
مروان شحادة - نحاول في هذه الورقة البحثية التعرف على « أثر تنامي التطرف الديني والطائفي على الإستقرار في المنطقة»، وأنواع التيارات الدينية الموجودة على الأرض وطبيعة الصراع في ما بينها، وأثر ذلك كله في الهوية الجامعة والهويات الفرعية، وزعزعة الأمن وانعدام الإستقرار في المنطقة، إضافةً الى تقديم مجموعة من التصورات والبدائل والخيارات والسيناريوهات التي يمكن أن تسهم في تخفيف حدة الإحتقان والتحشيد الطائفي.
تمهيد
أصبحت «الطائفية» إلى جانب «الإرهاب» من الكلمات المفتاحية الأساسية في حرف طبائع الصراع وأداة فعالة تستخدمها الأنظمة والجماعات لتحقيق أهداف إيديولوجية وسياسية.
وتداول الإعلام كلمات دعائية في الحرب النفسية المضادة للطرف الآخر بهدف الحشد والتعبئة والاستقطاب، حيث وصف الخطاب-الطائفي-السني؛ نظام الأسد وحلفائه الإيرانيين وعناصر حزب الله اللبناني والمليشيات العراقية بـ « الشيعية، والرافضة، والنصيرية، والصفوية، والمجوس، وحزب اللات والشيطان، وأبناء المتعة»، فيما وصف الخطاب-الطائفي-الشيعي الآخر من الجماعات والنظم السياسية السنية بـ « السني، الناصبي، التكفيري، الإرهابي، الأموي، الوهابي»، وهذه الأوصاف مرتبطة بالخلافات التاريخية بين المذاهب والطوائف من الناحية السياسية، وهي تؤدي إلى إطلاق الأحكام والفتاوى بتكفير الآخر وجواز قتله.
وأصبح الغلو والتطرف لدى الجماعات المتصارعة يتغذى بشكل كبير على الطائفية الضيقة الخاصة بالمذهب، والعرق والإثنية، وظهر ذلك بوضوح خلال التطورات الدامية الأخيرة التي تشهدها المنطقة والإقليم، ففي العراق، حكومة المالكي مأزومة بسبب سلوكها الطائفي، وهناك صراع يستند بقوة إلى الهوية الطائفية في الأزمة السورية، ويتم توظيف ذلك وفق أجندة محلية وإقليمية ودولية، والسؤال الذي يطرح هنا: من المستفيد من الصراع الطائفي في المنطقة؟
حيث تم استغلال مفهوم «الطائفية» استغلالاً سلبياً من قبل أصحاب النوايا السيئة وبخاصة في العمل السياسي، فصار يستخدم بشكل سلبي بدلاً من توظيفه ايجابياً بتقوية المجتمع من خلال التنوع الديني والمذهبي.
ويرى بعض الباحثين إن الطائفية تنتمي إلى ميدان السياسة لا إلى مجال الدين والعقيدة، وأنها تشكل سوقا موازية، أي سوداء للسياسة، أكثر مما تعكس إرادة تعميم قيم أو مبادئ أو مذاهب دينية لجماعة خاصة، كما إن الطائفية لا علاقة لها في الواقع بتعدد الطوائف أو الديانات، إذ من الممكن تماما أن يكون المجتمع متعدد الطوائف الدينية أو الإثنية من دون أن يؤدي ذلك إلى نشوء دولة طائفية أو سيطرة الطائفية على الحياة السياسية، وبالتالي لتقديم هذا الولاء على الولاء للدولة والقانون الذي تمثله.
ويرى الباحث أحمد جويد في مقالته «الطائفية السياسية: تأصيل الأوهام واستئصال الحقائق»: إن مفهوم الطائفية أصبح يستخدم بديلا لمفاهيم «الملة والعرق والدين» التي كانت سائدة قبل ذلك، واختلطت هذه المفاهيم جميعاً في بيئة متزامنة فكرياً وسياسياً فأنتجت مفهوم «الطائفية» باعتباره تعبيراً عن حالة أزمة يعيشها المجتمع، حيث أصبحت الطائفية مذهباً وإيديولوجية وهوية حلت محل الهويات الأخرى والإنتماءات الأعلى، بل وبدأت تتعالى عليها وقد تبدي الاستعداد للتقاطع معها وأخذ موقعها وهذا ما يهدد اليوم وحدة الشعوب كما هو الحال في لبنان والعراق وغيرها، كما إن دول عربية أخرى تتخذ من الطائفية ذريعة لقمع شعوبها التي تطالب بالحرية والعدالة الاجتماعية.
مفهوم «ولاية الفقيه» يعزز الطائفية
برزت المسألة الطائفية بشكل خفي وضمني مع انتصار الثورة «الإسلامية» في إيران على يد زعيمها «الخميني» عام 1979م، وتفجرت بشكل واضح وجلي مع الاحتلال الأمريكي للعراق عام م2003، وكان الخميني يؤكد على مسألة نصرة المستضعفين الذين يمثلون أنصار «آل البيت» الأطهار، والذين يتخذهم ذريعة لتصدير ما سماه «الثورة» إلى العالم العربي والإسلامي، حيث جاء في مقدمة الدستور الإيراني الذي ساهم الخميني في وضع أسسه: «نظرًا لمضمون وجوهر الثورة الإسلامية في إيران والتي كانت حركة لانتصار جميع المستضعفين على المستكبرين فإن جمهورية إيران الإسلامية توفر الأرضية وتمهد الطريق لاستمرار هذه الثورة داخل إيران وخارجها خاصة أنها تعمل على توسيع العلاقات الدولية مع الحركات الإسلامية والشعبية الأخرى بهدف تعبيد الطريق إلى تحقيق الأمة العالمية الواحدة وتعزيز مسيرة النضال من أجل إنقاذ الشعوب الفقيرة المضطهدة في العالم كله».
ومعروف عن النظام الإيراني تدخله العسكري في الخارج وبخاصة لنصرة «حلفائه»، ويؤكد ذلك في نص المادة الدستورية له: «إن جيش الجمهورية الإسلامية وقوات حرس الثورة لا يتوليان فقط حماية الحدود وحراستها وإنما يحملان على عاتقهما رسالة أو مسؤولية عقائدية أيضاً وهي الجهاد في سبيل الله والنضال من أجل توسيع سلطة شريعة الله في العالم».
ويعتبر النظام الإيراني نفسه وصياً إلهياً على المسلمين في كافة أنحاء المعمورة-عرباً وعجماً -، وهذا التوجه يعزز مبدأ تصدير الثورة الذي تبناه منذ اليوم الأول لانتصار الثورة الإيرانية على نظام الشاه: «المسلمون مجموعة واحدة فيجب عليهم أن يعيشوا تحت خيمة حكومة واحدة ويجب أن تدار كل أرضهم بواسطة حكومة واحدة وتكون لهم سياسة خارجية واحدة ليتحقق الدفاع عن كيان الإسلام وحماية مصالح المسلمين»
السلوك الطائفي الذي يمارسه النظام الإيراني وحلفائه في الإقليم ليس خارجياً فحسب وإنما داخلياً؛ حيث أجمع عدد من المفكرين والباحثين المتخصصين في الشأن الإيراني أن المستقبل الإستراتيجي لأهل السنة في إيران يشوبه الكثير من المخاطر، خاصة وأن الدستور الإيراني ذاته يفرق بين السنة والشيعة، مؤكدين أن السنة في إيران هم الأكثر فقراً والأقل تعليماً والأبعد سكناً عن العاصمة طهران. فبينما يوجد معبد للزرادشتيه في طهران يمنع أهل السنة في إيران من إقامة مسجد لهم بالعاصمة.
ويعتبر الداعية السعودي المعروف الدكتور سفر الحوالي، أن الطائفية جاءت بتوظيف من قبل الإحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، حيث يقول في هذا الصدد: «إن إصرار المحتل الأمريكي منذ الأيام الأولى على إبراز مصطلحات لم تكن معروفة مثل المثلث السني أو المقاومة السنية دليل على استهداف أهل السنة بالعداوة، ولكنه لا يستلزم بالضرورة تحقيق مصالح الشيعة بل كل من يؤيد الاحتلال ولو كان سنياً فهو صديق أو حليف أمريكا وهذا الهدف المرحلي سوف ينتهي باستهداف كل من يعارض الاحتلال أيّاً كان، كما رأينا في التعامل مع التيار الصدري مثلاً.
ولا يخفى على أحد أن الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة العربية تقوم على المحافظة على أمن إسرائيل، من خلال استخدام « الطائفية « كذريعة حاضرة بقوة للحفاظ على من تسميهم الأقليات-دينية، إثنية، عرقية -، ولا خلاف بيننا أن إسرائيل لن تطمئن أبداً إلى أي اتجاه أو تيار أو نظام إسلامي سواء كان شيعياً أو سنياً إلا إذا اندمج تماماً في الإستراتيجية الإسرائيلية، كما كانت مليشيات سعد حداد مثلاً، وهذا موقف لو رضيه بعض السياسيين أو الطائفيين لمصالح حزبية ضيقة فإن الشعبين العراقي والإيراني كسائر الشعوب الإسلامية سوف ترفضه، إلا أن الغلاة والمتطرفين في الجانبين وفي دول أخرى انحرفت في صراعها وأصيبت بمرض «الطائفية».
من جهة ثانية؛ أعلنت روسيا صراحة وعلى لسان وزير خارجيتها بأنها لا تريد حكومة إسلامية «سنية الطابع» في سوريا، بمعنى آخر فإنها تقوم بإستخدام «الطائفية» في ترسيخ مستقبل الإقليم.
ويذهب الباحث حسن أبو هنية إلى القول بأن عدوى «الطائفية من العراق» الحليف الاستراتيجي للنظام الإيراني، انتقلت إلى الحليف الآخر وهو النظام السوري، الذي عمد منذ بداية الأزمة السورية على ترويج خطاب التخويف الطائفي لتحويل مسار الصراع من ثورة ضد فساد واستبداد النظام إلى صراع طائفي بين الأكثرية السنية والأقليات المسيحية والعلوية والدرزية، لجلب الدعم الإسلامي الشيعي، كما استثمرت القوى السلفية الجهادية على اختلاف مسمياتها موضوعة الطائفية في توصيف نزاعها وطبيعة حربها ضد النظام لجلب الدعم والتأييد الإسلامي السني.
جماعات الغلو والتطرف في سوريا
ومن بين الجماعات والفصائل المسلحة الفاعلة في الساحة السورية والإقليم التي تنتمي للمذهب السني والشيعي: جبهة النصرة لأهل الشام، تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش»، الحرس الثوري الإيراني-فيلق القدس بزعامة قاسم سليماني-، حزب الله، لواء أبو الفضل العباس، كتائب عصائب الحق، الحوثيون، وغيرها من الفصائل الصغيرة التي تتبنى ذات الأيديولوجيات المؤسسة لخطابها الطائفي.
حماية المراقد المقدسة لمقامات «آل البيت»، وبخاصة السيدة زينت، كانت الدافع وراء إعلان النفير العام لدى الميليشيات الشيعية العراقية واللبنانية المتشددة لخوض معركة الحياة أو الموت كما وصفها بمعنى أو بآخر حسن نصر الله زعيم حزب الله في إحدى خطاباته المرئية.
وتدخلت المليشيات المسلحة العراقية واللبنانية إلى مشهد الصراع السوري في الوقت المناسب بحسب مراقبين، ولولا تدخل هذه المليشيات لأصبح وضع النظام السوري في خطر ربما يؤدي إلى خسارته السلطة بفعل هجمات الجيش الحر والجماعات المسلحة الأخرى المعارضة.
حزب الله اللبناني
تأسس «حزب الله» اللبناني عام 1982م، بعد الخلاف الذي وقع بين تيارين-إسلامي وعلماني-في داخل حركة أمل الشيعية التي أسسها موسى الصدر، وبدأ أولى عملياته التي تستهدف العدو «الإسرائيلي» في الفترة ما بين 1982م-1985م .
وتعتبر الرسالة المفتوحة التي وجهها حزب الله الى المستضعفين في لبنان والعالم بتاريخ 16 شباط 1985 بمناسبة مرور عام على اغتيال الشيخ راغب حرب بمنزلة الميثاق التأسيسي الذي أعلن فيها الحزب رؤيته الفكرية وأهدافة السياسية.
يستند حزب الله في بنيته الفكرية إلى نظرية « ولاية الفقيه» وهذه النظرية الفقهية مرتبطة بمذهب الطائفة الشيعية الإثني عشرية أو ما يعرف «بالإمامية»، بمعنى أن مرجعيته الدينية والسياسية هي القيادة « الإيرانية»-قم وطهران-.
ويعلل ذلك سبب التحالف الاستراتيجي ما بين محور «طهران-سوريا-حزب الله-حكومة المالكي»، وإرسال ميليشياته المسلحة للقتال في سوريا بإمرة «الولي الفقيه»، أي بالإستناد إلى «الطائفية» المذهبية لفرض السيطرة والهيمنة للجمهورية «الإيرانية» وتصبح قوة إقليمية فاعلة تنافس دول الخليج وتركيا-السنية -.
لواء أبو الفضل العباس
تدخلت ميليشيات «لواء أبو الفضل العباس» العراقية الشيعية-تعد أكثر شهرة وفتكاً-بعد عام من بدء الثورة في المشهد السوري، بذريعة حماية المراقد المقدسة لمقامات آل البيت في السيدة زينت على وجه الخصوص، ينتمي أغلبهم إلى عصائب أهل الحق والتيار الصدري-التي انشقت عن جيش المهدي - وكتائب حزب الله في العراق، التي تعد أوائل الفصائل الشيعية التي تبنت مقاومة الإحتلال الأمريكي للعراق، وظهرت عناصره بتسليح عالي الجودة يتماهى مع زي ميليشيات حزب الله اللبناني، وأبدوا قدرة فائقة عالية التدريب في مجال حرب المدن والعصابات، ويتزعم اللواء الشيخ أمجد البهادلي.
كما شارك عدد كبير من الميليشيات العراقية التي تنتمي إلى الجماعات والمسميات التالية: عصائب أهل الحق، بقيادة الشيخ قيس الخزعلي، وكتائب حزب الله العراق، بقيادة الحاج هاشم أبو آلاء الحمداني، وكتائب سيد الشهداء، بقيادة الحاج أبو مصطفى الشيباني، وحركة النجباء، بقيادة الشيخ أكرم الكعبي، وفيلق الوعد الصادق، بقيادة الحاج أبو علي النجفي محمد التميمي، سرايا طلائع الخرساني، بقيادة السيد علي الياسري، وقوات الشهيد محمد باقر الصدر، بقيادة الحاج أبو مهدي المهندس جمال جعفر، ولواء الإمام الحسين، بقيادة أبو شهد الجبوري.
حركات التشدد
في الطرف الآخر المقابل للمليشيات والتنظيمات والأحزاب «الشيعية»، تشكلت جماعات متشددة وضعت على رأس أولوياتها الصراع الذي يستند إلى الهوية «الطائفية»، وتعلل ذلك للحفاظ على وجودها أيضاً للوقوف في وجه الهجمة الشرسة التي تستهدف كيانها وتدافع عن الإقصاء والتهميش الذي تمارسه السلطة في كل من العراق وسوريا، وتصدرت الجماعات التي تنتمي إلى « السلفية الجهادية « قائمة هذه التنظيمات، وأشهرها تنظيمي «الدولة الإسلامية في العراق والشام» التي عرفت إعلامياً بـ «داعش»، و«جبهة النصرة لأهل الشام» ناهيك عن مئات الفصائل والجماعات الإسلامية التي تؤيد هذا التوجه ودخلت في تلك التشكيلات بشكل مباشر وغير مباشر.
تعتبر « داعش» الامتداد الأخير الذي تشكل عقب سلسلة من التطورات التنظيمية داخل العراق وانتقل إلى سوريا، حيث بدأت نواته مع تشكيل الزرقاوي لجماعة «التوحيد والجهاد»، إبان الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003، ثم الإعلان عن مبايعته للقاعدة عام 2004 وتحول اسم الجماعة لتصبح «تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين»، وقبل مقتل الزرقاوي تم تأسيس «مجلس شورى المجاهدين» بزعامة عبد الله رشيد بغدادي عام 2006، والذي ضم آنذاك أكثر من سبعة فصائل وتنظيمات وجماعات إسلامية مسلحة، وكان هذا المجلس بمثابة نواة لتشكل « الدولة الإسلامية في العراق» بزعامة أبو عمر البغدادي-حامد داود الزاوي-.
في عام 2010 قتل أبو عمر البغدادي برفقة وزير حربه المصري « أبو حمزة المهاجر»، وتولى المدعو «أبو بكر البغدادي»، ويعتقد بأنه ابو دعاء « إبراهيم عواد البدري»، زعامة «دولة العراق الإسلامية».
عام 2012، تأسست «جبهة النصرة لأهل الشام» بزعامة المدعو «أبو محمد الفاتح الجولاني»، بدعم مباشر بالرجال والمال والعتاد والسلاح من «دولة العراق الإسلامية»، وبدأ إسمها يتصدر الأخبار الخاصة بالأزمة السورية بفعل الاستراتيجية القتالية التي انتهجتها وسلوكها في التعامل مع البيئة الشعبية الحاضنة، وحققت تقدما ملحوظاً في الميدان.
وبعد مرور عام على تأسيس «الجبهة»، التي ذاع صيتها كأحد الفصائل الرئيسية والأكثر فتكاً بالنظام في الثورة السورية، بدأت تتكشف ملامح خلافات حادة بين «الدولة» و«الجبهة»، وقام أبو بكر البغدادي بتاريخ 15 حزيران 2013 بالإعلان عن تأسيس إطار جديد للعمل التنظيمي والعسكري تحت مسمى «الدولة الإسلامية في العراق والشام»، عبر رسالته الصوتية الصادرة عن مؤسسة الفرقان للإنتاج الإعلامي تحت عنوان «باقية في العراق والشام»، ودعا فيها « الجولاني « للانخراط ومبايعة هذا التشكيل الجديد.
ودلالة هذه التسمية-الدولة الإسلامية في العراق والشام- في منظور الأيديولوجيا السلفية الجهادية أن مفهومي جند الشام والطائفة المنصورة حاضرين في الخطاب السلفي الجهادي بقوة، حيث تمثل بلاد الشام أرض المعركة الفاصلة بين الإيمان والكفر أو الحق والباطل، وأن القائمين على حمل راية الحق في منظور «الجهاديين» هم المنتمين للطائفة المنصورة.
للمرة الأولى تطفو الخلافات داخل الفضاء الايديولوجي للسلفية الجهادية على المستوى المحلي والإقليمي والعالمي، فجاء الخلاف بين «الدولة» و»الجبهة» بعد مبايعة الجولاني للظواهري، ليعبر عما هو كامن من اختلافات بين القيادة المركزية والفروع المنتشرة في العالم، وغلب عليها تأويلات فقهية تتعلق بالسلطة الأعلى-أهي إمارة عامة أو إمارة حرب-من جانب، وبأولويات واستراتيجيات العمل من جانب آخر، وحشد كل طرف مفكريه ومنظريه للدفاع عن توجهاته.
وقد وضعت الاستراتيجية الرئيسية لتنظيم القاعدة على رأس أولوياتها منذ الإعلان عن تأسيس «الجبهة الإسلامية العالمية لقتال اليهود والصليبيين» عام 1998، قتال الغرب بشكل عام والولايات المتحدة الأمريكية على وجه الخصوص، على اعتبار أنها داعمة للنظم السياسية العربية المستبدة، وراعية لحليفتها الاستراتيجية «إسرائيل» المغتصبة لفلسطين، وفي الوقت ذاته تطبيق الشريعة وإقامة الخلافة.
وفي المقابل، تقوم استراتيجية «الدولة الإسلامية في العراق والشام» على أولوية مواجهة النفوذ والتوسع الإيراني في المنطقة ومحاربة «المشروع الصفوي» كما تصفه، وخصوصاً بعد رحيل القوات الأمريكية عن العراق.
ويعني ذلك، أن سلوك الفرع العراقي يستند إلى الأساس الهوياتي في استراتيجيته وحركته، بينما المحرك لسلوك القيادة المركزية للقاعدة هو المصلحة الجيوسياسية، أما تمكين الشريعة فهو الهدف المشترك للطرفين، إلا أن توقيت الإعلان عن قيام الدولة في العراق فجر خلافات تم تجاوزها آنذاك نظراً للظروف الموضوعية والأسباب العملية، وساهم وجود بن لادن على رأس التنظيم بما يمتلكه من كاريزما واحترام على تدبير الاختلاف والتعايش الحذر.
على ما يبدو فإن «داعش» قررت المضي في تطبيق استراتيجيتها والالتزام ببرنامج عملها في العراق والشام، دون الاكتراث بمخرجات تشددها، مستندة في سلوكها إلى شرعية ولايتها العامة باعتبار أن زعيمها هو «أمير المؤمنين»، في محاولة منها لنقل «الدولة» من العالم الإفتراضي إلى الواقعي من خلال استخدام خيار القوة والمنعة واستثمار اللحظة التاريخية للمناطق التي تشهد حالة من الفوضى والانهيار للنظم القائمة، واعطت لنفسها ذريعة عداء الآخر وإعلان الحرب على الجميع، بما في ذلك التمرد على القاعدة.
الصراع الهوياتي وغياب الأولويات
إن إشكالية الهوية المركزية الجامعة للحركات الإسلامية السياسية مع الهويات الفرعية الأخرى؛ ولد حالة من الفصام السياسي انعكس على سلوك الأحزاب السياسية التي كانت في موقع المعارضة وأصبحت اليوم في السلطة، حيث انها ما زالت تتعامل مع الآخر-الإسلامي والعلماني والقومي ولا يتماهى مع أيديولوجيتها-على أساس حزبي ضيق، ولم ترتق لتحمل مسؤولياتها على اعتبار أنها دولة عليها احتواء الجميع على أساس المواطنة والحقوق والواجبات.
ولعل العجز السياسي الذي عانته حركات الإسلام السياسي قاطبة في ظل ممارسات الدولة القطرية المستبدة، ولد حالة من الفصام الهوياتي لديها، مما أوجد حالة من الخلل في تقديم إجابات واضحة بشأن نظام العقد الاجتماعي والتحايل على سؤال الهوية والذي سيشكل حالة من التخبط والفوضى ومقدمة لصدام الهويات المركزية والفرعية داخل الدولة الحديثة التي لم تتضح رؤيتها وهويتها في محاولة منها لإرضاء المجتمع المحلي الممثل بالمواطنين بكافة توجهاتهم وأطيافهم من جهة، وبالغرب ومؤسساته الدولة من جهة ثانية، في ظل تفشي مفهوم «الإسلاموفوبيا»، وتحويل الدول الجديدة إلى دول دينية، لا مدنية.
وحول الخلاف السياسي الجوهري بين «السنة» و«الشيعة» فإنه من غير الممكن التقاء مفهومي «نظرية الخلافة» عند أهل السنة و«نظرية الإمامة» عند الشيعة، وهذا ما يشكل جوهر الخلاف السياسي الديني بين المذهبين، إذ ينظر الى الخلافة من زاوية المفهوم الدنيوي الزمني للخليفة، في حين ينظر إلى الإمامة من الزاوية الثيوقراطية والذي يعني مفهوماً كهنوتياً، وأن الإمام في النظرية «الشيعية» مأذوناً له إلهياً بواسطة النبي أي بواسطة « النص»، أما الخليفة أو الإمام في النظرية «السنية» فأنه يقوم بواسطة «الاختيار» نظرياً، أي بواسطة مفهوم معقلن لمنصب الإمام، ولا ينظر إليه بأنه معصوم بل أنه الأفضل، وتجيز في حال انحرافه وفساده الخروج عليه باختيار من يفضله.
ولا بد من الإشارة الى أن الطائفة الشيعية الإمامية أو الإثني عشرية تنظر الى أن منصب «الإمامة» مختص بالأئمة الإثني عشر من نسل علي بن أبي طالب، أي من آل البيت فقط، وأن السنة اغتصبوا الإمامة ممن هم أحق، وبدأ أتباعهم بتأويل الخلاف بغلو وانحراف كبيرين جعلت الفجوة تزداد الى أن وصلت الى درجة القطيعة فيما بين المذهبين، بل وصل الأمر الى تكفير الآخر، وهذا ما يفسر سبب وصول الحركات الإسلامية عابرة الحدود بأطيافها المختلفة إلى سوريا للاقتتال ضمن اصطفافات طائفية.
خلاصات ونتائج
إن حركات الإسلام السياسي المعاصرة عليها أن تدرك إن إحلال مشاريع وهمية للدولة المثالية الافتراضية لمجتمع الصحابة في ظل صراعات عميقة بين الهويات المركزية-الجامعة-والفرعية التي تستند إلى الخلافات الهوياتية الطائفية والإثنية والعرقية، سيشكل أكبر التحديات للانتقال السلس بين العلمانية الصلبة التي عاشتها الأمة العربية والإسلامية لعقود طويلة، وتقديم أنموذج يمثل دولة الإسلام السياسي المعتدلة، وبخاصة أن العالم أصبح قرية صغيرة بفعل تطور وسائل الإعلام وبروز وسائل الإتصال الجماهيري التي تتواصل مع كل الأفراد والجماعات وتساهم في تغيير اتجاهاتهم وسلوكهم بسهولة ويسر، وأن كل هذه الصراعات الثانوية وعدم وضع الأولويات يحرف بوصلة هذه الجماعات ويعزز حالة الضعف والتفكك، ويساهم في تعنت الكيان الصهيوني وتسلطه على الشعب الفلسطيني، ويزعزع أمن واستقرار الإقليم.
تستخدم الدول الكبرى مفهوم «الطائفية» حينما يتعلق الأمر بفرض أجندات تخدم سياساتها ومصالحها الإستراتيجية في منطقتنا العربية، وعلى رأسها الحفاظ على أمن «إسرائيل»، والسيطرة على منابع النفط العربي، وفي ذات الوقت لا تكترث بـ «الأقليات المسلمة» التي تذبح على يد المتطرفين بدم بارد وبأبشع الطرق، كما يجري في بورما، وأفريقيا الوسطى، وتركستان الشرقية، وبعض المناطق في القارة الهندية.
إن بروز ظاهرة «الطائفية» عززت حالة التشظي والتردي والضعف وانتشار الفساد ودفعت إلى مزيد من التفكك وبروز نظم شمولية مستبدة مع الآخر، استأثرت بالسلطة وبالثروة، وساهمت في تغيير بوصلة الصراع المركزي للأمة العربية مع العدو الصهيوني، ما شجعه على اتخاذ مواقف أكثر تعنتاً وفرض مصوغات للحلول الأحادية التي تخدم كيانه المغتصب، ما يؤدي إلى عدم استقرار المنطقة في المدى القريب والبعيد المنظور، وتنامي ظاهرة التطرف الديني.
ابحث
أضف تعليقاً