
الأرض أمانة لا غنيمة الدكتور زيد احمد المحيسن
منذ أن وطئت قدما الإنسان هذه الأرض، لم يكن وجوده فيها عبثًا، ولم تُسخَّر له الطبيعة ليطلق العنان لرغباته دون قيد أو مسؤولية، بل أُنيطت به مهمة الاستخلاف، وهي من أسمى المهام التي تجمع بين الحق والواجب، وبين الانتفاع والحفاظ. فالكون ليس مسرحًا للاستغلال الجائر، وإنما كتاب مفتوح يقرأ فيه الإنسان آيات الحكمة والإبداع، ويستدل من خلاله على عظمة الخالق ودقة الصنعة. ومن هنا تنشأ علاقة الإنسان بالطبيعة علاقة احترام وتكامل، لا علاقة صراع وهيمنة، لأن كل ما يحيط به من جبال وأنهار وأشجار وكائنات حية يشكل جزءًا من منظومة متوازنة، إذا اختل أحد عناصرها انعكس ذلك على الحياة كلها.
إن مفهوم عمارة الأرض لا يقتصر على تشييد المدن وإقامة المشروعات أو استثمار الثروات، بل يمتد ليشمل بناء الإنسان نفسه، وغرس قيم الخير والعدل والإحسان في سلوكه، حتى تصبح التنمية فعلًا أخلاقيًا قبل أن تكون إنجازًا ماديًا. فاليد التي تزرع شجرة، وتحفظ قطرة ماء، وتحمي كائنًا حيًا من العبث، تسهم في صناعة مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا، لأن الحضارة الحقيقية لا تُقاس بما تشيده من عمران فحسب، بل بما تصونه من قيم وما تحفظه من توازن بين الإنسان والبيئة.
وفي زمن تتسارع فيه مظاهر التلوث، وتتفاقم فيه الأزمات البيئية، وتتراجع الموارد الطبيعية تحت وطأة الاستهلاك المفرط، تبدو الحاجة ملحة إلى استعادة الوعي بأن الأرض ليست إرثًا نملكه كيف نشاء، بل أمانة بين أيدينا سنُسأل عنها. فالإنسان الذي يدرك معنى الاستخلاف يعلم أن مسؤوليته لا تنتهي عند حدود مصلحته الشخصية، وإنما تمتد إلى كل ما يحيط به، وإلى الأجيال التي ستأتي من بعده، لتجد أرضًا صالحة للحياة، وهواءً نقيًا، وماءً عذبًا، وطبيعة ما زالت تنبض بالحياة.
إن أعظم ما يقدمه الدين للإنسان في علاقته بالكون أنه يزرع في نفسه شعور المسؤولية قبل شعور الملكية، ويجعل من إعمار الأرض عبادة، ومن المحافظة على البيئة خلقًا، ومن الإصلاح رسالة. وبهذا الفهم يتحول الإنسان من مستهلكٍ لما حوله إلى راعٍ له، ومن عابرٍ في الحياة إلى صانعٍ لمستقبلها، فيغدو الاستخلاف عهدًا أخلاقيًا يربط الإنسان بالأرض، ويجعل من كل عمل نافع لبنة في بناء حضارة تحفظ للكون جماله، وللإنسان إنسانيته.
ابحث
أضف تعليقاً