإن الأجيال القادمة من المسلمين جميعًا ليسوا إلا مشاريع لإرهابيين، ينطلقون من قرآنهم لتبرير أفعالهم.
وإذا كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر تمثل بداية الخيط الذي أراد صاحب الفيلم أن يبدأ به، فإن تلك الأحداث كانت شرارة الانطلاق لحقبة جديدة من التاريخ العالمي تتمثل ملامحها في عدة نقاط:
أولا: أن الغرب إنما يواجه عدوًّا غير محدد المكان وإن كان محدد الملامح سمته إسلامي متشدد يتخذ من العنف والإرهاب ومعاداة قيم الحضارة الغربية سبيلا له يقسم به العالم إلى فسطاطين واحد للحق يمثله هو وآخر للباطل تمثله القوى الغربية، تمامًا كما يقسم فكر "المحافظين الجدد" في أمريكا العالم إلى محور للشر تمثله قوى الإرهاب ومن يخالف الغرب ويعاديه وآخر للخير تمثله أمريكا والغرب ومن حالفهم والذين يمثلون قيم الحرية والديمقراطية وسائر منظومة القيم "الحضارية" الغربية والتي يجب أن يؤمن بها العالم رغبًا أو رهبًا، وكان من الطبيعي أن تتحالف الحكومات في سائر بلدان العالم مع الحرب على الإرهاب وإلا صارت من المارقين، كما كان من الطبيعي أن تبادر أمريكا وهي في حالة دفاع ليس فقط عن النفس، بل عن مجمل الحضارة الإنسانية أن تتوجه للتفتيش عن العدو في جبال تورا بورا، وأن تمضي ما يقرب من سبعة أعوام بحثًا عنه ولا ولن تجده، كما كان من الطبيعي في ظل ذلك أن تقوم باحتلال "وقائي" للعراق إزاحة لنظام يمثل قوى الشر بسعيه لامتلاك أسلحة دمار شامل "تهدد" قوى الحضارة الغربية، الإنسانية كما تمارس الديكتاتورية في أعتى أشكالها.
الإرهاب وضبابية التعريف
ثانيًا: كان الملمح الثاني في تلك المرحلة هو الضبابية المتعمدة في تعريف الإرهاب، فبعد أن كان الإرهاب هو استخدام العنف لإكراه الناس وتخويفهم وترويعهم والعدوان عليهم بغير وجه حق، صار الإرهاب يعني كل حمل للسلاح حتى ولو كان في مواجهة الاحتلال والعدوان المسلح على ثروات ومقدرات الشعوب، ومن ثَم صار كل من يقاوم مشاريع الاستعمار والاستيطان الصهيو/ أمريكي متهمًا بالإرهاب، وصار كل من يعادي الاحتلال الصهيوني لفلسطين، أو العدوان الصهيوني على لبنان إرهابيًّا إذا حمل السلاح ومعاديًا للسامية إذا لم يحمله، ومن ثَم لم نَعُد نسمع في الشرائع والمواثيق الدولية عن مقاومة العدوان والاستعمار والاحتلال وحق الشعوب في ذلك.
الحليف الأوروبي.. ومرحلة جديدة
ثالثًا: كان لا بد في ظل تلك الأجواء أن يتم إلهاب حماس الحليف الأوروبي الذي بدا مترددًا ومنقسمًا في الحرب على العراق، ومن ثَم جاءت تفجيرات مدريد ولندن دافعًا له للحماس، ومن ثَم بدأنا نشهد حالات من الاستفزاز والعداء والتي انتقلت دون إعلان إلى معاداة للدين الإسلامي ومظاهره بدءًا من الحملة على الحجاب في فرنسا وألمانيا، مرورًا بالرسوم المسيئة للرسول في الدنمارك وغيرها، ومرورًا أيضًا بخطاب البابا بنديكت السادس وغير ذلك من أحداث ومظاهر، وانتهاء بفيلم "فتنة" في هولندا والذي ربما يمثل حلقة في مرحلة جديدة من التشكيك في "المرجعية" و"النصوص" و"الرموز" الإسلامية باعتبارها هي سبب ما يتسم به الإسلام والمسلمون من عنف وإرهاب وعنصرية معادية للسامية ومعادية لقيم الحرية والديمقراطية والحداثة وحقوق المرأة والأقليات وسائر قيم الحضارة الغربية "الإنسانية"، ومن ثَم لم تَعُد المشكلة في نظر هؤلاء مجرد وجود "ثلة" أو "قلة مندسة" من الإرهابيين، بل إن المشكلة هي المرجعيات والثوابت والتي تمثل "منابع" لكل البلايا، ومن ثَم وجب التشكيك فيها أولا، ثم "تجفيفها" ثانيًا.
ملامح إضافية
رابعًا: رغم ذلك فإن هذه المرحلة الجديدة ما زالت مرحلة مغلفة ومقنعة تتسربل بكل التبريرات والتعليلات باعتبارها أفعال القلة، أو غلطات وسقطات البعض أو جزءًا من تثبيت علمانية أوروبا ضد كل الرموز الدينية، ومن ثَم فهي لم تصل بعد إلى مرحلة السفور وكشف الوجه والتبني الكامل أو الشامل من قبل الحكومات أو حتى من قبل الجميع.
خامسًا: لا بد هنا من إثبات أنه ما زال هناك بالفعل أصوات عاقلة ومتبصرة في وسط هذه الحمى، تسعى إلى الحوار والتفاهم، وأصوات أخرى ترى الأباطيل الاستعمارية والصهيونية، ولا تبالي بإعلان الوقوف ضدها، وهي أصوات وقوى تعاني من الآخرين بسبب تلك الآراء والمواقف.
المسلمون وإشكالية رد الفعل
وفي ظل هذه الموجة المتصاعدة من العداء والاستفزاز والعدوان يقع المسلمون في مأزق رد الفعل الذي تتضح معالمه فيما يلي:
أولا: من شأن التطرف في الاستفزاز أن يدفع الطرف الآخر في الوقوع في براثن الاستجابة للاستفزاز بردود أفعال عاطفية يقل فيها التعقل ويكثر سقط القول والفعل، ومن ثَم تثبت تهمة من يريد الاتهام بالحق والباطل.
ثانيًا: من شأن التطرف في الاستفزاز أيضًا وبخاصة عندما يمس المرجعيات والرموز أن يدفع الطرف الآخر للمزيد من التطرف في "المحافظة" التي تسوق إلى الجمود والتي تعمي البصر عن وجود مشكلات حقيقية لدينا يسعى الطرف الآخر إلى تضخيمها، ونسعى نحن للتمادي فيها بدعوى أنه ما دام الغرب يتحدث عن مشكلات الخطاب الديني، والتعامل مع النصوص، فلا بد أن تكون الاستجابة بإنكار وجود مشكلات في هذه الجوانب، واتهام كل من يحاول التجديد أو الإصلاح في هذا الشأن بأنه إنما ينفذ مخططات الآخر أو يستجيب لضغوطه.
مراجعات لا بد منها
وفي ظل هذا المنعطف الجديد ننتهز الفرصة كي نراجع أنفسنا ونحن نعيش هذا السياق العالمي، وهي المراجعة التي نرى أنها لا بد أن تأخذ المسارات التالية:
- علينا ونحن نتعامل مع المأزق الذي تعيشه الأمة أن ننظر إليه في ذات الوقت على أنه فرصة لكي نعيد رسم صورتنا ونعيد تقديم أنفسنا إلى العالم، فقد عاش المسلمون قرونًا في حالة من رد الفعل، وفي حالة من التراجع والانكفاء على الذات، بينما كان من المفترض أن يكونوا حملة رسالة عنوانها الرحمة للعالمين، وعنوانها حلف الفضول المعاصر المتأسس على القيم الإنسانية العليا والمشتركة، الحقيقية لا المدّعاة، وهو ما لم ننتبه إليه بالقدر الكافي بعد، فإذا كان هناك البعض سوف يصدقون ما يقال علينا في الغرب إما لسذاجتهم أو لجهلهم أو عدائهم، أو لأن البعض منا يقدمون لهم التبريرات لهذا التصديق، فإن البعض الآخر وكما شهدنا يذهبون كنتاج غير مقصود لهذه الحملات ليبحثوا عن الحقيقة فيما يقال، وقد يجدونها وقد لا يجدونها، وعلينا من ثَم أن نهتبل الفرصة لنعود إلى أصل وجودنا، ولكن علينا أن نعرف كيف نفعل هذا.
- كما أن علينا أن نعترف بأننا صرنا نضفي قداسة على تفسيرات سابقة للنصوص قرآنًا وسنّة قام بها أصحابها بما يتوافق مع أفهامهم وفق علمهم ومعارفهم في زمانهم، ووفق فقههم لأزمانهم وأماكنهم، وعلينا نحن أن نتعامل مع تلك النصوص الحية التي أنزلت على أمة يفترض أنها حية لنعيد قراءتها وفهمها وفقًا لما علمنا الله، ووفقًا لعصرنا.
- وأننا ينبغي وفقًا لذلك أن نعيد النظر في كل من الخطاب الديني الموجه منه للذات أو للآخر، فالخطاب الديني للذات يكرس التقليدية والسطحية في الفكر، كما يكرس الانغلاق على الذات، أما الخطاب الديني للآخر أو في بلدان الآخرين فلا يراعي السياق الجغرافي أو الاجتماعي والثقافي للآخر وكيف نخاطبه.
- كما أن علينا أن نعيد النظر في مناهج التعليم الديني التي تخرج لنا من الرجال الذين لا يجيد الكثير منهم إلا القص واللصق والنقل عمن قال سابقًا، ولا يجيد النظر إلى النصوص الأصلية نظرة فيها جدّة لأمة تقول بأن دينها صالح لكل زمان ومكان، دون أن تقدم البراهين على ذلك.
- وعلينا التعامل بقدر من الحكمة والإنصاف مع من يحاول من أرضية إسلامية أن يجتهد أو يجدد، وأن نكف عن الانتقاص من دين وإخلاص كل من يفعل ذلك، أما من يفعلون على غير أرضية إسلامية فعلينا أن نلتمس بعض الحكمة في أقوالهم، فربما نجد حقًّا أو صوابًا فيه.
د.مجدي سعيد
منقول عن موقع إسلام أون لاين
بتاريخ 30/8/2008
ابحث
أضف تعليقاً