
بين النقل والعقل نفهم شريعتنا السمحة
الدكتور زيد أحمد المحيسن
في زمنٍ تتسارع فيه المتغيرات، وتتعدد فيه الأصوات والمذاهب، يبقى السؤال الجوهري قائمًا: كيف نفهم ديننا فهمًا صحيحًا؟ وهل نعتمد في ذلك على النصوص الدينية فقط (النقل)، أم نعطي للعقل حقَّه في الفهم والتحليل؟ إن الحقيقة التي لا غبار عليها أن الإسلام، بصفائه ونقائه، قد جمع بين المصدرين ووازن بين العقل والنقل، فكان دينًا يقوم على الوحي والعقل معًا، لا على أحدهما دون الآخر.
النقل، وهو ما ورد إلينا من القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، هو الأساس الذي تقوم عليه شريعتنا. فلا اجتهاد مع نص صريح، ولا مكان للعقل إذا اصطدم بدلالةٍ قاطعة من كتاب الله أو سنة نبيه ﷺ. وقد حفظ الله لنا هذا النقل، فقال: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" [الحجر: 9]. وفي السنة قال النبي ﷺ: "تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي". لكن النقل وحده لا يغني عن العقل، بل يحتاج إليه في الفهم والتدبر والتنزيل على واقع الناس.
العقل في الإسلام ليس خصمًا للوحي، بل هو أداته لفهم النصوص واستيعاب مقاصدها. فقد خاطبنا الله تعالى مرارًا بقوله: "أفلا تعقلون؟"، "لعلهم يتفكرون"، "أفلا يتدبرون القرآن؟"، وكلها دعوات صريحة لإعمال العقل. بل إن التكليف نفسه لا يصح إلا بالعقل؛ فلا يُحاسب المجنون، ولا يؤاخذ الصغير حتى يميز ويعقل. فالعقل هو مناط الفهم والتمييز، ومن دونه لا يصح فهم الشريعة ولا إقامة الدين.
من أهم ما يميز شريعتنا السمحة أنها لا تجعل العقل في صراع مع النقل، بل تؤمن أن العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح. وإذا وُجد ما يبدو أنه تعارض، فهو غالبًا ناتج عن خلل في فهم النص، أو ضعف في صحة النقل (كأن يكون حديثًا ضعيفًا)، أو توهم في الاستنتاج العقلي. وهنا تتجلى عظمة الشريعة التي شرّعت للعلماء أن يجتهدوا ويوازنوا بين الظاهر والباطن، وبين النص والمقصد، وبين القاعدة والواقع، ليصلوا إلى أحكام مرنة رحيمة تراعي الزمان والمكان والإنسان.
إن كثيرًا من الإشكالات التي نواجهها اليوم ليست بسبب نقص في النصوص، بل بسبب ضعف في فهمها، أو جمود على ظاهرها دون اعتبار للسياق والمقصد. فبعض التيارات المتشددة تتمسك بالنص دون روحه، بينما تتبع تيارات أخرى العقل المجرد دون ضابط من الشرع، وكلا الطرفين جانبا الصواب. والمنهج القويم هو ما سارت عليه مدارس أهل السنة والجماعة: تقديم النقل مع فهمه على ضوء العقل، لا بعزله عنه، ولا بتعطيله.
إن فهم شريعتنا السمحة لا يتم إلا بميزان النقل والعقل معًا، لا بإقصاء أحدهما. فالنقل يرسم الطريق، والعقل ينير المسار. ومن جمع بينهما، فقد جمع بين الهداية الربانية والتمييز الإنساني، وفاز بفهمٍ وسطيٍّ متوازن، ينفع الناس ويمكث في الأرض.
والله من وراء القصد.
ابحث
أضف تعليقاً