
العلمانية هي فصل رجل الدين عن الدولة ومنع تحول رجل الدين إلى مصدر تشريع أو سلطة حصريّة في تفسير الشريعة.
وصلتني قبل أيّام رسالة في البريد الإلكتروني فيها أن وزير الداخلية الإيطالي "جوليانو أماتو" أعلن أنه لا يمكنه معارضة ارتداء المرأة المسلمة في بلاده للحجاب، وذلك لسبب واضح وبسيط وهو أن السيدة مريم العذراء والدة الرسول عيسى عليه السلام كانت تضع الحجاب على رأسها أيضا.
بطبيعة الحال أماتو لم يعد وزيرا للداخلية في إيطاليا منذ أكثر من عام، لذلك كان واضحا أنّ الخبر غير دقيق، أو قديم، وهو على الأغلب إشارة إلى تصريح أماتو عام 2007 أنّه إذا ما قرر منع الحجاب فلا بد من منعه بشكل تام، بما في ذلك منع الراهبات والممرضات في المستشفيات من ارتداء الحجاب.
بغض النظر عن دقة الرواية وعن حقيقة وجود "علمانيين" ممن يطالبون فعلا بمنع حجاب الراهبات، كما جاء في الرسالة، وبإعادة رسم اللوحات التقليدية للسيدة مريم والراهبات من دون حجاب، فإنّ الرسالة المذكورة، هي مجرد تعبير عن اعتقادات شائعة، بأنّ العلمانية تعني رفض الحجاب. والواقع أنّ الموقف من الحجاب يحتاج للتفريق بين ثلاثة مواقف، هي الليبرالية، والعلمانية، والأصولية.
العلماني قد يكون مؤمنا، وحتى متديّنا. العلمانية لا علاقة لها بالحجاب أو بممارسات الحياة اليومية الشخصية في اللباس والطعام والشراب، وليست بأي حال من الأحول فصل الدين عن الحياة، كما قيل للكثيرين منّا أثناء سنوات الجلوس في المدارس، وهي ليست فصل الدين عن الدولة، كما يعتقد كثيرون، بل هي ببساطة فصل رجل الدين عن الدولة، ومنع تحول رجل الدين إلى مصدر تشريع، أو إعطائه سلطة حصريّة، لشخصه، في تفسير الشريعة.
فعضو المجلس التشريعي (البرلمان)، قد تكون مرجعيته دينية، ولكن على أن تكون مرجعيّة شخصيّة، تقوم على فهمه واجتهاده هو، وليس أن ينتظر الموقف من لجنة إفتاء حزبية، أو من "شيخ" أو "مرجعية"، بل أن يجتهد هو باستقلالية، من دون أن يعني هذا أيضا أنّه لا يمكنه التشاور والنقاش مع كثيرين في الفهم الديني للمسائل المختلفة. والعلمانية هي أيضا فصل الدين عن المال، فلا يعود الموقع الديني سببا للنجومية والحصول على الثروة والمنصب.
في حالة الحجاب، فإنّ ما يحصل في حالات منها ربما إيطاليا وفرنسا وتونس، وبالتأكيد تركيا، هي موقف "معادٍ للدين"، وموقف "علماني غير ليبرالي"، فيه قدر كبير من الفاشستية، التي تقوم على إجبار الآخرين على تبني خيار معيّن.
مقابل هؤلاء هناك أيضا المنهج "الطالباني" ومنهج فئات تدّعي أنّ الإسلام حدد مقاييس، وربما ألوانا معينة للحجاب، ويتم فرضها بالقوة وربما يتم قتل من لا تلتزم بها (نكاد لا نعرف إذا كان هناك من يدّعي أنّ هناك عقوبة مذكورة في النصوص الشرعية بوضوح لمن لا تتبنى الحجاب).
وفي أفضل الأحول يتبنى البعض موقفا سلبيا، ماديّا ومعنويّا، من غير المحجبة. كما أنّ كثيرا من التطبيقات الخاصة بالملابس قد تبدو غير مألوفة لكثيرين، ففي إيران مثلا يمنع الذكور في الجامعات لبس ألوان معينة، (كاللون الوردي كما ذكر لي بعض من درس هناك). كما أنّ الجلباب بمفهومه الإخواني، والشادور الأزرق بشكله الأفغاني أنماط من الثياب ليست معروفة تاريخياً حتى نقول إنّها عودة للأصول، بل هي نتاج رؤية أمير أو شخصية دينية ما للباس الشرعي.
ويمكن الإضافة لهؤلاء بعض الرأسماليين، ممن قد يحوّلون المرأة (والرجل) إلى سلعة فيرفضون الحجاب لأبعاد تجارية بحتة. تماما مثلما قد يقوم رأسماليون إسلاميّون وتجّار في الزي الشرعي وغيره بتشجيع الحجاب والدعاية له لأسباب لا تخلو من أهداف مادية.
موقف إسلاميي تركيا يمثل الموقف الليبرالي في وسط كل هذه المواقف. ونذكر في العام الماضي، أنّ مشروع حزب العدالة والتنمية التركي للسماح بارتداء الحجاب في الجامعات، كان بصيغة يصعب على أي شخص لديه الحد الأدنى من احترام الحريات الشخصية أن يعارضها، فقد نصّ التعديل الدستوري الذي أقره البرلمان التركي وقتها، أنّه "لا يمكن حرمان أحد من حقه في التعليم العالي"، وهكذا فالنص لم يذكر الحجاب صراحة، وهو يمكن أن يفسَّر لصالح السفور، كما يمكن أن يفسر لصالح الحجاب، ما يجعل النص انتصاراً لليبرالية.
الشخص الليبرالي الحقيقي (غير المتدين أو المتديّن) سيحترم المرأة وحقها في اختيار الحجاب أو عدم اختياره، ولن يؤثر ذلك على نظرته لها، سواء أكان مقتنعا هو بالحجاب أم لا.
احمد أبو العزم
منقول عن جريدة الغد الأردنية
13/5/2009
ابحث
أضف تعليقاً