
يدخل العالم اليوم في ثنائية البداءة والتحضر، كشكل من أشكال التعبير عن الشعوب والحضارات،ففي حين أصبح مستقرا في الأذهان أن دول العالم الأول هي تلك الدول التي تقع على رأس هرم التقدم الحضاري وبالتالي فشعوب هذه الدول شعوب متحضرة،بينما تقع دول العالم الثاني في مرتبة أقل وتأتي بعدها دول العالم الثالث والرابع التي هي بطبيعة الحال دون المستوى الأول والثاني، ولا يتورع المجتمع الدولي من أن يصنف شعوب هذه الدول بالشعوب البدائية.
وليس وليس مستغربا بعد هذه التصنيفات أن يصبح العرف العالمي كثيرا ما يقتصر على الكلمات المقتضبة للتعبير عن الأمور الضخمة،فما أسهل أن نقول مثلا هذه شعوب متحضر وتلك بدائية.
لكن الأمر قد تعداه من طور تصنيف الملموسات إلى طور التعبير عن الفكر واللغة،فنجد في بعض المؤلفات من يصنف لغةَ قوميةٍ ما بالبدائية ولغة قومية أخرى بالمتحضرة،إلا أن هذا الوضع بدأ يتلاشى بظهور علم الألسنية الحديث،حيث بيّن أن اللغة هي مرآة المجتمع الذي يتكلم بها،فإذا ما كان مجتمعا شحيح الحضارة فإن ذلك سيظهر في لغته والعكس صحيح.
ومن نتائج علم اللسانيات هذه انطلقت حكومات الغرب في سعي منها لإثبات الذات والهيمنة بجميع أشكالها بما فيها الحضارية والثقافية- لإحياء لغاتها ونشرها،فنجد المراكز الأمريكية والبريطانية المنبرية لتعليم لغاتها تنتشر – ليس على مستوى الوطن العربي فحسب- بل نجد تواجدها في بعض المناطق الإفريقية والآسيوية الفقيرة !
ومن الجذير بالذكر ظهور طائفة من علماء الألسنية تبنوا فكرة انبثاق الفكر من اللغة على نحو ما نجد لدى سابيير الذي اعتبر اللغة "مرآة تعكس الفكر لمجتمع معين" ، ومن هنا تتضح لنا أبعاد تعليم اللغة فهي ليست نقلا لكلمات وأساليب لغوية فقط، بل هي ناقلة لثقافة وحضارة وفكر مجتمعات بأسرها.
ولعل مستقبلا واعدا يلوح لنا بيده، إن نحن استغللنا لغتنا العربية واستثمرناها لنعلمها للشعوب الأخرى، بما في هذه اللغة من محتويات فكرية وحضارية أثبتت أصالتها وفاعليتها في التعامل مع المحدثات على مدى قرون من التاريخ، وخاصة إذا ما عرفنا تزايد الإقبال على تعلم اللغة العربية والرغبة في استعمالها حسب الإحصائيات التي تؤشر إلى وجود نسبة غير مسبوقة في الإقبال على تعلم اللغة العربية بين الجامعات الأمريكية والأوروبية والمؤسسات السياسية والاقتصادية والعلمية المختلفة بدول آسيا كالصين والهند، وروسيا وقارة أفريقيا وقارة أمريكا الجنوبية ، فحسب إحصاء لجمعية اللغة الحديثة في أمريكا فقد زاد عدد دارسي اللغة العربية هناك بنسبة 126%.
وهذا يبيّن لنا من جهة حجم الإقبال على تعلم اللغة العربية، ومن جهة أخرى يبين لنا حجم انتشار الإسلام كدين مرتبط ارتباطا وثيقا بالعربية، ويبيّن لنا أهمية استثمار تعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها في توسيع دائرة الفهم الإسلامي ، وتقديم الإسلام بصورته الناصعة؛ دينا ساهم بتحضّر المنتمين إليه وشجع على التقدم العلمي واعترف بالإنجازات الحضارية التي بلغت ذرروتها في عصور الإزدهار العربي والإسلامي.
ابحث
أضف تعليقاً