wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
الوسطيـــة السياسيـة

الوسطيـــة السياسيـة  

أ.د. محمد سليم العـوَّا
رئيس جمعية مصر للثقافة والحوار / مصر

1- الوسطية المعاصرة تيار يسري في الجسد الفكري والثقافي للأمة العربية الإسلامية. تيار يستنهض العزم نحو التقدم ويقاوم الاستكانة إلى حال التخلف والجمود في مجالات الحياة كافة. وهو تيار يستلهم الطبيعة الأصيلة للأمة العربية الإسلامية كما يعبر عنها تاريخها(1) وكما قررها القرآن الكريم في قول الله تبارك وتعالى: {{وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً...}}[البقرة: 143].
2- والأمة الإسلامية أمة وسط باعتدالها واستقامتها على الأخلاق والقيم التي بثها فيها الإسلام لتبتعد بها في كل شيء، وفي كل شأن من شؤون حياتها عن الإفراط والتفريط وما يتبع كل منهما من غلوُ أو تقصير. وهي لا تكون وسطاً حتى تحمل هذه القيم وتحافظ عليها وتعمل بها وتسعى إلى تحقيقها لتستحق بذلك أن توصف بأنها {{خير أمة أخرجت للناس}} لأنها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر كما وصفها ربها تبارك اسمه في كتابه العزيز[آل عمران: 110](4). وهو المعنى الذي استظهره الطبري عندما قال: «وأرى أن الله تعالى ذكره إنما وصفهم بأنهم «وسط»، لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه، غلو النصارى الذين غلو بالترهب، وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه ـ ولا هم أهل تقصير فيه تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله، وقتلوا أنبياءهم، وكذبوا على ربهم، وكفروا به؛ ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك، إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها (5)
3- والوسطية العربية الإسلامية تبدأ من الواقع وهو نقطة الوصل بين الماضي والحاضر، إذ البشر وما يفعلون هم نتاج الآباء، كما يحملون خصائصهم الوراثية يحملون تجاربهم التاريخية. والوسطية وهي تبدأ من الحاضر تستصحب الماضي  -تجارب وخبرات- لتتطلع إلى المستقبل عاملة، أو آملة على الأقل، أن يكون أفضل من الماضي والحاضر معاً. ولذلك يسمي بعض الباحثين مقام الوسطية مقام الكمال وينقل ذلك عن ابن قيم الجوزية، ويشرحه بأنه يجمع بين مقامي الجلال والجمال، فالجلال للتاريخ والجمال للحاضر والمستقبل يحتاج إلى مقام ثالث يحتفظ فيه الاثنان بخصائصهما دون أن يندمجا، ودون أن يذوب أحدهما في الآخر.(7) 
4- وبهذا الفهم للوسطية باعتبارها تياراً في طريق التشكل النهائي، أو باعتبارها تياراً يستمر في التشكل جيلاً بعد جيل وعصراً بعد عصر حتى تبلغ الجماعة الإسلامية في كل عصر مقام الكمال؛ ننظر إلى الوسطية السياسية باعتبارها فرعاً من فروع الوسطية الواجبة على هذه الأمة بجعل الله إياها «أمة وسطاً». 
5- المَعلم الأول من مَعالم الوسطية الإسلامية السياسية أنها تنظر إلى مسألة العلاقة بين الدين والدولة على أنها علاقة اجتهادية توجب على العلماء المؤهلين للبحث السياسي على أساس فقهي إسلامي استمرار الاجتهاد في كل عصر.
5/1- فالإسلام دين يُتَعَبَّدُ به ويتقرب إلى الله بفعل مأموراته وترك منهياته، ويُطلب الثواب الإضافي بالحرص على مندوباته ونوافله؛ وشريعة قانونية تحكم تصرفات الناس وأفعالهم من بيع وشراء وزواج وطلاق وميراث ووصية وجرائم وعقوبات وما إليها؛ بحيث لا يكون بالمسلمين حاجة إلى استيراد القانون من غيرهم، وإلى العيش في تنظيم حياتهم عالةً على سواهم، كما هو حالهم اليوم. وعَرَّفه ابن حزم الظاهري بأنه: «استنفاد الطاقة في طلب حكم النازلة حيث يوجد ذلك الحكم». (9)
5/2- فيكون المراد من كون الإسلام «ديناً ودولة» هو قبول المرجعية الإسلامية العامة التي تسمح بتعدد الآراء وتنوعها في الشأن السياسي، كما تسمح بتعددها وتنوعها في كل شأن إسلامي آخر. وبهذا الفهم يتجنب المسلم المعاصر الوقوع في القول بالفصل التام بين الدين والسياسة، مع فهم معنى «الدين» على أنه الشريعة الحاكمة لمعاملات الناس الدنيوية، ويتجنب الوقوع في وهم أن النظام السياسي المقبول إسلامياً هو نظام بعينه، لا يصح الاختلاف حوله ولا الاجتهاد فيه. 
5/3- أما القول بأن للإسلام نظاماً للحكم واحداً، يجب على الجميع السعي إلى استعادته، والعمل على تهيئة المناخ لإقامته. أعني نظام الخلافة.
نظام الخلافة لا يعني في مدلوله السياسي أو الدستوري أكثر من تنظيم رئاسة الدولة الإسلامية تنظيماً يشمل اختيار رئيسها وتحديد حقوقه وواجباته، على نحو يشير إلى محاولة الصحابة، الذين ابتكروا لفظ الخلافة، السعي إلى محاولة اتباع المثل الأعلى الذي كان قائماً في بداية نشوء الدولة الإسلامية التي تولى رسول الله صلى الله عليه وسلم رئاستها. ولذلك لم تستقر التسمية نفسها. فلُقِّبَ أبو بكر بالخلافة (خليفة رسول الله) ثم لقب عمر بأمير المؤمنين (أمير المؤمنين) ثم استعمل الفقهاء لفظ الإمام في بحوثهم المتعلقة بالتولية والعزل والخروج على الحاكم.(10)
5/4- وتضمن المدلول الدستوري للخلافة، كما اتفقت كلمة الصحابة عليها، أمرين: أولهما: أن «ترشيح» من يصلح لتولية الخلافة يتم بناءً على ما تنتهي إليه «شورى المسلمين»، وثانيهما: أن «تولية» هذا المرشح تتم بناءً على «بيعة المسلمين» له.(11) وعلى هذا النحو تمت تولية الخلفاء الراشدين جميعاً، وإن اختلفت الطريقة التي تمت بها الشورى في كل حالة من حالات توليهم. فإذا تولى أمر المسلمين شخص ما، عن طريق الشورى والبيعة أو ما يقوم مقامهما، أصبح رئيساً للدولة الإسلامية، يجب عليه الالتزام في أداء مهامه بأحكام الشريعة الإسلامية، وأن يبذل جهده كله لتحقيق مصالح الناس؛ وعلى المسلمين أن يبذلوا له النصح.
5/5- ومرجع هذه الحقوق والواجبات كلها إلى نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية، وإلى الاجتهاد في فهمهما والعمل بهما. وهو اجتهاد يتعدد بتعدد مذاهب المجتهدين في عشرات المسائل الأصولية، وفهمها وتنزيلها على الواقع الذي يجري الاجتهاد في ظله.(12)
5/6- ومؤدى ما نقول به في هذا الشأن هو وجوب التزام المرجعية الإسلامية في شأننا الديني التعبدي، وفي شأننا الدنيوي أياً كان مجاله فإن كان ثمة نص تفصيلي قطعي الثبوت والدلالة وجب تطبيقه كما ورد عن الله أو رسوله، وإن لم يكن بأن كان النص ظنياً في دلالته أو ثبوته وجب الاجتهاد في الأمرين أو أحدهما. 
5/7- والاجتهاد الفقهي المعاصر يرى أن مسألة النسب القرشي كانت متصلةً بزمان نشأة الإسلام، والظروف القبلية التي أحاطت بهذه النشأة، وما كان لقريش من مكانةٍ عند العرب في تلك الظروف. لكنها ليست شرطاً أبدياً، لا تصح التولية إلا لمن حازه؛ وإلا لقلنا إن كل حكام المسلمين منذ انقطاع الخلافة القرشية حكمهم باطل، وتصرفاتهم على الرعية غير مشروعة، وهذا لا يقول به أحد.
5/8- والاجتهاد الإسلامي المعاصر يذهب إلى أنه لا يلزم المسلمين أن يبايعوا من يختارونه لحكمهم بيعة أبدية، بل يجب أن تكون هذه البيعة لمدة محدودة، لأن الذي تتضمه كتب تراثنا السياسي الإسلامي عن أبدية البيعة كان تصويراً لواقع الناس في العصور التي كتبت فيها هذه الكتب، أو كان هو اجتهاد فقهاء تلك الأزمان؛ ولكنه ليس قواعد تشريعية ملزمة للناس كافة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
وقد تطور هذا الاجتهاد على مدى طويل. فبدأ الأستاذ السنهوري -رحمه الله- بتجويز أن تكون الولاية، أي تنصيب الخليفة لمدة محدودة من الزمن.(13) ثم جاء الدكتور توفيق الشاوي ليعلق على كلام الأستاذ السنهوري متقدماً بفكرة تأقيت الخلافة خطوة إلى الأمام ليقول: «إنه من الصواب أن يتضمن عقد البيعة مدةً محددة ليتمكن الناخبون من أهل الحل والعقد من مزاولة حقهم في الإشراف على أعمال الحكومة وسياسة الحاكم الذي اختاروه».(14) 
والصحيح انه ليس لهذه الآراء الكلامية والفقهية سند صحيح من الكتاب أو السنة يتصل بمسألة بقاء الحاكم حاكماً مدى حياته. والأسانيد المقبولة من حيث الرواية، والتي يستند إليها بعض الفقهاء والمتكلمين تشير إلى ضرورة تجنب الفتنة، ومنع وقوع الفوضى، ودرء خطر إراقة الدماء. وهذه المعاني وأمثالها توجب علينا  أن نجعل للحاكم في الاجتهاد الإسلامي العصري مدةً معينة لا يتجاوزها، فذلك هو الذي يمنع الفوضى والفتنة، ويحول بين الاستبداد والفساد.
5/9- وليس في النظم التي عرفتها البشرية نظام يحول بيـن الحكام وبين الجـور والظـلم -وهما من المحرمات القطعية في الإسلام- ويحول بين الاستبداد والاستئثار بالسلطة والثروة، ويحول بين الحاكمين وقمع المخالفين بالقوة الغاشمة، ليس هناك نظام يحول بين الناس وهذه المآثم جميعاً إلا نظام يتقرر فيه وجوب تداول السلطة بالطرق السلمية. وهذا التداول يؤدي إلى ألا ينفرد شخص أو حزب أو جماعة أو طائفة بحكم الناس إلى ما لا نهاية.
ولا يتحقق هذا التداول للسلطة إلا باتباع النظام المعروف بين الناس اليوم بنظام «الانتخاب». شريطة أن يكون حراً لا شبهة فيه، وألا تُزوَّر إرادة لناس بعد إبدائها، وأن يتولى الحاكمون المنتخبون سلطتهم -أو ولايتهم- إلى أمد معلوم. ولا يُعْتَرَضُ علينا في ذلك بقول بعض القائلين» عن الانتخاب إنه بدعة أجنبية تقليدها حرام! فإنه أشد حرمة من ذلك أن يبقى الظَلَمةُ الغَشَمةُ متسلطين على رقاب العباد بدعوى «أمن الفتنة»! وقديماً قال ابن قيم الجـوزية -لله دره- «إن أي طريق أسفر بها وجه الحق والعدل فَثَمَّ شرع الله ودينه».(15)
5/10- وإذا كان الفقه السنِّي المعاصر قد انتهى إلى اجتهاد مغايرٍ في مواضع عديدة للاجتهاد القديم في شأن الخلافة، أو بوجه عام في الشأن السياسي الإسلامي؛ فإن الفقه الشيعي الإمامي مضى في الطريق نفسه، يتغيا الغاية نفسها: أعني تحقيق مصالح الأمة. فالأصل عند إخواننا الإمامية، وفق الفقه الموروث المدوَّن، أن الحكومة الإسلامية لن تقوم حتى يعود الإمام الغائب، محمد بن الحسن العسكري -المهدي المنتظر- من غيبته فيملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جوراً.
5/11- وقابل هذا الاجتهاد الشيعي الإمامي، اجتهاد آخر، من داخل المذهب نفسه، هو الذي انتهى إليه العلامة آية الله محمد مهدي شمس الدين -رحمه الله- في كتابه: «نظام الحكم والإدارة في الإسلام». بأن من الضرورة متابعة الفقهاء للاجتهاد المفتوح على القواعد المقررة للاجتهاد كما رسمها أئمة آل البيت عليهم السلام، وكما تقضي بذلك القواعد العقلية. وهي تقتضي أن يقيم كل شعب مسلم لنفسه نظام حكمه الخاص، في إطار وحدة الأمة الإسلامية.(19)
6- وإذا كان الجمود قد أوقف الاجتهاد السياسي الإسلامي قروناً عن التجديد والإبداع والابتكار، فإن من فضائل الصحوة الإسلامية المعاصرة أن كسر المجتهدون والمفكرون هذا الجمود في المدرستين السنية والشيعية الإمامية على سواء. وإذا كانت الخلافة بصورتها العالمية المنصوص عليها في فقه أهل السنة غير ممكنة الوقوع في عصرنا، أو في المستقبل المنظور، وكانت الإمامة المعصومة -كما نصت عليها كتب إخواننا الإمامية- تمر منذ ألف وثلاثمائة سنة بعصر الغيبة، وكانت ولاية الفقيه لا تلقى إجماعاً شيعياً ولا سنياً، فإن نظرية «ولاية الأمة» التي انتهى إليها اجتهاد العلامة محمد مهدي شمس الدين ترضي الأطراف كافة من الناحية الفقهية أو الاجتهادية. فهي ترضي السنة لأنهم يقولون بمبدأ حق الأمة في الاختيار والتولية، ويقبل بها الشيعة ما دام الإمام المعصوم غائباً.
7/1- ويضبط إيقاع الاجتهاد الإسلامي، السياسي، الالتزام بالقيم السياسية المنصوص عليها في القرآن الكريم والسنة النبوية وما بُنيَ على هذه القيم من قواعد فقهية.
فأما القيم السياسية الإسلامية فنعني بها أحكاماً ملزمة للحكام والمحكومين، والفقهاء والمجتهدين على السواء. ذلك أنها كلها محل نصوص صريحة في القرآن الكريم والسنة النبوية. والالتزام بها موضع إجماع من الأمة على امتداد العصور. وأما القواعد الفقهية المستنبطة من هذه القيم فهي قوانين كلية تستخرج منها أحكام المسائل التفصيلية كمثل قاعدة «الضرورات تبيح المحظورات» وقاعدة «وجوب جلب المصلحة ودرء المفسدة» وأن «دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة» وأن «تصرف الإمام على الرعية منوط بتحقيق مصلحتهم». وهذه القواعد كما يقول العلامة مصطفى الزرقا هي «أصول فقهية كلية في نصوص موجزة دستورية تتضمن أحكاماً تشريعية عامة في الحوادث التي تدخل تحت موضوعها».(23)
7/2- والقيمة الأساسية التي تتفرع عنها سائر القيم السياسية الإسلامية هي مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وهو المبدأ المقرر في القرآن الكريم في قوله تعالى: {{ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}}[آل عمران: 104]. وقوله {{كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله}}[آل عمران: 110]. ففي الآية الأولى أمر صريح بممارسة واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتقييد الفلاح بفعل ذلك. وفي الآية الثانية توقُّفُ وصف الأمة بالخيرية على كونها آمرة بالمعروف وناهية عن المنكر، وربطٌ لهذه الخصيصة بخصيصة الإيمان بالله. ويصف القرآن الكريم مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه {{يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر}}[الأعراف: 157]. 
والعلماء يقررون أن أي أمة تركت هذا الواجب فإنها تستحق ما استحقه تاركوه من الأمم السابقة من غضب الله عليهم ولعنه إياهم.(24) وفي السنة النبوية طائفة كبيرة من الأحاديث الصحيحة التي تأمر الأمة بأداء هذا الواجب منها قول صلى الله عليه وسلم: (من رأى منكم منكراً فاستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده؛ فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه؛ وذلك أضعف الإيمان)(25) والترتيب في هذا الحديث غير مراد، فإن محل الإنكار الأول هو القلب، ثم يكون النهي عن المنكر بأخف الوسائل وهو الكلام باللسان، ثم يكون التغيير باليد لمن فُوِّضَ فيه من سلطات الدولة، وبشرط أمن الفتنة، أو كما يقول الفقهاء «بشرط ألا يترتب على تغيير المنكر منكر أكبر منه» وذلك تطبيقاً لقاعدة «يرتكب أخف الضررين».
وقد وصف الإمام الغزالي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأنه: «القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين».(26)
7/3- والقيمة السياسية الإسلامية، التي تلي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأهمية هي الشورى. وقد ذكرها القرآن الكريم في آيتين كريمتين، إحداهما مكية، نزلت قبل أن تكون للمسلمين دولة ولا حكومة، لتدل على أصالة هذه القيمة في البنيان الإسلامي، وأنها من خصائص الإسلام التي يجب أن يلتزمها المسلمون سواء أكانوا يشكلون جماعة لم تقم لها دولة  -كما كانت حالهم في مكة- أم كان لهم دولة قائمة بالفعل، كما كانت حالهم في المدينة. فالآية المكية هي قول الله تعالى: {{والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون}}[الشورى: 38]. 
والآية الثانية –المدنية- هي قول الله تبارك اسمه، في سورة آل عمران مخاطباً الرسول صلى الله عليه وسلم: {{فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين}}[آل عمران: 159]. وقد نزلت هذه الآية الكريمة في أعقاب غزوة أحد، وما أصاب المسلمين فيها من القرح {{إن يمسسكم قرح فقد مسَّ القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس}}[آل عمران: 140] وقد بينت أحداث غزوة أحد أن ما كان النبي علية الصلاة والسلام يميل إليه من البقاء داخل المدينة كان أصوب مما نزل عليه من رأي أصحابه من الخروج، ومع ذلك نزل القرآن في أعقاب ذلك يأمره بالعفو عن أصحابه والاستغفار لهم ومشاورتهم في الأمر كله. والنص بهذه الصورة وفي هذه الظروف قاطع في أن الشورى قيمة ملزمة لكل ذي سلطان، لا يسعه التخفف منه تحت أي سبب كان.
7/4- ويربط الإمام محمد عبده بين واجب الشورى، وواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بقوله: «إن آية سورة الشورى تتضمن مدحاً للمؤمنين بأخذهم بالشورى، وآية سورة آل عمران توجب على الحاكم المشاورة، ولكن إذا لم يكن هناك ضامن يضمن امتثاله للأمر فماذا يكون إن هو تركه؟ إن آية آل عمران تفرض أن يكون في الناس جماعة متحدون وأقوياء يتولون الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو عام في الحكام والمحكومين، ولا معروف أعرف من العدل، ولا منكر أنكر من الظلم»(28)
7/5- والصحيح من أقوال الفقهاء -وبه نأخذ- هو وجوب الشورى ابتداءً، ولزومها أو إلزامها انتهاءً، بحيث لا يجوز للحاكم تركها وإلا كان «عزله واجباً بلا خلاف».(29) وأنها تشمل الشؤون العامة كافة، وأن خلو النصوص من تحديد من يستشارون، وكيف تتم الاستشارة، والمدة التي يشغلها المشيرون في التنظيم الذي يدار به أمر الشورى (كالبرلمان ونحوه) كل ذلك من المسائل التفصيلية المتروكة لاجتهاد أولي الرأي من العلماء والفقهاء في الأمة الإسلامية؛ الذين يؤدون باجتهادهم إلى أن تختار الأمة أصوب الآراء وأدناها إلى تحقيق المصلحة.(30)
8- والتعددية السياسية أصل من الأصول التي تسلم بها المدرسة الوسطية السياسية في الفكر الإسلامي المعاصر. والتعددية تعني في جوهرها: التسليم بالاختلاف: التسليم به واقعاً لا يسع عاقلاً إنكاره، والتسليم به حقاً للمختلفين لا يملك أحد، أو سلطةً حرمانهم منه .
والتعددية (بمعنى الاختلاف) في أنواع الخلق، وبين أفراد كل نوع من حقائق الإبداع الرباني المسلمة: وليقرأ من شاء قوله تعالى: {{ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءً فأخرجنا به ثمرات مختلفاً ألوانها ومن الجبال جُدَدٌ بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء}}[فاطر: 27 ـ 28]. 
والتعددية في نوع الإنسان وانتمائه، ومستوى أدائه لواجباته وممارسته لمكانته أجلى وأوضح: وليقرأ من أراد {{يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير}}[الحجرات: 13].
8/1- والتسليم بالتعددية البشرية تبعاً للتسليم بحق الاختلاف يقود بغير جهد كبير إلى التسليم بحق التعددية في المذهب السياسي.(32) 
8/2- ولا يجوز للدعاة إلى إصلاح سياسي يستند إلى الإسلام أن تغيب عنهم حقيقة يشهد بها تاريخ البشرية في مختلف أديانها: أن أسوأ صور الظلم وأفدحها، وأبشع حالات الطغيان وأقساها، ما كان مستنداً إلى نظرة دينية يُسَاءُ فيها استخدام نصوص الدين الصحيحة بتأويلها على وفق أهواء الظالمين، أو يدس فيها على الدين ما ليس منه لتحقيق نزواتهم، والقضاء على خصومهم. 
والسؤال الذي يجب أن نسأله لأنفسنا هو: ما الذي توجبه النصوص أو الأصول الإسلامية على الناس في حياتهم السياسية؟ وما الذي منعتهم منه؟ وهل حددت لهم طرقاً معينةً لبلوغ ما توجبه أو لتجنب ما تمنعه؟
وقبل الإجابة على هذا السؤال أو هذه الأسئلة، ينبغي أن نقرر أن: الذي أوجبته الشريعة في المصادر والأصول يجب الوقوف عنده ولا يجوز التحلل منه. وعدم العمل به معصية مستمرة لا تتقادم ولا يسقطها مرور الزمان أو مضي المدة، لأن النصوص لا يلغيها الإهمال، ولا يفقدها قوتها الملزمة عدم الإعمال. 
8/3- فكيف يمكن في مجتمع اليوم تحقيق هذه القيم السياسية دون أن نقرر أن التعددية السياسية ضرورية لحمايتها ومممارستها وكفالة الحقوق المتصلة بها.
إن الناظر في أصول الإسلام لا يجد إلا مثل هذه القيم الكلية التي توجبها نصوص يبلغ عموم ألفاظها مبلغاً لا يكاد يفيد المجتهد بشيء في سبيل تنظيم وضعها موضع التنفيذ.
وتبقى بعد ذلك الوسائل التي تُبدعها الأمة لتحفظ لنفسها حقها في العيش تحت لواء هذه القيم الإسلامية، ولتحول بين الحاكمين وبين الاستبداد والطغيان، سواء أكان هذا الطغيان باسم الدين أم كان بأي اسم آخر لمسمى سواه.
والوسائل -بداهةً وضرورة- تختلف من عصر إلى عصر، ومن قوم إلى قوم، ولا تثريب على أهل بلدٍ إسلامي إن رأوا اتخاذ ما لا يحتاج إليه أهل بلد آخر، أو ابتدعوا ما لم يسبقهم إليه سابق، واقتبسوا من تنظيم غيرهم ما يحفظ لهم حقوقهم ويصون عليهم حرياتهم وحرماتهم.
8/4- ومن رأينا أن وجود الأحزاب السياسية في الظروفِ الحالية للمجتمعات الإسلامية ضرورة لتقدمها، ولحرية الرأي فيها، ولضمانِ عدم استبداد الحاكمين بالمحكومين، وهو استبداد واقع في جلِّ هذه المجتمعات أو كلها.
وفقه القواعد الأصولية الإسلامية يقوم من بين ما يقوم عليه على قاعدة عظيمة: «ما لا يتم الواجب به فهو واجب». فهل يمكن أن تقوم قائمة لنظامٍ سياسي إسلامي في العصر الحاضر وهو يُنْكِرُ على الناس اختلاف الرأي، وهو حق فطري. أو وهو يُنْكِرُ على الناس حرية التعبير عن الرأي، وهي حق أزلي. أو وهو يُنْكِرُ على الناس التجمع لبيان ما يرونه حقاُ أو يعتقدونه باطلاً وهو أمرٌ رباني؟!
إن الصحيح هو الجواب بالنفي على كل هذه الأسئلة. ويكون منطق المصلحة السياسية ومنطق القواعد الفقهية، والقراءة الصحيحة للنصوص والتاريخ، يكون ذلك كله شاهداً لضرورة التعددية السياسية من المنظور الإسلامي.(34)
9- وتثور في كل حديث عن الإسلام والسياسة في هذا العصر مسألة الدور السياسي للمرأة والحديث عن هذا الدور في حياتنا السياسية الحاضرة مطلوب ومهم في المجتمع الإسلامي كله؛ لأن المرأة المسلمة بين شقي رَحى، أو بين أمرين أحلاهما مر: بين فريق من أهل الرأي والقدرة على الفعل يرون أنها لا تصلح لشيء إلا إنجاب الأطفال ورعاية المنزل.
وأصحاب هذا الرأي يرون المرأة كلها عورة، وأنها المصدر الوحيد للفتنة، وأن خروجها من البيت لأي سبب كان هو أعظم محنة. وأن الذي أصاب المسلمين من فساد الدنيا والدين مرجعه كله إلى المرأة! وبعض هؤلاء يجاهر بأن عملها حرام. ومصافحتها حرام. والحديث معها في أي شأن حرام أو قريب من الحرام.
وليس أشد خطأ من أصحاب هذا الرأي إلا أصحاب الرأي النقيض له؛ الذين يرون أن كل قيد متعلق بحشمة المرأة وحجابها أو عفتها وصيانتها: تخلٌّفٌ ورجعية. ويدعون المرأة المسلمة إلى التشبه بنساء الغرب اللاتي لم يعد يحول بينهن وبين شيء مما حرمه الله دين، ولا التزام خُلُقِي، ولا محاسبة اجتماعية، ولا روابط أسرية.
9/1- والأصل في العمل السياسي كله أنه تطبيق من تطبيقات أصل إسلامي أعم، بل فرض من فروض الكفاية على الأمة هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يرمي في النهاية إلى غاية أساسية واحدة هي تحقيق الصلاح الاجتماعي ومنع الفساد الاجتماعي. وتعبير القرآن الكريم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في سورة آل عمران {{ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}}[آل عمران:104]، يدل بلا ريب على شمول واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للنساء والرجال جميعاً. وأصرح من ذلك دلالةً قول الله تبارك اسمه في سورة التوبة: {{والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم}}[التوبة: 71].
والقرآن الكريم يصف المؤمنين -رجالاً ونساءً- بأنهم: {{الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون * والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون}}[الشورى: 37 ـ 39]. وهذا الوصف للمؤمنين يشمل الرجال والنساء، كذلك فإن من خصائص الخطاب العربي القرآني وغيره أنه يشمل الرجال والنساء جميعاً ويعمهم بالحكم الوارد فيه حقاً كان أو واجباً، فإذا كان الحكم خاصاً بالنساء أتى الخطاب العربي خاصاً بهن جمعاً أو إفراداً.(36) 
9/2- السنة مثل القرآن في التسوية بين الرجال والنساء في إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليهم جميعاً، وفي مطالبتهم بأدائه، والدين هو موضع التكليف الكلي للرجال والنساء معاً. وأشهر أحاديث السنة النبوية الصحيحة في شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو (من رأى منكم منكراً فاستطاع أن يغيره بيده فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان). والمقرر عند الأصوليين واللغويين أن لفظ (مَنْ) من ألفاظ العموم التي يصدق ما بعدها على جميع الأفراد الذين يشملهم من غير استثناء ولا تخصيص إلا بدليل صريح على ذلك،(37) فإذا سبق لفظ (مَنْ) كلمة (منكم) فإنها تشمل المؤمنين جميعاً رجالاً ونساءً بلا استثناء.
9/3- فإذا تبين هذا لم يعد لأحد حجة في إبعاد النساء عن العمل العام بسبب أنهن نساء. ويتأكد هذا بالسوابق الإسلامية الثابتة منذ عهد النبوة لمشاركة المرأة في الحياة الاجتماعية، فقد كانت النساء يشاركن الرجال في جيوش رسول الله صلى الله عليه وسلم في أشق أنواع العمل العام، وأعظمها خطراً، وأكثرها تعريضاً للمرأة لما تتجنبه عادةً، أعني القتال الفعلي مع الجيوش الإسلامية.(39) 
9/4- وقد شاركت النساء في الهجرة إلى الحبشة، وفي الهجرة إلى المدينة، والهجرة عمل سياسي يقوم به المهاجر عندما تضيق عليه أرضه الأصلية، وتحول بينه وبين أداء واجبات دينه، والعمل المنظم لنصرة عقيدته، وليست فراراً إلى أرض يتمكن المهاجر فيها من أداء العبادات فقط.(40) وقد وصف الأستاذ ظافر القاسمي رحمه الله في كتابه القيم: «نظام الحكم في الشريعة والتاريخ»، الأمر النبوي بالهجرة إلى الحبشة بأنه أول عمل سياسي قام به الرسول صلى الله عليه وسلم.(41)
9/5- وقد شاركت المرأة في الشورى السياسية ففي صحيح البخاري،(44) وفي كتب السيرة المتعددة(45) واقعة مشورة أم سلمة على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية في قصة مفصلة، جميلة، فليراجعها من أراد.
وأشارت أم سليم على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين بقتل الطلقاء (مسلمة الفتح الذين انهزموا يوم حنين فظنت هي أنهم سبب انكسار جيش المسلمين) فقال لها: «يا أم سليم إن الله قد كفى وأحسن».(46)
9/6- وقد استخرج الأستاذ عبد الحليم أبو شقة رحمه الله في موسوعته «تحرير المرأة في عصر الرسالة» نحواً من ثلاثمائة دليل من السنة الصحيحة وحدها على أن مشاركة النساء في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية أمر لا يمنعه الشرع. ولا يحول بين المرأة وبينه صحيح الفقه؛ ما دامت ملتزمةً بالزي الذي لا يخالف الحشمة الإسلامية الواجبة. وما دامت ملتزمة بالوقار والصيانة والعفة التي تحفظ للمرأة كرامتها واحترامها في أي مجتمع توجد فيه.(47)
10- والموقف الفقهي التقليدي في مسألة الدور السياسي للمرأة يحسم القضية بأن المرأة لا شأن لها بالسياسة، وأن غاية ما يطلب منها أن تقوم به -إن استطاعت في نظر أصحاب هذا الرأي- هو أن تصون بيتها وتربي أولادها.
وبعض أنصار هذا الرأي يستدلون بالحديث غير الصحيح: «شاوروهن وخالفوهن».(48) وهو حديث لا تصح نسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز أن تستمد منه حجة. وقد كان صلى الله عليه وسلم يستشير زوجاته في الأمور العامة ويأخذ بقولهن ورأيهن، فكيف يقول ذلك ثم يكون أول من يخالفه؟
والمعترضون على ولاية المرأة للمناصب السياسية يحتجون بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة».(49)
وهذا الحديث لا حجة فيه لأن الأمر الذي يشير إليه هو أمر الولاية العامة التي ليس فوقها ولاية، وهي الخلافة أو الرئاسة العامة للدولة الإسلامية الواحدة التي تضم العالم الإسلامي كله. وهي دولة لم تعد موجودة الآن.
واختصاصات «ولي الأمر» فيها وشروط ولايته بشمولها وسعتها واتصالها بجميع المجالات بما فيها الإمامة في الصلاة وقيادة الجيوش والاجتهاد الفقهي المطلق ورئاسة القضاء، لم تعد متوافرة في أحد من الحكام اليوم. ولو ادعاها لنفسه أحد لكان الإسلاميون هم أول من يعترض عليه ويأبى التسليم بها له.
فالحكام اليوم جزء من مؤسسة. والحكم نفسه مؤسسة من مؤسسات عدة تتوزع بينها السلطات والصلاحيات التي كان يجمعها في يده الحاكم الفرد، أياً كان اسم حكمه ولقب سلطانه.
ولا بأس من حيث الأهلية والكفاءة أن تتولى المرأة بعض هذه السلطات -ولو كانت رئاسة الدولة- لأن أياً من تلك السلطات، بما فيها الرئاسة نفسها لا تمثل «الأمر» الذي يدل الحديث على عدم فلاح من يولونه لامرأة.
ولأن «الأمر» في الحديث بمعنى الولاية العامة فقد أباح بعض الأئمة للنساء بعض الولايات الخطيرة فهي تلي القضاء عند أبي حنيفة فيما تجوز فيه شهادتها، وقال الطبري تلي القضاء والإمارة، وهي رواية عن الإمام مالك أيضاً.(50)
لذلك فإنني لا أرى مانعاً شرعياً من ولاية المرأة أي منصب تؤهله لها كفاءتها وقدرتها وثقة الناس –الناخبين- فيها إذا كان من مناصب الانتخاب، أو ثقة المسؤولين عن التعيين إذا كان مما يعين له القائم به.
والأدلة الأخرى التي يتساند إليها المانعون من قيام المرأة بواجب المساهمة في العمل العام -أو باستعمال حقها في ذلك- كلها لا تدل على ما يستدلون بها عليه، وقد شرحت ذلك تفصيلاً في غير هذا الموضع.(52) 
11- إننا لا نتحدث عن النظام السياسي الإسلامي في فراغ فكري أو عملي، وإنما نتحدث عنه في خضم عمل سياسي مستمر -في كل بلاد الإسلام تقريباً- يدعو إلى «دولة إسلامية»، ونتحدث عنه في غمرة تطور لا يتوقف في العلاقات بين الدول الإسلامية وغير الإسلامية، بلغ مبلغ إعلان الحرب غير مرة في سنين معدودة على عدة بلدان إسلامية والتهديد الصريح بإعلانها على دول أخرى!
وإخواننا من غير المسلمين في الدول الإسلامية من حقهم أن يتساءلوا عن الذي سيؤول إليه وضعهم إذا نجحت الدعوة إلى إقامة «دولة إسلامية» في بلد من بلاد الإسلام الذي يتجاور فيه أهل أديان شتى. 
11/1- فأما غير المسلمين المواطنين في الدولة الإسلامية فإنهم والمسلمون سواسية في حقوق المواطنة وواجباتها. لا فرق بين مسلم وغير مسلم في التمتع بالخدمات والانتفاع بالمرافق وشغل الوظائف -غير الدينية- التي يقوم بها كيان الدولة وبنيانها. والوظائف الدينية تقتصر في شأن أهل كل دين على المؤمنين به، وإلا كان شغلها بغيرهم تكليفاً بما ليس في الوسع، وهو غير جائز في الإسلام.
والذمة عقد وليس وضعاً. والعقود بطبيعتها قابلة للانتهاء والإنهاء، أما الأوضاع فهي باقية ما بقيت شروطها والظروف التي سوغت قيامها. وإذا كان عقد الذمة قد انقضى، ولم يعد أي من أطرافه قائماً، فقد نشأ الوضع الجديد: وضع المواطنة، الذي يستوي فيه المسلم وغير المسلم في الحقوق والواجبات القانونية أمام الدولة وأمام قضائها وأمام سلطاتها كافة.
وإذا كان المسلم ملتزماً ديانة بما أمرته به نصوص القرآن والسنة من البر والقسط حين معاملته لمواطنيه من غير المسلمين، ولا سيما أهل الكتاب منهم، فإن الالتزام الديني سيجعل العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين قائمة في ظلال الأخوة في الوطن، والمناظرة في الإنسانية، والقانون والدستور.
وكان مقتضى عقد الذمة أن يدفع غير المسلم المقيم في الدولة الإسلامية مبلغاً ضئيلاً من المال (لم يزد في أي وقت عن دينارين على أغنى من يؤخذ منهم) يسمى: الجزية. والفقهاء المسلمون مجمعون على أن هذا المال كان بدلاً عن أداء غير المسلمين واجب الدفاع عن الدولة الإسلامية بالخدمة في جيشها (أي بدلاً عن الجهاد). ولم يكن غير المسلمين يكلفون بالخدمة العسكرية، لأن الجيش كان  في الأساس يحمل العقيدة الدينية لا الوطنية، ويقاتل في سبيل الله لا في سبيل حماية الحدود. فلما تحول الأمر إلى صورة الجيش الوطني الذي مهمته الأولى حماية الدولة وحدودها ورد العدوان عنها، أي إنها مهمة وطنية بحتة، واستوى في أداء هذه المهمة المسلمون وغير المسلمين لم يعد لفكرة الجزية محل ولا سبب.
إنه مما لا ريب فيه أن الدفاع عن الوطن عند المسلمين، هو جهاد في سبيل الله، والمسلم مكلف به بالاعتبارين معاً، وغير المسلم مكلف به من حيث هو مواطن، لكنه قطعاً يسقط فكرة الجزية من أساسها حتى لو كنا في ظل عقد الذمة.
11/2- غير المسلمين في الدولة الإسلامية يجب أن يسمح لهم بإقامة دور العبادة الخاصة بأديانهم، فإننا لا يجوز أن نمنعه من إقامة دور -كافية لأعدادهم- ليؤدوا العبادة فيها وفق عقائدهم وشعائرهم. وينبغي أن يشار هنا إلى الوضع الدولي المعاصر، حيث تعيش أعداد كبيرة -تعد بالملايين- في دول غير إسلامية، وهم في هذه الدول إما مقيمون إقامة مؤقتة، أو مهاجرون إليها اكتسبوا جنسيتها وأصبحوا موطنين فيها. وفي الحالين لا تمنع دولة من تلك الدول المسلمين المقيمين فيها من إقامة دور العبادة والمؤسسات التي تخدم التجمع المسلم فيها ثقافياً وتعليمياً واجتماعياً واقتصادياً.
12- وأما العلاقات بين الدول الإسلامية وغيرهما من الدول فإن الفقه الإسلامي التقليدي كان يقسِّم العالم إلى دارين: دار الإسلام ودار الحرب، أو إلى ثلاثة دور -عند بعض الفقهاء- بإضافة دار العهد إلى داري الإسلام والحرب.
وقد استثار هذا التقسيم الفقهي حمَّية الباحثين الغيورين حتى كتب أحد كرامهم يقول: «إن الرؤية الفقهية القديمة للعالم قاصرة عن الإحاطة بتعدديته وغناه. أما الإحيائية المعاصرة (أي الصحوة الإسلامية) فإنها معادية له، ولذلك تعجز عن فهمه والتعامل على أساس ذلك الفهم»(53)
والواقع أن بعض الدعاة يرددون -بلا تبصر- المفاهيم الفقهية التي تصادفهم في كتب أسلافنا العظماء دون أن يتبينوا أن لهذه المفاهيم أصولاً تاريخية تعود إليها، وظروفاً موضوعية سببت نشأتها، وسوّغت وجودها، وأدت في ظلها وظيفتها.
وهؤلاء يغفلون غالباً عن حقيقة علمية مؤداها أن الاجتهاد النظري في مثل هذه المسائل يتبع الحاجة العملية أكثر مما يتبع الدليل النقلي، وأنه لذلك متغير بتغير الظروف والأوضاع. ومن هذه المفاهيم مفهوم تقسيم العالم إلى دارين: دار الإسلام ودار الحرب. وهو مفهوم يقوم على تميز المسلمين وتحيزهم في أراضيهم، الذي يقابله تميز غير المسلمين وتحيزهم -هم الآخرون-  في أراضيهم. وعلى أن العلاقة بين الموضعين ليست إلا علاقة عداء مستحكم وحرب مستمرة حتى سميت دار غير المسلمين بدار الحرب.
وقد نشأ هذا المفهوم في الفقه الإسلامي لمقابلة مفهوم آخر لتقسيم العالم، هو المفهوم الروماني الذي كان يقسم العالم إلى ثلاثة أقسام: العالم الروماني، والعالم اللاتيني، وعالم الآخرين. فأما الرومان فهم سادة الدنيا، وأما اللاتين فأبناء عمومتهم، وأما الآخرون فعبيد الرومان واللاتين، تستباح في سبيل السيطرة عليهم حرمات الإنسان والمال والزمان والمكان جميعاً. وهو تقسيم عرقي عنصري يقوم على وهم التميز الجنسي أدى لارتكاب أشد الأعمال إجراماً ووحشية ضد غير الرومان واللاتين.
فصاغ الفقهاء المسلمون في مقابلته مفهوم دار الإسلام ودار الحرب، وهو مفهوم يستمد من حقيقتين: العقيدة والظرف الواقعي، وتترتب عليه أحكام فقهية ليس بينها حكم واحد يجيز العدوان أو يبيح -بغير سبب- ما حرمته نصوص الشريعة.
وهو تقسيم لا يعلي من شأن عنصر أو جنس على حساب سائر العناصر والأجناس، لأن الذين صاغوه وطوروه كان نصب أعينهم قول الله تعالى: {{يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم}}[الحجرات: 14]. وكان حاديهم قول رسول الله صلى الله عليه آله وسلم: (يا أيها الناس كلكم لآدم وآدم من تراب، ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى)
وقد أدى هذا المفهوم الإسلامي دوره في العصر الذي تكوّن فيه، وفي مراحل تاريخية لاحقة، أداءً يدركه المطلعون على مدونات الفقه الإسلامي وكتب القانون الدولي والعلاقات الدولية في الإسلام، وهي الكتب التي تعرف باسم «كتب السِّيَر». ولكنه في بدايته واستمرار تطوره كان مفهوماً فقهياً اجتهادياً، ولم يكن مفهوماً مستمداً من نص قرآني أو نبوي، أو مبنياً عليهما. وكان مبنى الاجتهاد الفقهي فيه تحقيق المصلحة ودرء المفسدة، وهو مقصد من مقاصد الشرع باتفاق الفقهاء.
ولم يكن ناشئاً -كما فهم بعض الباحثين- عن «قصور الرؤية الفقهية عن الإحاطة بتعدد العالم وغناه». بل كان ناشئاً عن إدراك لفساد التمييز العنصري العرقي بين الناس، وعن إدراك لصحة التمييز بالعقيدة وما يترتب عليها في العمل والسلوك من التقوى. ولم يكن اجتهاداً مبتدأً بل كان رد فعلٍ لموقف البيزنطيين الذين واجههم المسلمون وواجهوا فكرهم في ثغور الشام.
إنني أرى أن الاجتهاد القديم القائل بمثل ذلك التقسيم قد انقضى زمنه، وأن الفقه المعاصر يجب أن يتوجه صوب واقع العلاقات الدولية المعاصرة ويجتهد في بيان الجائز فيها والممنوع، مما يحقق المصلحة أو يهدرها، على نحو ما فعل الفقهاء في عصور المواجهة الأولى بين الإسلام وبين العالم القديم.
وليس لهذا الرأي أثر في مسألة استمرار الجهاد ووجوب إقامته إلى يوم القيامة، فإن موضع الجهاد وموضوعه غير موضع العلاقات السلمية وموضوعها، ولكل منهما أحكامه الشرعية، ونصوصه الحاكمة لأصوله، في القرآن الكريم والسنة النبوية. ولم يكن شيء من ذلك سنداً للاجتهاد في مسألة تقسيم العالم إلى دارين أو ثلاثة، وإنما كان مبنى ذلك الاجتهاد هو المصلحة وحدها. 
وفي تقديرنا أن العالم كله الآن دار واحدة هي دار عهد وموادعة. وأن أحكام الإسلام تنطبق على المسلمين أينما كانوا، سواء أكانوا في دار يغلب الإسلام على أهلها أم كانوا أقلية أو أفراداً في دار غالبية أهلها غير مسلمين.
ولا يجوز لأحد أن يقبل أو يعمل بالفتوى التي تذهب إلى انحسار بعض أحكام الإسلام العملية عن الأفراد، ما داموا يعيشون في دار لا يغلب عليها الإسلام، لأن هذا القول هدم للدين كله بتسويغ إهمال بعضه. وقد عاب الله تعالى في محكم كتابه على اليهود أنهم يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض. ولا يجوز لأحد أن يستحل أموال غير المسلمين في دارهم بزعم أنها دار حرب. ومن كان هذا رأيه فلا يحل له العيش فيها لأن ما أدّى إلى الحرام حرام، والمسلم مسؤول عن الوفاء بعهده، وقد دخل تلك الدار مشترطاً عليه أن لا يخالف قوانينها ونظمها فإما أن يعمل بعهده، ويفي به وإما أن يغادرها.
13- فإذا انتقلت العلاقة بين الدولة الإسلامية والدولة غير الإسلامية من حال السلم إلى حال الحرب فإن الأصول التي ذكرناها آنفاً لا يكون لإعمالها محل، وينتقل حال المواطنين والدولة كلها، من حال السلم والعيش في ظل الأخوة الإنسانية إلى حال وجوب الدفاع عن الوطن ورد العدوان عليه، وعندئذ فليس لمعتدٍ أو محتل عصمة، ولا لدمه ولا سلاحه ولا عتاده حرمة، والواجب الوحيد على المواطنين -مسلمين وغير مسلمين- هو قتالهم حتى يجلو المعتدي أو المحتل عن الوطن ويستعيد أهله سيادتهم عليه وحكمهم له.
وليس دور الفقهاء والمفكرين أن يبحثوا في حال السراء وأحكامها ثم يسكتوا عن سواها، بل عليهم كذلك النظر في حال الضراء، وساعة يحين البأس، بل لعل الناس عندئذ يكونون إلى فكرهم ورأيهم أكثر حاجة وأشد طلباً.

والحمد لله رب العالمين.

أضف تعليقاً

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.