
تشكلت الحكومة الجديدة المتكونة من ستة احزاب بقيادة رمزية من" العدالة والتنمية" .ضمت 39 وزيرا. وشاركت فيها احزاب "العدالة والتنمية" و"التجمع الوطني للاحرار" و"الحركة الشعبية" و"الاتحاد الاشتراكي " و"الاتحاد الدستوري" و"التقدم والاشتراكية". و ما يثير الانتباه هو تولي خصم الاسلاميين اللدود "عبد الوافي الفتيت" وزارة الداخلية ، ، فيما حافظ عزيز اخنوش" من "التجمع الوطني للاحرار " على وزارة الفلاحة. بينما احتفظ القصر الملكي بوزارات السيادة واسترجع أخرى صبغها بالوان احزاب لا تخرج عن فلَكه. تمّت مراعاة ترتيب الاحزاب في تولي الوزارات، ولكن تم الانقلاب على الوزارات الاستراتيجية من قبل "الاحرار" ليستحوذ على حقيبة الفلاحة، والمالية والاقتصاد والعدل والصناعة ، و اكتفى العثماني بوزارات ضعيفة التاثير وملغومة ستكون في عين عاصفة الاحتجاج كوزارة التشغيل ووزارات ذات طابع تقني كالنقل والتجهيز والطاقة، ليكون اكبر الخاسرين بوزاراته العشر. و كانت الخطة واضحة لمنع الاسلاميين من التّواصل مع قطاعات معينة وطبقات شعبية جعلت 6 ملايين مشاهد يتسمرون امام التلفزة لمشاهدة بن كيران شهريا.
ماجرى اوشك ان يقسم العدالة والتنمية قسمين، واثار شماتة "جماعة العدل والاحسان" التي رات فيما وقع اهانة لحزب راهن على الاصلاح من الداخل ، ورات فيه قواعد دنيّة في الدين ، وخيانة من العثماني لبن كيران الذي اقسم ان لا يدخل "ادريس الاشقر" من الاتحاد الاشتراكي الحكومة. تشكيلة فاجات الشارع وكلّ من به ظمأ للمفهوم الاصيل للديمقراطية، وبدا تراجعاً عن مسار ابتدا منذ 1998، وعودة إلى إمساك القصر بكل مقاليد الحكم في البلاد وتهميش الأحزاب والمؤسسات وتجاهل إرادة الناخبين بتجاهله نتائج الصناديق.
"عزيز اخنوش" رئيس "الاحرار" مركز الثقل في الحكومة، فرض اجندته بدعم ملكي، فهو من شكّله واجبر "العثماني" على قبول كل ما رفضه بن كيران ، كاستبعاد "حزب الاستقلال" ، ثم راغ ريغة الثّعلب واشترط من جديد "الاتحاد الاشتراكي" ب-20مقعدا - الذي دخل الحكومة وحصل على وزارة الهجرة. في المغرب صراع بين لوبيات الفساد و توجه ديمقراطي يريد ان يطهّر الدولة من رجس النهب و مما ران عليها من محسوبية وتمعش وفساد اعاق نموها الطبيعي. "اخطاء" التعيينات كثيرة في الحكومة حسب مراقبين ،وهي اكراهات حقيقية نزل عندها العثماني لسحب البساط من خصومه والبقاء في الدولة وليس خارجها ، رغم ان استطلاع رأي موقع “اليوم 24″،بين أن 85 % من المستجوبين يرون انه قدم تنازلات غير مبررة. فليست حكومة الربيع العربي الناعم بل حكومة القصر. وحين يشكّل حزب الاحرار،صديق المخزن و حزب البرجوازية الصناعية، و الحاصل على المركز الرابع ب37 مقعدا ، بدلا عن الحزب الاول ب مقعدا 125. فعلينا الاقرار بان المشهد حكمته موازين قوى. فالمفارقة بين عدد الاصوات والتمثيل لا تعكس قوة انتخابية بل موازين قوى سياسية لا تهب رخاء في صالح وجود الاسلاميين في الحكم. فاوربا تشهد صعود اليمين المتطرف و أمريكا تشهد وصول ترامب المعادي للاسلام الحضاري، وهو تغير سياسي يتطلب تشكيل حكومة قريبة من هذه الاطراف الدولية. واهم سؤال بدا مؤرقا هو مدى تمثيل الحكومة الجديدة لنتائج الانتخابات. اول المآزق يتمثل في ان حدود التماس بين القصر والحكومة كثيرة، والمغرب ليس فيه ديمقراطية راسخة ولا ملكية دستورية عريقة الأركان والبنيان، اذ يعيش اشكالية ازدواجية القرار بين القصر و الحكومة. .المشهد المغربي يعج بتيارات يسارية حداثية معادية للاسلاميين ترى في وجودهم مشكلة، والفت رؤيتهم ملفا حقوقيّا. ولا يُراد لهم ان يقدموا اسلاما جزءا من الحل بل من المشكل، يمثلون اسلام الاجرام بمحاولة ربطهم بالجماعات الجهادية، أو اسلام العجز. وما تكليف وزراء العدالة والتنمية في المغرب، والنهضة في تونس بوزارات التشغيل الا لاظهار اسلام العجز. الاسلاميون لازالوا غرباء على الدولة، و السبب الاقصاء ومحاولات الاسئتصال المزمنة، و لا يمكن انكار هذه الحقيقة التاريخية بدعوى اصالة الاسلام مقابل تيارات تحديثية علمانية يسارية. وغبار المعارك بين الاسلاميين والدولة حجب حقيقة الدولة لدى الاسلاميين وحقيقة الاسلاميين لدى الناس الدولة، وحين نجحت تجربتهم، كان قرار الوأْد في المهد، ومحاصرة النجاح واحتواؤهم على الطريقة المغربية بشهادة "لوموند" الفرنسية التي قالت : "انها حكومة استبعاد الاسلاميين من القرار والحكم".
تساءل لينين حول كيفية سيطرة الأفكار البرجوازية على المجتمع، فردّ: “السببٍ بسيط؛ أن الأفكار البرجوازية أقدم بكثير في الأصل من الأفكار الاشتراكية، ولذلك فهي أكثر تطوراً، ولديها تحت تصرفها أدوات للدعاية بدرجة لا تقاس”. قد يُقدّم لك مفتاح باب الحكم فتفرحَ، وحين الفتح تدرك انهم غيروا قُفل الباب، وحينئذ لا قيمة لمفتاحك، بل يراد منك ادارة الواقع بدل الدولة لتُهدَر فرصة التغيير الديمقراطي.
ماوقع من تنازل اُستلهم من تنازل النهضة في تونس حسب راي "محمد اليتيم" مفكر الحزب و احد اركانه، امّا نتيجة الخيار ، فالتاريخ هو الوحيد الكفيل بالاجابة وتحديد سدرة المنتهى.
ابحث
أضف تعليقاً