wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
حتى لا يكون التجديد هدماً وتبديداً

حتى لا يكون التجديد هدما وتبديدا!!

بسام ناصر

 

ثمة مصطلحات ومفاهيم قابلة لشحنها بمضامين متضادة، بحسب مستخدميها وسياقات استعمالها، فحينما تجد علماء ودعاة شرعيين يطلقون مصطلح التجديد، فهم يريدون به إعادة الدين إلى ما كان عليه في عصر تنزله، وإزالة ما علق به من البدع والمفاهيم والأفكار الخاطئة، وتنقيته مما لحق به من الممارسات والسلوكيات والتقاليد المجتمعية التي ألصقت به حتى غدت جزءا منه.

 

يقول العلامة الطاهر بن عاشور في تعريفه له: "فالتجديد الديني يلزم أن يعود عمله بإصلاح الناس في الدنيا، إما من جهة التفكير الديني الراجع إلى إدراك حقائق الدين كما هي، وإما من جهة العمل الديني الراجع إلى إصلاح الأعمال، وإما من جهة تأييد سلطانه".

 

لكن ذلك المصطلح (التجديد) يطلقه بعض من يُسمون بالتنويريين، ويريدون به معنى يغاير ذلك المعنى تماما، فهم يدعون إلى إعادة قراءة الدين وفهمه فهما جديدا يغاير ما كان عليه المسلمون في سابق عهودهم وقرونهم، وإخضاع حقائقه وشرائعه وأحكامه لقراءات عصرية، لا تحفل بما قرره الأئمة السابقون، ولا مانع لديهم من نقض بعض أحكامه المستقرة، أو إدارة الظهر لتشريعات ثابتة، بقيت طوال القرون السابقة محل إجماع أئمة وعلماء المذاهب الفقهية المعتبرة، وتواتر عمل المسلمين عليها.

 

هنا تختلط المفاهيم، وتلتبس المصطلحات، ويقع دعاة التجديد الديني وفق معناه المقرر عند الأئمة السابقين في حيرة من أمرهم، فمن يسمون بالتنويريين باتوا يشاطرونهم الدعوة إلى التجديد الديني، بمفهومهم الخاص بهم، ما يجعلهم أمام معضلة جديدة، يتطلب حلها المزيد من التوضيح والبيان، وفي الوقت نفسه تفنيد تلك التوجهات الطارئة والجديدة، التي يفضي إعمالها إلى تغيير معالم الدين وتشريعاته التي عرفها المسلمون عبر تجربتهم وممارستهم السابقة.

 

كثيرة هي الدعوات ذات المضامين القلقة والشاذة، التي يسعى دعاتها للترويج لها، وإشاعتها في أوساط المسلمين تحت ذريعة "التجديد الديني"، والتي غالبا ما تكون صادمة للعقل الأصولي (المحتكم إلى علم أصول الفقه)، لأنها لا تقيم لمنهجية ذلك العلم وقواعده المقررة في الفهم والاستنباط أدنى اعتبار، بل تدعو بإلحاح إلى تجاوز ذلك العلم، وعدم التقيد بقواعده وتقريراته، بل تطلق العنان للأفهام كي تسرح وتمرح في قراءة النصوص الشرعية كما يحلو لها.

 

فرق عظيم وكبير بين أن تدعو إلى تجديد الدين بإرجاعه إلى نقاوته الأولى، وتحريره من كل ما علق به من الأوهام والتصورات البالية، والبدع المحدثة، في إطار المرجعية الشرعية المقررة في الفهم والاستنباط، وبين من يدعو إلى تجديد الدين بإحداث القطيعة التامة مع تراث الأمة بأكمله، وإدارة الظهر لجهود الأئمة المتبوعين، وازدراء اجتهاداتهم، وتسفيه مذاهبهم التي خدمها علماء فحول جيلا بعد جيل، وهو ما سيفارق ضروب التجديد المحمود والمطلوب ليسير في مسارات الهدم والتبديد.

 

فالتوجه الأول حريص الحرص كله على أن يبقى الدين طاهرا نقيا، ويجتهد لمقاربة الدين في صورته وصيغته المنزلة، أما أصحاب التوجه الثاني فهم باسم التجديد، وباسم القراءات الجديدة للدين، يريدون أن يتخلصوا من جملة تشريعات دينية ثابتة، استقر رأي المسلمين على اعتبارها من قطعيات الدين وثوابته، بإعمال منهجيات وآليات بحثية يستدعونها من ثقافات أخرى، تتعاطى مع النص الديني باعتباره نصا لغويا كباقي النصوص اللغوية الأخرى، يجري عليه ما يجري عليها، وهو ما يقتضي بالضرورة نزع القداسة عنه، وإخضاعه لمنهجيات البحث والقراءة المعاصرة.

 

هذه الدعاوى المتدثرة برداء التجديد، أشد خطرا من الاتجاهات الفكرية المجاهرة بمخاصمتها للدين، لأن الأخيرة قد كشفت نفسها بنفسها، ولم تُبقِ أمرها مستورا كحال أصحاب تلك الدعاوى، التي يظهر أصحابها وكأنهم دعاة تجديد ديني، إلا إنهم في مآلات دعاويهم يصدمون المسلمين بمقولات شاذة، ويسمعونهم تفسيرات غريبة وعجيبة لم يقل بها أحد من قبل، ما يظهر خطورة التذرع بذرائع دينية، واستخدام مصطلحات شرعية لتمرير ما يسمونه تجديدا للدين، وفي حقيقته لا يمت لتجديد الدين بأدنى صلة.

 

 

 

 

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.