
ظاهرةُ التشكيكِ في اجتهاداتِ العلماء.. كيف يمكن مواجهتها
أ.د. محمود السرطاوي
أستاذ الفقه وأصوله في الجامعة الأردنية
الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ الله، وعلى آله وصحبِه والتابعين، وبعدُ
أتناولُ الموضوعَ من خلالِ بيانِ معنى الاجتهادِ لغةً وشرعًا، ومعنى التشكيكِ في اللغةِ، ثم مفهومِ التشكيكِ في اجتهادِ العلماء، ثم مشروعيةِ الاجتهادِ وبيانِ ثمرتِه وما يقتضيه من تباينِ الرأي في حكمِ النوازلِ والحوادث. ثم شروطُ الاجتهاد لما لها من صلةٍ بموضوعِ البحث، ثم نتحدَّث عن وسائلِ معالجةِ الظاهرة.
أولًا: معنى الاجتهاد لغةً وشرعًا
• الاجتهادُ في اللغةِ: بذلُ الجُهدِ والوُسعِ وتحمُّلُ المشقةِ لتحقيقِ أمرٍ صعبٍ، ولا يُستعمَل لفظُ الاجتهادِ إلا فيما فيه كُلفةٌ ومشقة.
• وشرعًا: استفراغُ الوُسعِ في استنباطِ الأحكامِ الشرعيةِ من أدلتِها للمسائلِ أو النوازلِ التي لم يردْ نصٌّ شرعيٌّ في بيانِ حكمِها.
ثانيًا: معنى التشكيك لغةً
الشكُّ بمعنى الرِّيبة، والتشكيكُ: إدخالُ الرِّيبةِ في الشيءِ أو المُعتقَد، بمعنى عدمِ الثقةِ أو الصِّحةِ في أمرٍ ما.
ثالثًا: مفهوم التشكيك في اجتهادات العلماء
هو إدخالُ الريبةِ وعدمُ الثقةِ في أقوالِ العلماءِ في العقيدةِ والأحكامِ الشرعيةِ التي يستنبطُها العلماءُ في النوازلِ والحوادثِ المستجدَّة، حيث يترتَّب على ذلك عدمُ التزامِ عمومِ المسلمين بالأحكامِ الشرعيةِ المستنبَطة، مما يترتَّب عليه نشرُ الفوضى وتفريقُ صفِّ المسلمين، وتمزيقُ النسيجِ الاجتماعيِّ للأمَّةِ الإسلامية، وذوبانُ مفهومِ الأمَّةِ الإسلامية، وإسقاطُ القدواتِ العلميةِ التي تعملُ على إصلاحِ المجتمعاتِ المسلمة، فتصبحُ نهبًا للفاسدينَ والمفسدينَ والمعتدين.
رابعًا: مشروعية الاجتهاد
الاجتهادُ مشروعٌ على وجهِ الطلبِ الجازمِ من مجموعِ الأمةِ، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُوْلِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣].
ولما ورد في السُّنةِ عن النبي ﷺ أنه عندما بعث قاضيًا إلى اليمن، قال له: «بمَ تقضي إن عرض لك قضاء؟» قال: بكتاب الله. قال: «فإن لم تجدْ في كتاب الله؟» قال: فبما قضى به رسول الله. قال: «فإن لم تجدْ فيما قضى به رسول الله؟» قال: أجتهدُ رأيي. قال: «الحمد لله الذي وفَّق رسولَ رسولِه» [رواه أبو داود].
خامسًا: شروط الاجتهاد
للاجتهاد شروطٌ يجب أن تتوافر في المجتهد، ذلك أن عدمَ توافرها يجعل الاجتهادَ في المسائلِ حرامًا، لأنه قولٌ بغيرِ علمٍ، ولأنه يفتح البابَ على مصراعيه للطعنِ في اجتهادِ العلماء. ولهذا أقام العلماءُ للاجتهاد علمًا خاصًا يُسمَّى "علم أصول الفقه".
ويمكنُ الإشارةُ باختصارٍ إلى أهمِّ شروطِ الاجتهاد، بالإضافةِ إلى صلاحِ نيةِ المجتهد وسلامةِ عقيدتِه واستقامتِه في المنهجِ والسلوكِ والأخلاق، ما يأتي:
1. معرفةُ آياتِ الأحكامِ وأحاديثِ الأحكام.
2. معرفةُ السياقاتِ القرآنيةِ، والمقاصدِ الشرعيةِ من القصصِ والأمثالِ المذكورةِ في القرآن الكريم، ومعرفةُ أسبابِ النزولِ، والناسخِ والمنسوخِ، وما يتعلَّق بهذه العلوم.
3. معرفةُ علومِ القرآنِ الكريم وعلومِ الحديث من حيثُ الصحَّةِ والضعفِ والوضعِ وسائرِ مراتبِ الحديث.
4. معرفةُ السيرةِ النبويةِ وأقوالِ الصحابةِ وأعرافِ أهلِ المدينةِ وأهلِ مكة زمنَ التنزيل.
5. معرفةُ إجماعاتِ الصحابةِ ومَن بعدهم من التابعين.
6. معرفةُ علمِ أصولِ الفقه ومداركِه وترتيبِ الأدلة.
7. معرفةُ علومِ اللغةِ العربيةِ ودلالاتِ الألفاظِ والحقيقةِ والمجاز.
8. معرفةُ مآلاتِ الحكمِ الشرعي، ومدى توافقِها مع مقاصدِ الشريعة.
9. معرفةُ الظروفِ الزمانيةِ والمكانيةِ والشخصيةِ التي تحيطُ بالمسألةِ محلِّ الفتوى.
سادسًا: ثمرة الاجتهاد.
لما كانت الشريعةُ الإسلاميةُ خاتمةَ الشرائع، وجاءت للناس كافةً، اقتضت حكمةُ الله أن تكون شاملةً لبيانِ الأحكام في كل ما يتعلَّق بالجوانبِ الحياتيةِ للإنسان: من عباداتٍ، ومعاملاتٍ ماليةٍ واقتصاديةٍ، واجتماعيةٍ، وأسريةٍ، وسياسيةٍ، وعلاقاتٍ دوليةٍ، وقضائيةٍ، وعقابيةٍ، وذلك في كل ما يستجدُّ من المسائلِ والنوازلِ في جميعِ الأزمنةِ والأمكنة.
ولا يتحقق هذا إلا بتضمُّنها أحكامًا كليةً جامعةً ومبادئَ عامةً وقواعدَ وضوابطَ تتضمنُ أحكامَ المسائلِ الجزئية التي تقع تحتها. قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨].
وما ذلك إلا باشتمالِها على الأحكامِ العامةِ والمبادئِ والقواعدِ الكلية التي تُعرَف بها الأحكامُ الشرعيةُ في المسائلِ والنوازلِ المستجدَّة، بطريقِ مقايسة غيرِ المنصوصِ على حكمِه على المنصوص، أو بطريقِ استصحابِ حكمِ الأصل على ما يتفرعُ عليه من مسائل، أو بطريقِ الاستحسان، أو العُرفِ الصحيحِ الذي لا يتعارضُ مع الأحكامِ الشرعية، أو بطريقِ سدِّ الذرائع، أو فتحِها، أو بطريقِ العملِ بالمصلحةِ الظاهرةِ المعتبرةِ شرعًا.
وهذا يستلزمُ النظرَ والاجتهادَ في المسائلِ على ضوءِ مقاصدِ الشريعة، ومقاصدِ أحكامِها الكليةِ والجزئية. ولما كانت الأفهامُ والقدراتُ العقليةُ للمجتهدين متفاوتةً في فهمِ مرادِ الشارع، وفي القدرةِ على المقايسةِ واستنباطِ العلل وفقَ الأصولِ الاجتهادية، كان من أثرِ ذلك الاختلافُ في استظهارِ الحكمِ الشرعي.
ومع أن هذا فيه حثٌّ على إعمالِ العقولِ وصولًا إلى أفضلِ الآراء في تطبيقِ أحكامِ الشريعة، وتحقيقِ مصالحِ العباد، كما أن فيه التزامًا بالثوابتِ الرئيسةِ في الإسلام، مع قَدرٍ من المرونةِ التي تجعل الشريعةَ متميزةً على غيرِها من الشرائع، فتجعلها صالحةً لكل زمانٍ ومكان.
واختلافُ وجهاتِ النظرِ في الاجتهاداتِ ظاهرةٌ إنسانيةٌ، اقتضتها الفطرةُ البشريةُ وظروفُ الزمانِ والمكان. فيجبُ الاستفادةُ منها في إثراءِ وظيفةِ الاستخلافِ الإلهيِّ للإنسانِ في إعمارِ الكون.
ولكن البعضَ قد يستغلُّ هذا الاختلافَ في الرأي للطعنِ والتشكيكِ في الثوابتِ الإسلامية، أو في نشرِ الخلافِ بين المسلمين، وإسقاطِ القدواتِ الإسلامية، كما سنُبيِّنه فيما بعد.
سابعًا: أسباب وجود ظاهرة التشكيك في الاجتهاد
قد يكون التشكيكُ ناتجًا عن حسنِ نيةٍ أو جهلٍ، وقد يكون وسيلةً من وسائلِ الهدمِ ومحاربةِ الإسلام. فمن الأول:
ما يكونُ من مدَّعي العلمِ ومن العوام، ولا شكَّ في حرمةِ الفعل. وقد يكون سببُ التشكيك هو عدمُ الثقةِ في المجتهد لما يظهرُ منه من تسرعٍ وعدمِ ضبطٍ أو عدمِ امتثالٍ في السلوك. والإثمُ هنا يكونُ على المتسبِّب، وهو مَن تصدَّى للاجتهادِ والإفتاءِ وهو ليس أهلًا له.
وقد يكون التشكيكُ عمدًا مقصودًا لتحقيقِ غاياتٍ، وهو – مع حرمتِه – قد يكونُ كبيرةً من الكبائر، أو كفرًا صريحًا إذا كان يقصدُ بفعله الطعنَ في الإسلام وتشويهَ أحكامِه من خلالِ الطعنِ في العلماء.
ونظرًا لخطورةِ هذا النوع من التشكيك، فإنِّي أوليه أهميَّةً بكشف بعضِ أسبابِه فيما يأتي:
1. إسقاط القدوات من علماء الأمة الإسلامية: يعمل أعداءُ الإسلام وأصحابُ الأفكارِ الإلحادية على التشكيكِ في آراء العلماء المسلمين كسلاحٍ في التغلبِ على المدِّ الإسلاميِّ القادم، من خلال إسقاطِ القدوات، خشيةً منهم من عودةِ الحكمِ الإسلامي.
2. التشكيك بهدف الدفاع عن المكتسبات: التي يتمتعُ بها بعضُ أهلِ الفسقِ والفجور. فيعملون على إسقاطِ القدوات حفاظًا على مكاسبِهم ومتعِهم. فالإسلامُ يحرِّم الخمرَ والربا وحفلاتِ المجون وبيوتَ الدعارة والقمارَ والمخدرات، كما أنه يعمل على توظيفِ كنوزِ الأرض من البترولِ وسائرِ المعادن لصالحِ الأمة والمجتمعات المسلمة، حيث ترى القدواتُ ضرورةَ توظيفِها في بناءِ المجتمعاتِ المسلمة ومحاربةِ الفقرِ والبطالةِ والضغطِ على العدوِّ لكبحِ جماحِ عدوانِه. وهذا ما لا يتفقُ مع مصالحِ الفاسدين وأذنابِ الاستعمار. وأيسرُ الطرقِ عندهم هي إسقاطُ القدواتِ بالتشكيكِ في آرائِهم. ومن جهةٍ أخرى، فهم يوظفون التشكيك حتى لا يتبوأَ أيٌّ من القدواتِ مراكزَ فاعلةً في الدولة.
3. طمس القيم الإسلامية في نفوس الشباب: حتى يسهلَ على الأعداء إبقاءُ المجتمعات الإسلامية تحت سيطرةِ المستعمر، وحتى يكون استقلالُ الدولِ الإسلامية استقلالًا شكليًا، فلا يبقى في شباب الأمة مَن يذود عن الأرضِ والعقيدةِ والمقدسات. ولما كان أهلُ الاجتهاد هم الذين يعملون على غرسِ القيم في النفوس غالبًا، فإن الطريقَ الأسهل هو تدميرُ هذه القدوات بالتشكيك في اجتهاداتها.
4. إقامة مدارس لهدم الإسلام من الداخل: حيث تقومُ بتعليمِ عددٍ من المستعربين الدينَ الإسلاميَّ بطريقةٍ محرَّفة، ثم تعمل على توظيفِهم أئمةً ووعاظًا ومفتين وقضاةً في بلادِ المسلمين لأغراضٍ استخباريةٍ وتشكيكيةٍ، وإثارةِ الاختلافاتِ والفتن، واختلاقِ الآراءِ والأقاويلِ الباطلةِ وإلصاقِها بعلماء المسلمين. وهذا ما تفعله إسرائيل، وقد تم ضبطُ عددٍ منهم، واعترفوا بجنسيتِهم الإسرائيلية وديانتِهم اليهودية والأهدافِ التي عملوا لتحقيقِها.
5. آراء مكذوبة في كتب التراث: توجد في بعضِ كتبِ التراثِ الإسلامي آراءٌ مكذوبةٌ أو منقولةٌ عن دياناتٍ أخرى، فينقلُها بعضُ العلماء على أنها آراءٌ لعلماء من المسلمين دون التثبت من صحتها، فيستغلها أهلُ الأهواء في التشكيك والتعريضِ بآراء العلماء.
6. تتبع الآراء الضعيفة: بعضُ المنتسبين إلى العلم يتتبعون الآراءَ الضعيفةَ ويعرضونها في الإعلام بقصدِ الشهرةِ أو التشهير، فينشرها الإعلامُ الذي يسعى وراء الكسبِ المادي، ولو كان فيها إثارةُ البلبلةِ والفتنة في المجتمعات.
ثامنًا: وسائل مواجهة ظاهرة التشكيك في اجتهادات العلماء.
1. التعريفُ بالعقيدةِ الإسلامية ومصادرِها الصحيحة، وأثرِها في سلوكِ الفرد والمجتمع، الأمر الذي يعملُ على غرسِ العقيدةِ في النفوس ويشكِّل سدًّا منيعًا في وجهِ الآراء التشكيكية والأفكار الإلحادية.
2. التعريفُ بمقاصدِ الدين الإسلامي ومبادئِه وكلياته، وتعظيمُ القواسمِ المشتركة من أركانِ الإيمانِ والإسلام، ومحاربةُ البدعِ والضلالات.
3. التحذيرُ من الفكرِ التكفيري والفكرِ الطائفي والتعصبِ المذهبي، ورفضُ التفسيرِ الباطني للقرآن الكريم، واعتمادُ ما ورد عن النبي ﷺ من الأحاديث الصحيحة، وما كان عليه سلفُ الأمةِ من صحابةِ رسولِ الله.
4. تلقي أقوالِ العلماءِ من أئمةِ الاجتهاد بالقبول، وهي آراءٌ قابلةٌ للمناقشةِ والترجيح، وليس لها قداسةُ النصوصِ من الكتابِ والسنة.
5. تدريسُ ونشرُ قواعدِ الاجتهاد التي تم تدوينُها في علمٍ خاصٍّ هو "علم أصول الفقه"، والعنايةُ بتدريسِ علومِ القرآن وعلومِ الحديث والسيرةِ النبوية والتاريخِ الإسلامي والاقتصادِ الإسلامي وغيرها من العلوم ذاتِ الصلة بالعلوم الشرعية.
6. ينبغي أن يكون المجتهدُ في المسائل ذا ثقافةٍ واسعةٍ في حاضرِ الأمةِ ومستقبلِها، وأن يكون ملمًّا بالعلاقاتِ الدولية وبالقوانينِ والمنظماتِ الدولية إن كانت المسألةُ محلَّ الاجتهاد لها صلةٌ بها.
7. العملُ على إنشاء مؤسساتِ اجتهادٍ جماعي ذاتِ موثوقيةٍ عند الكافةِ من الناس لتضييقِ دائرةِ الخلاف ما أمكن.
8. نشرُ ثقافةِ التثبّتِ والتبيّن عن مصدرِ الفتوى أو الرأي الاجتهادي بين الناس.
9. كشفُ الخططِ الهدامة التي يُراد منها النيلُ من العقيدةِ والقيم، ونشرُ الحالاتِ التي يثبتُ تورطُها في التدليسِ والتشكيكِ وإثارةِ الفتن على أوسع نطاق.
10. البيانُ لعمومِ المسلمين الغرضَ من التشكيكِ في اجتهاداتِ العلماء، والآثارَ المترتبةَ عليه.
والحمد لله رب العالمين.
#المنتدى_العالمي_للوسطية
ابحث
أضف تعليقاً