wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
التسامح قيمة ايجابية تعمق العلاقات وتقلل الخلافات

 

يُعد التسامح واحداً من المفاهيم الإيجابية والقيم الإنسانية والإسلامية المهمة: كالعدل، والأمانة، والعفو، والكرم، والصدق، والمروءة، ويمكن النظر إليه على أنه علاج نفسي سريع المفعول؛ فإذا امتلأ القلب بالتسامح وانشغل العقل بالتساهل والتغاضي عن أخطاء الآخرين، وعم الوئام، وساد السلام امتلأت الأرض بالخيرات، وساد العدل، وانتشرت المحبة بين الناس؛ لأن التسامح يعمق العلاقات بين البشر ويرسي الأساس للتصالح والتصافي بين الأمم والشعوب، ويعد التسامح خطوة مهمة لاستعادة العلاقات المتصدعة والثقة المتبادلة، كما يسهم في حل الخلافات بين الآخرين، ويمنع حدوث الكثير من المشكلات المستقبلية التي يترتب عليها آثار سلبية عديدة كالفشل في مواجهة الصراعات والاحباطات، ومواجهة توقعات الآخرين، وقصور في الكفاءة الاجتماعية، والإصابة بالعديد من الأمراض. لقد شق التسامح طريقه إلى رحاب تاريخ الإنسانية فأضفى عليها المزيد من السلام في هذا العالم المليء بالمنغصات.

وذكر»ابن منظور» في لسان العرب أن التسامح جاء مشتقاً من اللفظ أو الفعل (سمح) والسماح والمسامحة: الجود والعطاء عن كرم وسخاء، وليس متسامحاً عن تنازل أو منة، والمسامحة: المساهلة، وتسامحوا: تساهلوا؛ لأن «السماح رباح» بمعنى أن المساهلة في الأشياء تُربح صاحبها، وتقول العرب:»عليك بالحق فإن فيه لمسمحاً، أي متسعاً، فالتسامح حق يتسع للمختلفين». كما يستخدم التسامح في اللغة العربية ليدل على السياسة التي يتجمل بها الفرد في التعامل مع كل ما لا يوافق عليه، ويصبر عليه، ويجادل فيه بالتي هي أحسن، ويتقبل وجوده بوصفه حقاً من حقوق المخالفة، ولازمة من لوازم الحرية التي يقوم عليها معنى المواطنة في الدول المدنية الحديثة. وعرف علماء النفس والاجتماع التسامح بأنه: «موقف أخلاقي وعقلي ينبع من الاعتراف بأننا غير معصومين من الخطأ، وأن البشر خطاؤون، وذلك خلافاً لموقف التعصب الذي ينبع أصلاً من اليقين بصحة الآراء وضرورة التمسك بها، والتنكر لصحة الخطأ في كل ما نعرف».

إن التسامح في أبسط صوره هو الإقرار بمبدأ التعدد الإنساني، كما أن التسامح ليس عفواً تصدره الشعوب على اناس مذنبين، إنما هو قبول بالآخر المختلف، وتعبير عن وجود فروق مادية ومعنوية بين أبناء المجتمع الواحد، وحكم يعمق الاعتراف بالمغايرة والاختلاف؛ لأن الآخر يمثل كسراً لقيود التمركز حول الذات، وقد أثبتت تجارب الشعوب أن التسامح أفضل وسيلة لتنظيم الأمور، كما أنه يحقق فاعلية كبيرة في مجال التجديد والتغيير في حياة المجتمعات.

وميز العلماء بين نمطين من التسامح: التسامح الحقيقي والتسامح السطحي.؛ حيث يختص التسامح الحقيقي بالمكونين المعرفي والوجداني ويُحدث تغيراً حقيقياً في أفكار المُساء إليه ومشاعره تجاه المُسيء؛ حيث ينصرف المُساء إليه ذهنياً وطواعياً عن حقه في الانتقام من المُسيء، ويتخلى عن مشاعر الغضب والغيظ والاستياء ويمنحه الرحمة والمودة. وفي التسامح الحقيقي تُستبدل الانفعالات السلبية بأخرى إيجابية إزاء المُسيء ويحدث التحرر الانفعالي للمُساء إليه، وتنبثق لديه مشاعر مشبعة بالأمن والحرية كما يسهم أيضاً في تحسين عمليات التوافق النفسي أو الانسجام، ويخفض من تكرار الاجترار المرتبط بعدم التسامح. ولهذا كان التسامح الحقيقي عملية حقيقية تُحدث تحولاً لدى كل من المُساء إليه والمُسيء، في حين كان التسامح السطحي سلوك استجابة للضغوط الثقافية والسياسية ومجاراة للأعراف الاجتماعية.

وهناك أنماط أخرى من التسامح منها: التسامح المقصود؛ وفيه يقرر المُساء إليه أن يتسامح مع من أساء في حقه، ويعمل بجدية على إضعاف مشاعره السلبية تجاهه، والتسامح الأحادي ؛حيث يختار المُساء إليه أن يسامح من أساء إليه بغض النظر عما إذا كان المُسيء يشاركه هذه العملية أم لا أي شعور المُسيء بالتآسي والندم والخزي عما فعل في حق من أساء إليه. وهناك التسامح المتبادل؛ ويشير إلى مجموعة من السلوكيات الأخلاقية التي يقوم بها كل من المُسيء والمُساء إليه تتضمن الاعتراف بالخطأ، وإبداء الندم من جانب المُسيء والتسامح من جانب المُساء إليه؛ حيث يتخلى عن حقه في إيقاع الأذى بمن أساء إليه، وبذلك يتمكنا معاً من استعادة علاقتهما. إن التسامح يساعد المُساء إليه على الشفاء من الألم الانفعالي، والقلق والحزن والغضب، كما يساعد في تحسين مستوى تقدير الذات لديه أيضاً، ولهذا فإن كل أنواع التسامح لُخصت في عبارة عرفت التسامح بأنه: «استبدال الفرد للمشاعر السلبية بأخرى حيادية أو إيجابية إزاء ذاته والآخرين بصورة يرضى عنها «.

أما عن خصائص المتسامح: فهو ذلك الفرد الذي يتميز بالصفح من خلال ما يملك من المعارف والوجدانيات والسلوكيات التي تجعله متقبلاً لأفكاره ومعتقداته، راضياً عن نفسه، وجديراً بمحاسبتها ومتساهلاً معها، ممتلكاً السيطرة على نزعاته وشهواته متحكماً في انفعالاته وتوازنه، ومتحملاً للضغوط والشدائد، قادراً على تحمل آلامه النفسية والبدنية، محترماً ومقدراً آراء وتعارضات ووجهات نظر الآخرين بشيء من السماحة والصفح وسعة الصدر واللين والود، مراعياً لقيم العقيدة والأخلاق والمجتمع والقانون.

قال تعالى: (إِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (التغابن:14) ؛فالتسامح هو التغاضي عن هفوات الآخرين وإيجاد الأعذار لهم، وبهذا يؤدي التسامح إلى تماسك المجتمع وعدم انحرافه واضطرابه، ويزيد من رفاهيته، ويدعم أمنه وسلامه، ويبعد الخصومة والمجافاة بين أفراده، كما يساهم في إعادة بناء بيئة آمنة خالية من مشاعر الكره والحقد والعدائية .

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.