wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
ماذا ينقص التدين السائد في مجتمعاتنا حتى يكون تدينا حضاريا؟

ماذا ينقص التدين السائد في مجتمعاتنا حتى يكون تدينا حضاريا؟

 

د.عبدﷲ فرج الله

أكاديمي وكاتب أردني

 

الناظر المتأمل في مجتمعاتنا العربیة والإسلامیة الیوم، یجد حالة من المفارقة العجیبة التي تستدعي التوقف عندھا، والتأمل العمیق فیھا، فمن جھة، نلاحظ حضوراً لافتاً ومكثفاً للمظاھر الدینیة في الفضاء العام، فالمساجد تمتلئ بالمصلین، والمراكز القرآنیة تشھد إقبالاً واسعاً، والخطاب الدیني یتصدر وسائل الإعلام، وشبكات التواصل الاجتماعي، وأعداد المصلین في ازدیاد مستمر، ومواسم الحج والعمرة تشھد حضوراً وإقبالاً متنامیاً عاماً بعد عام، والكتب الدینیة والمواقع الدینیة تتصدر قوائم المبیعات، والحجاب أصبح ظاھرة استدعت عداوة الشرق والغرب لمحاصرتھا والحد من انتشارھا.  

ومن جھة أخرى، عندما نوجه أنظارنا نحو مؤشرات التنمیة البشریة، والإنتاج العلمي، والشفافیة، وجودة الحیاة، واحترام القانون، نجد مجتمعاتنا تقبع في المراتب المتأخرة على صعید المجتمعات، والدول.

 

ھذه الفجوة الشاسعة بین "كمیة" الممارسة الدینیة و"نوعیة" الواقع الحضاري تطرح سؤالاً جوھریاً ومؤلماً: ماذا ینقص التدین السائد في مجتمعاتنا حتى یكون تدیناً حضاریا؟ ولماذا عجز ھذا الرصید الھائل من العاطفة الدینیة عن التحول إلى طاقة دافعة للنھوض الحضاري وبناء الحیاة؟!

 

الوقوف عند ھذه الظاھرة الفارقة في حیاة الأمة المسلمة، التي تقطعت أوصالھا، وتفرق أمرھا، یقودنا إلى حقیقة مؤلمة، مفادھا غیاب الشرع الإسلامي الحنیف عن منصات الحكم في دیار المسلمین، بعد أن سقطت أو أسقطت مظلة الخلافة الإسلامیة، التي كانت تظلل العالم الإسلامي، وجاءت أنظمة في ظاھرھا إسلامیة، وفي باطنھا علمانیة، حاقدة على الدین، بعضھا حارب الدین، ولم تسلم منها حتى مظاھره من لحیة وحجاب على سبیل المثال، وحاصر بیوت ﷲ، وأقصى رجال الدین والدعوة، وعملت أنظمة أخرى على استغلال الدین، لتوطید أركان حكمھا، فاستمالت بعض رجالھ، وأسست للدین مؤسسة رسمیة، تتبع لھذه الأنظمة، بامتیازات ورواتب وألقاب، تعمل على شرعنة ھذه الأنظمة، وإعطاء أفعالھا الصبغة الدینیة.

 

المؤسسات الدینیة الرسمیة:

وھذه المؤسسات الدینیة الرسمیة عملت عملھا في المجتمعات المسلمة، حین حصرت الدین في العبادات الفردیة، وأقصته عن واقع الحیاة، ولم تتدخل في شؤون الحكم، إلا تأییداً وتمجیداً لھذه الأنظمة، وبالتالي أنتجت لنا مسلماً متدیناً تدیناً مغشوشاً، أو مفصوماً، وبعیداً عن واقعه، یھمهم في الدرجة الأولى خلاصه الشخصي.

فھذه المؤسسات عملت في اتجاھین، أساءا للدین، وشوھا صورة التدین في حیاة المسلم، فمنجھيا عملت على خدمة الأنظمة، بتبییض صفحتھا، وتأكید ولایة الأمر في حقھا، ولایة الأمر التي تستوجب طاعتھا، وعدم الخروج علیھا، بل وتحرم نقدھا، وتشترط لنصحھا السریة التامة.

ومن جھة أخرى شغلت المسلم في أموره التعبدیة، من طھارة ووضوء، وصلاة وصوم وحج، وطول اللحیة، وشكل الثوب، وشروط الحجاب.. وغیرھا من مظاھر العبادة وشكلھا، لا روحھا وحقیقتھا، بل حمله مسؤولیة ما أصاب الأمة من غلاء وشقاء، وحل بھا من مصائب وبلاء، وجعل ھذا بسبب معاصي الناس وبعدھم عن ﷲ، أما معاصي الأنظمة وانحرافاتھا وبعدھا عن ﷲ وشرعه فلا یتطرقون إلیه من قریب ولا من بعید.

 

التدین المشوه:

ومن ھنا فإننا أمام منتج للتدین مشوه تماماً، منتج خال من الدسم، وشبه محاصر في خبایا النفوس، وأداء العبادات الفردیة، وجردت المساجد من رسالتھا وأبعدت عن أداء دورھا، ھذا المنتج للأسف غیر صالح للاستعمال في الحیاة العامة للمسلم، لا في أخلاقه التي تحكم علاقاته، وسلوكه وتصرفاته، ولا في قراراته، ولا في بیعه وشرائه، ولا في وظیفته وعمله، بغض النظر عن نوعه وطبیعته، انفصام تام. فأنى لھذا التدین أن ینعكس على طبیعة الحیاة التي یعیشھا، أو أن یترك أثراً أو بصمة فیھا.

وعلیه فإن الخلل الأبرز الذي أصاب التدین السائد بمقتل، ھو حالة الانفصام الحاد بین طقوس العبادة وبین السلوك الأخلاقي والاجتماعي، لقد تم اختزال الدین في مجموعة من الحركات والشعائر الفردیة، التي یؤدیھا الإنسان لینجو بنفسه، بینما تم تھمیش البعد الاجتماعي والأخلاقي الذي ھو ثمرة ھذه الشعائر.

 

فالتدین الحالي الذي تعیشه الأمة تغلب علیه النزعة الفردیة؛ فالمؤمن الیوم یبحث عن الأجر والثواب الشخصي من خلال الصلاة والصیام والحج، وھذا حق ومطلوب، لكن المشكلة تبدأ عندما تنتھي علاقة ھذا الفرد بدینه بمجرد خروجه من باب المسجد، أو الانتھاء من أداء عبادته.

 

ضرورة مغادرة الدائرة الفردیة:

وھذا یتنافى مع متطلبات التدین الحضاري، الذي یعزز الجانب الجماعي في حیاة الفرد، ویشعره بالمسؤولیة الاجتماعیة، من خلال تأكید دوره الریادي في المجتمع، فالتدین الحضاري، ھو الذي یتخلص من القیود الفردیة، وینطلق في فضاءات أرحب، فضاء عمارة الأرض وإصلاحھا، ویعلمنا أن "إذا قامت القیامة وبید أحدكم فسیلة فلیغرسھا"، و یعلمنا أیضاً أن "إماطة الأذى عن الطریق صدقة"، وأن إتقان العمل عبادة، وأن " ﷲ یحب إذا عمل أحدكم عملاً أن یتقنه" وأن الأمر بالمعروف والنھي عن المنكر من صمیم التدین، وأن المؤمن الذي یخالط الناس ویصبر على أذاھم خیر من المؤمن الذي لا یخالط الناس ولا یصبر على أذاھم، وأن المؤمن یألف ویؤلف.

وكل ھذا یتطلب من أن یخرج المسلم بتدینه من دائرته الفردیة الخاصة بأداء عباداته، إلى دائرة محیطه مسلحاً بأخلاق عباداته، علیه من أنوارھا، ومتلبساً بآثارھا، محققاً متطلباتھا في محیطه الذي یعیش فیه.

لا یمكن للمجتمع أن یبني حضارة، إذا كان الموظف المتدین فیه یصلي الفروض الخمسة في وقتھا، لكنه یرتشي أو یتقاعس عن خدمة الناس، لا حضارة مع تدین یبیح الغش في التجارة، أو التعدي على الأملاك العامة، أو تدمیر البیئة تحت ذرائع مختلفة، التدین الحضاري یجعل من الأخلاق العملیة (الصدق، الأمانة، احترام الوقت، النزاھة) المقیاس الحقیقي لمدى تغلغل الإیمان في القلب.

الشعائر التعبدیة في التدین الحضاري لیست غایة في حد ذاتھا تنتھي بانتھاء أدائھا، بل ھي محطات دوریة لشحن الضمیر الإنساني، وتدریبه على مراقبة الذات في كل تفاصیل الحیاة.

 

العقل من الجمود والتقلید إلى الفھم والاستنباط والاجتھاد:

كما أنه لا یمكن للمجتمع المتدین أن یبني حضارة إذا كان عقل المتدین أسیر التقلید في كل شأن من شؤون حیاته، فثمة تراجع في دور العقل في فھم النصوص وتوظیفھا والاستنباط منھا، لصالح الفھم الحرفي المقید، الذي استنبطه وفھمه سلف ھذه الأمة، فوقف عند فتاویھم واجتھاداتھم، التي كانت في الأصل استجابة لواقعھم ھم، وتلبي احتیاجاتھم ھم في زمانھم ھم، الذي لا بات لا یشبه زماننا لا من قریب ولا من بعید، لا في الشكل والمظھر، ولا في الجوھر والمخبر، ولذلك ھم بفھمھم واجتھاداتھم بنوا حضارة، ومن ثم فإن التدین الحضاري یتطلب شجاعة فكریة لإعادة قراءة النصوص في ضوء مقاصدھا الكبرى، وفي سیاق تطور الحیاة الإنسانیة، وتغیر متطلباتھا واختلاف معالمھا، ومراعاة ما استجد فیھا من مسائل وقضایا وعلوم وتقنیات.

 

التدین من ثقافة التواكل والانسحاب إلى العمل والتفاعل والإنجاز:

كما أنه لا یمكن للمجتمع المتدین أن یبني حضارة إذا كانت ثقافة المتدین فیه ثقافة التشاؤم والتواكل وانتظار المعجزات، وعجز في فھم السنن الكونیة، وعدم مصادمتھا، والتأكید على مواكبتھا، التدین الحضاري ینطلق من مبدأ قول ﷲ تعالى "ھو أنشأكم من الأرض واستعمركم فیھا"، أي طلب منكم عمارتھا وبناءھا، بالتنمیة والتخطیط العمراني، والابتكار التكنولوجي، وكل ما ھو لازم لعمارة الأرض.  

التدین الحضاري یرسخ الإیمان بالسنن الكونیة فالنصر والتقدم والرخاء لا یأتي بمجرد الدعاء والأمنیات، بل لا بد من بذل الجھد البشري المستطاع، في التخطیط الاستراتیجي والعمل المؤسس والأخذ بأسباب القوة المادیة والعلمیة، فإن السماء في النھایة لا تمطر ذھباً ولا فضة، وكذا الحضارات لا تبنى بالدعوات والأمنیات وحدھا.

 

الخلاصة؛

في الحقیقة لا تكمن مشكلة مجتمعاتنا في وفرة التدین، بل في "جودة" ھذا التدین وفعالیته، فالدین في جوھره ھو طاقة روحیة وأخلاقیة عظیمة، جاءت لتحریر الإنسان من مخاوفه وأنانیته، ولتطلق طاقاته الكامنة نحو البناء والإعمار.

ما ینقصنا لنكون مجتمعات حضاریة ھو أن نعید للدین وظیفته الأولى: بوصلة للأخلاق، ومحفزاً للعقل، وضماناً للعدالة، ودافعاً للعمل. إن التدین الحضاري لا یقاس بعدد المآذن التي تعانق السماء فحسب، بل یقاس بعدد المدارس والمستشفیات والمصانع ومراكز الأبحاث، التي تُبنى على الأرض، یقاس بمدى شعور الإنسان الضعیف بالأمان، ومدى سیادة القانون، ومدى نظافة شوارعنا وشفافیة مؤسساتنا.

یوم یتحول كل مصلٍ إلى عامل متقن، وكل صائم إلى مواطن نزیه، وكل قارئ للنصوص إلى مفكر نقدي یبحث عن الحقیقة؛ حینھا فقط، سیتحول التدین السائد في مجتمعاتنا إلى القوة الحقیقیة التي تصنع الحضارة وتغیر وجه التاریخ.

 

#المنتدى_العالمي_للوسطية

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.