
النسوية الإسلامية: ما مدى توافقها مع الشريعة الإسلامية؟
أ.د. حسن تيسير شموط
أستاذ الفقه وأصوله بجامعة جرش في الأردن
المقدمة
شهد الفكر الإسلامي المعاصر موجة من النقاشات الساخنة حول قضايا المرأة، وبالأخص مع بروز مصطلح "النسوية الإسلامية"، هذا المصطلح، الذي لم يكن مألوفًا قبل عقود قليلة، أصبح اليوم حاضرًا في المؤتمرات الأكاديمية والمنتديات الثقافية، وحتى في النقاشات على وسائل التواصل الاجتماعي. ويرى البعض فيه محاولة إصلاحية أصيلة تنطلق من النصوص الإسلامية ذاتها، وتسعى إلى رفع الظلم الاجتماعي الواقع على النساء. في المقابل، يرفضه آخرون باعتباره مجرّد استنساخ للنسوية الغربية التي ارتبطت بتحولات تاريخية خاصة بالغرب، لا علاقة لها بخصوصية المجتمعات الإسلامية.
وبين هذا وذاك، تظل الأسئلة الكبرى معلّقة: هل يمكن للنسوية الإسلامية أن تكون مشروعًا متوافقًا مع الشريعة حقًا؟ هل هي امتداد لمقاصد الإسلام في تكريم المرأة أم مجرد خطاب أيديولوجي يبحث عن شرعية عبر استدعاء النصوص الدينية؟
الجذور الفكرية والتاريخية للنسوية الإسلامية:
لفهم النسوية الإسلامية، لا بد أن نعود خطوة إلى الوراء ونستعرض جذور النسوية الغربية التي وُلدت في بيئة مغايرة تمامًا، فقد ظهرت الحركة النسوية في أوروبا وأمريكا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، على خلفية الثورة الصناعية والتحولات الاجتماعية الكبرى، وكانت المرأة الغربية وقتها محرومة من أبسط حقوقها السياسية والاقتصادية، ولا يحق لها ممارسة حق التصويت في الانتخابات، ولا المشاركة في التعليم العالي ولا في الملكية الكاملة، فجاءت الحركة النسوية مطالبة بالمساواة المطلقة، متأثرة بأفكار التنوير وحقوق الإنسان.
ومع بداية القرن العشرين، بدأت هذه الموجة تصل إلى المجتمعات العربية عبر المثقفين والنهضويين، غير أن نقل هذه الأفكار لم يكن أمرًا سهلاً، لأن المجتمعات الإسلامية قائمة على مرجعية دينية راسخة. وهنا ظهرت الحاجة إلى "تكييف" النسوية لتنسجم مع النصوص الإسلامية، فانبثق ما صار يُعرف لاحقًا باسم "النسوية الإسلامية"، ويرجع كثير من الباحثين ظهور النسوية الإسلامية إلى بداية تسعينيات القرن العشرين في أفريقيا الجنوبية كإحدى الأسس الفلسفية لحركة الإسلام التقدمي المناهض لنظام الفصل العنصري، وتزامن ظهور مصطلح النسوية الإسلامية مع صدور مجلة "زنان" -وتعني "امرأة بالفارسية"- في إيران سنة 1992، والتي أسستها الصحفية "شهلا شركت"، وتعتبر من رائدات حقوق المرأة في طهران، أما أبرز الحركات التي نشأت تجسيدًا لفكرة النسوية الإسلامية فهي “حركة مساواة”، وهي حركة عالمية انطلقت في مؤتمر عقد في ماليزيا عام 2009 وحضره أكثر من 250 امرأة ورجلا من نحو 50 دولة حول العالم.
بعد ذلك برزت أسماء نسائية لعبت دورًا محوريًا في صياغة هذا الخطاب مثل فاطمة المرنيسي، التي ربطت بين السلطة السياسية والدينية وحقوق النساء، وأمينة ودود التي اشتهرت بإعادة قراءة القرآن من منظور نسوي بل وقيادتها صلاة جمعت رجالاً ونساءً، مما أثار جدلاً عالميًا. كما ساهمت باحثات مثل زيبا مير حسيني وليلى أحمد في تقديم قراءات سوسيولوجية للنصوص الإسلامية، تركز على علاقة الدين بالثقافة الذكورية السائدة.
النسوية الإسلامية: المفهوم والأهداف:
يُعدّ مصطلح النسويّة (Feminism) من المصطلحات الحيّة التي لا تزال تواجه صعوبة في تحديد معناها الدقيق في السياقات العربية والإسلامية، ولا تكمن الصعوبة في ترجمة المصطلح نفسه، وإنما تتّصل أولًا بإثبات قيمة معرفية له، وثانيًا بإمكانية تطويع هذا المفهوم داخل الإطار الإسلامي.
وعند محاولة تعريف النسوية الإسلامية نجد أنها ليست مدرسة موحدة، بل طيف من الاتجاهات والأفكار، غير أن هناك قواسم مشتركة تجمعها، يمكن تلخيصها في ثلاثة محاور رئيسية:
1. إعادة تفسير النصوص: حيث يتم التعامل مع القرآن الكريم والحديث الشريف باعتبارهما نصوصًا يمكن قراءتها من زوايا متعددة، بما يسمح بتجاوز ما يطلقون عليه: القراءات "الذكورية" القديمة.
2. نقد التراث الفقهي: حيث يرى النسويات الإسلاميات أن الفقه التقليدي لم ينصف المرأة، لأنه نتاج بيئة ذكورية هيمنت على التأويل.
3. المطالبة بالمساواة: وذلك ليس بوصفها مطلبًا اجتماعيًا فقط، بل باعتبارها حقًا دينيًا أصيلاً موجودًا في جوهر النصوص.
وبهذا المعنى، تحاول النسوية الإسلامية الجمع بين المرجعية الدينية والمفاهيم الحقوقية الحديثة، وهو ما يجعلها في موقع إشكالي بين التيارين: الإسلامي التقليدي، والعلماني الحداثي.
الانتقادات الموجهة للنسوية الإسلامية
تواجه النسوية الإسلامية عدة انتقادات، وتبدأ تلك الانتقادات بتأثرها بالمرجعية الغربية، حيث يرى بعض الباحثين أن معظم أطروحات النسوية الإسلامية مستعارة من الفكر الغربي، ولا تعبّر عن خصوصية إسلامية حقيقية، والانتقادات الأخرى المتعلقة بالأحكام الشرعية أنها تحاول تجاوز النصوص القطعية من خلال إعادة تفسير آيات الميراث أو الحدود بدعوى "المساواة" مما يوقعها في تناقض مع ثوابت الدين، كما أنها تحاول التشكيك في التراث الإسلامي بوصف الفقه الإسلامي "نتاجا ذكوريا" مما يقلل من قيمة جهود العلماء والفقهاء.
كما يلحظ الطعن في الحديث النبوي الشريف، حيث تعرض إلى هجمة كبيرة من تيار النسوية الإسلامية، باعتبار أن عامة الإشكالات النصية مادتها حديثية، خاصة أن النص القرآني تغلب عليه المبادئ والأصول والقواعد، في حين يغلب التفصيل على الأحاديث النبوية، فلذلك تعتبر النسوية الإسلامية القرآن الكريم هو مرجعيتها،وقدم هذا التيار النسوي الإسلامي تأويلًا جديدًا للآيات القرآنية رافضًا ما فسّره السلف والعلماء. فالقرآن عند بعضهم هو كلام إلهي: أي قول لغوي، والأقوال اللغوية قابلة للتفاسير المختلفة ولا يحق لأحد أن يحتكر المعنى.
الشبهات التي تثيرها النسوية الإسلامية:
1. مفهوم المساواة، فالنسوية تتبنى مفهوم "المساواة المطلقة" بين الرجل والمرأة في كل شيء، بما في ذلك الحقوق، الواجبات، والأدوار الاجتماعية، معتبرة أي تمايز نوعاً من التمييز والظلم. بينما لا تؤمن الشريعة الإسلامية بالمساواة المطلقة، بل بمبدأ "العدل"، وبناء عليه تفرق الشريعة بين الرجل والمرأة بناءً على طبيعة كل منهما ووظائفه، فتعطي كل جنس ما يناسبه من حقوق وواجبات، مؤكدة على أن التمايز لا يعني التفاضل في القيمة الإنسانية.
2. الحجاب، فهو صراع قائم بين الإسلام والتغريب منذ عقود ماضية، ويتم ممارسته من خلال العديد من الصور مثل تجريم ارتدائه، أو من خلال الحرب الأيديولوجية على الحجاب في الإعلام باستقباح شكله، أو القيام بعملية الاستنكار من خلال لسان الشرع، وفكرة عدم مشروعية الحجاب تدعمه مناصرات النسوية الإسلامية، واللواتي غالبهن متبرجات، ويزعمن عدم وجود علاقة بين الحجاب والوحي، وأن أصله يعود إلى شرائع اليهود والنصارى أو العادات الاجتماعية التي كانت سائدة عند العرب. بينما ترى الشريعة الإسلامية أن الحجاب فرض شرعي، ومن يهدف إلى ستر المرأة والمحافظة عليها، وعدم أحقية أن يرى أياً كان جسمها أو يستمتع بالنظر إليه، وأن الحجاب شرع حماية ووقاية للمرأة وليس تقييداً لها.
3. الميراث، ومن أكثر القضايا الي تثار عند النسوية الإسلامية هي محاولتهم لتغيير أنصبة الميراث، فالمرأة أصبحت في نظرهم عاملة في ظل مجتمع استهلاكي أجبر المرأة على الخروج إلى سوق العمل، مما جعل حصول الرجل على نصيب الأنثيين مجحفا في نظر النسوية لكون المرأة أصبحت تعول الأسرة ماديا كما يفعل الرجل، وقد تم الاتفاق بين النسويات على أن هذا التقسيم كان مجرد حكم ظرفي وفق بيئة الحجاز في القرن السابع الميلادي. والرأي السابق عبرت عنه الكاتبة النسوية (رفعت حسن) بقولها: "من الضروري أن نلاحظ أن القرآن في سياق الحديث عن الميراث أخذ بعين الاعتبار الحقائق الاقتصادية للقرن السابع في الحجاز، فقد ألقى مسؤولية إعالة العائلة على الرجال الذين يفوق حملهم الاقتصادي، لذلك حمل النساء اللواتي أعطين من ناحية أخرى الحق في وراثة كل أقاربهم الذكور أب، أخ، زوج". بينما تعتبر الشريعة الإسلامية أن نظام الميراث في الإسلام يقوم على "مبدأ العدل"، وليس المساواة. فالمرأة في بعض الحالات ترث أكثر من الرجل، وفي حالات أخرى ترث مثله، وفي حالات أخرى ترث أقل منه. وهذا التباين يعتمد على واجبات كل منهما المالية في الأسرة، حيث أن الرجل هو المكلف بالإنفاق.
4. الشذوذ: حيث ترى النسوية أن زواج الشواذ هو أمر يكفله الشرع، وذلك لعدم وجود نص شرعي قاطع على تحريمه، ودل على هذا الفكر بوضوح تصريح الناشطة النسوية الإسلامية المناصرة للشذوذ الجنسي (درفلا سارة شناهان) التي تقول: "إثبات شرعية السدومية من النصوص المقدسة معركة ضرورية للمؤمنين (الكوير/الشواذ) من جميع التقاليد الإبراهيمية". ومن أجل تحقيق ذلك تحاول النسوية الإسلامية أسلمة الشذوذ والتطبيع معه من خلال اتباع ثلاثة أساليب رئيسة: الأولى من خلال استثارة عواطف الجماهير عن طريق عرض قصص الشواذ الراغبين في الشذوذ والإسلام معا. والثانية من خلال العمل المباشر على دعم تجمعات الشواذ المسلمين كما تفعل (آمنة ودود) من خلال مؤسستها (Progressive Muslim Union) أو مؤسسة (فطرة) في جنوب أفريقيا وغيرها. والثالثة من خلال إعادة تفسير الآيات القرآنية لشرعنة الشذوذ كما هو صنيع بعض الكاتبات في العالمين العربي والغربي. بينما تعتبر الشريعة الإسلامية الشذوذ أمر محرم مخالف للفطرة التي فطر الله الناس عليها، وأن السماح بالشذوذ هي دعوة لإحلال الرذيلة في المجتمع، ومن آثارها الأخرى غير الأخلاقية، أنها قد تؤدي إلى انقطاع النسل.
5. العلاقة بين الرجل والمرأة، فالحركة النسوية ترى أن العلاقة بين الرجل والمرأة تاريخياً كانت علاقة "صراع وقمع"، حيث قام النظام الأبوي بقمع المرأة واستغلالها، لذلك تسعى إلى تحطيم هذا النظام. بينما تعتبر الشريعة الإسلامية العلاقة بين الرجل والمرأة علاقة "تكامل ورحمة ومودة"، فالرجل والمرأة شريكان في بناء الأسرة والمجتمع، ولكل منهما دور مكمل للآخر وليس منافساً له.
6. القوامة في الأسرة، فالحركة النسوية تعتبر القوامة "تسلطاً ذكورياً" وظلماً للمرأة، وتدعو إلى إلغائها من القوانين والأنظمة الاجتماعية. بينما تعتبر الشريعة الإسلامية القوامة "مسؤولية وحماية"، وليست تسلطاً، فالقوامة تكليف للرجل بالإنفاق على الأسرة وحمايتها ورعايتها، وهو ما يوازيه حقوق للمرأة بالإنفاق عليها وإعفائها من الأعباء المالية الرئيسية.
7. الزواج والطلاق، فالحركة النسوية تعتبر الزواج مؤسسة قمعية، وتدعو إلى تسهيل الطلاق دون قيود أو شروط، وتحرير المرأة من الالتزامات الزوجية التقليدية. بينما تعتبر الشريعة الإسلامية الزواج "ميثاقاً غليظاً" مقدساً يقوم على السكينة والمودة. فالطلاق لا يلجأ إليه إلى في المراحل الأخيرة ضمن ضوابط شرعية تهدف إلى حماية حقوق الطرفين ومنع التشتت الأسري.
الخلاصة:
تنطلق النسوية الإسلامية من مرجعية مزدوجة؛ فهي من جهة تتمسك بالإسلام كإطار مرجعي وحيد يمنح الشرعية لخطابها، ومن جهة أخرى تستعير مفاهيم النسوية العالمية مثل "المساواة الجندرية" و"تفكيك التمييز البنيوي".
وهذه الازدواجية تجعلها في موضع توتر دائم: فهي لا تستطيع الانفصال عن المرجعية الدينية خوفًا من فقدان مشروعيتها في المجتمعات الإسلامية، ولا تستطيع الانخراط الكامل في الخطاب النسوي العلماني خشية اتهامها بالقطيعة مع الدين والهوية.
وإن الموقف الشرعي من النسوية الإسلامية يستند إلى مبادئ ثابتة، فالإسلام لا يرفض أي إصلاح أو تجديد يخدم مصلحة المرأة، لكنه يرفض أن يكون هذا التجديد على حساب ثوابت الشريعة. ولا يمكن إلا أن نؤكد على أن الإسلام في جوهره قدّم للمرأة ما لم تقدمه أي حضارة سابقة، ووضع لها حقوقًا ثابتة لا تحتاج إلى إعادة نظر فيها، أو استبدالها،
لكن يبقى التحدي في ترجمة هذه الحقوق إلى واقع عملي عبر إصلاح القوانين، وتطوير التعليم، وتعزيز مشاركة المرأة في مختلف المجالات، بما ينسجم مع الشريعة ومقاصدها. كما نؤكد على أن الفقه الإسلامي يخضع لأسس وآليات في الاستنباط والتحليل مقررة في علم أصول الفقه، ومبنية على علوم الكلام واللغة والمنطق، وليس للذكورة والأنوثة فيها مدخل.
وهكذا، فإن أي مشروع معاصر لقضايا المرأة لن ينجح ما لم يكن وفيًا للمرجعية القرآنية والحديثية، وفي الوقت ذاته منفتحًا على اجتهاد مقاصدي عادل، لا يظلم المرأة باسم الدين، ولا يفرّغ الدين من مضمونه باسم المساواة.
ابحث
أضف تعليقاً