
دور المنتدى العالمي في تفعيل الوسطية كرؤية حضارية ومشروع نهضوي
في حوار خاص مع :
الدكتور أبو جرة السلطاني
رئيس المكتب التنفيذي للمنتدى العالمي للوسطية
حاوره: بسام ناصر
لم تعد "الوسطية" في زمن السيولة المعرفية، وفي خضم ما تشهده الساحة الثقافية من سجالات دينية وفكرية حادة، مجرد "مفردة" أو مصطلح كسائر المصطلحات المتداولة، بل باتت ساحة لتجاذبات فكرية واسعة، تتمحور حول توضيح مفهومها، وتحديد مضامينها، وإبراز أصالتها ومدى انضباطها بضوابط الشريعة، أو اتخاذها ذريعة لتمييع ثوابت الدين وتجاوز قطعياته.
وفي غمرة انتشار فوضى القول في دين الله بغير علم، وإطلاق العنان لدعاوى غريبة، وفتاوى شاذة، وجب على علماء الأمة ومفكريها النهوض لتوضيح المفاهيم الدينية، وتحديد المصطلحات الشرعية، وتنقيتها من كل الشوائب والغرائب الدخيلة عليها، حتى لا تفقد أصالتها، ويتم تجريدها من حمولتها الدينية المتوافقة مع هدي القرآن الكريم وصحيح السنة النبوية.
وفي هذا السياق يلوح في الأفق اسم المنتدى العالمي للوسطية، كمعلم من معالم العمل الفكري المؤسسي الذي اتخذ من الوسطية منهجا له وطريقا، وكهيئة فكرية إسلامية عالمية ذات رسالة فكرية مستنيرة، تسعى إلى التجديد في حياة الأمة، وإعادة صياغة المشروع النهضوي الإسلامي.
ولا يفتأ المنتدى العالمي للوسطية يؤكد في إصداراته ومنشوراته أن رسالته تتمثل في إحياء منهج الوسطية والاعتدال، تأصيلا وتنزيلا، وإبراز صورة الإسلام الحقيقية فكرا وثقافة وسلوكا على الصعد كلها، ونشر رسالة الاعتدال في فهم الإسلام دينا وحضارة، وتعميم الهوية الفكرية والثقافية لإنسانية الإسلام، وبث روح التسامح والحوار الإنساني إنطلاقا من وسطية الإسلام.
ولتوضيح ذلك كله، ولإبراز دور المنتدى في تفعيل الوسطية كرؤية حضارية ومشروع نهضوي، كان لمجلة "الوسطية" هذا الحوار الخاص مع المفكر والسياسي والداعية الجزائري، الدكتور أبو جرة السلطاني، الرئيس الحالي للمنتدى، والذي أوضح فيه مفهوم الوسطية برؤية شمولية، أضاف فيها أبعادا جديدة مكملة لمفهومها التقليدي، نتيجة النظر إليها من زوايا أخرى أنتجها التراكم المعرفي خلال نصف قرن.
السلطاني استعرض في هذا الحوار بدايات تأسيس المنتدى، وتحدث عن الرؤية والدوافع والأهداف، ولفت إلى الإنجازات والمعوقات والتحديات، وأشار في إطار حديثه عن الخطط المستقبلية إلى المشاريع التي يطمح المنتدى إلى إنجازها في الأيام والشهور والسنوات القادمة.
وأكدَّ السلطاني أن المنتدى العالمي للوسيطة ليس بديلا عن هيئات أو مؤسسات تنشط في الميدان، وليس حزبا سياسيا ينافس الأحزاب السياسية العاملة في الساحة، بل هو "هيئة فكرية مستقلة تسعى إلى تجديد الفهم والتصور والخطاب، وتنبذ الغلو والتطرف، وتجتهد في نشر هذا الفهم وتعميمه طمعا في بعث خير أمة من جديد على أسس سلمية نشر والعلم، وبث الوعي، وتأصيل منهج الوسطية، وتوسيع دوائره".
فإلى نص الحوار:
في ظل الاستخدامات القلقة لمفهوم (الوسطية)، ما هو التصور الشرعي الصحيح لهذا المفهوم الذي تبناه المنتدى العالمي للوسطية الذي ترأسونه اليوم، وهو يعمل على نشره وإشاعته في المجتمعات المعاصرة
بسم الله والحمد لله ثم الصلاة والسلام على رسول الله. وبعد: شكرا على الاستضافة. وتحية لكم في الأردن الشقيق ولأصدقاء المنتدى في العالم كله. لن أخوض في تفسير المصطلح من جهة المفهوم اللغوي والاصطلاحي، ولا من جهة الدلالات المتداولة بين الناس كمضمون ثقافي أو منظومة فكرية، فكل هذا صار معروفا بفعل التكرار والسماع والنشر.. وبتأثير الواقع الثقافي الذي كرسته ممارسات التيار الوسطي الواسع حتى صارت أغلب دول العالم عارفة بمحتواه وبمؤسسيه وبمفكريه الكبار ومنظريه وبصناع محتواه الفكري والثقافي والحضاري.
ولكني سأقدم مفاهيم مكملة للمفهوم التقليدي للوسطية من زوايا أخرى فرضها التراكم المعرفي خلال نصف قرن من الاحتكاك بالآخر عبر المؤتمرات الدولية والندوات والمحاضرات والكتب والنشرات المترجمة إلى عديد لغات العالم، فبفضل هذا الجهد التراكمي حدث فصل وظيفي واضح بين دعاة الوسطية وبين من يحاولون تضييق ما وسعه الإسلام على الناس وجعله الله رحمة للعالمين. وقال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمة فاصلة هي سنّته إلى يوم الدين يوم قال معقبا على سلوك الثلاثة الذين تقالوا عبادته:" ومن رغب عن سنتي فليس مني.
فالوسطية الوظيفية تعني ثلاث مسائل متكاملة، هي مضامين الأمة الوسط منذ أن أنزل الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم قوله: {وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} البقرة: ١٤٣. فبالحساب العددي نجد أن هذه الآية جاءت وسطا في آيات سورة البقرة؛ فرقمها ١٤٦، وعدد آيات السورة ٢٨٦ آية؛ فهي وسط عقد السورة.
ما هي محتويات ومضامين الوسطية الوظيفية التي تتحدثون عنها
نعم؛ أعني بالوسطية الوظيفية الفصل بين فلسفة المصطلح نظريا وبين تكريسه خطابا وممارسة.
أولها:
مرونة التعامل مع الناس، مسلمين وغير مسلمين، فالفظاظة والغلظة تضيق ما وسعه الله على خلقه. وأرشد إليه رسوله صلى الله عليه وسلم بأن من دواعي حب أصحابه تواضعه لهم وترفقه بهم ولينه لهم بالقول: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ۖ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ۖ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} آل عمران: ١٥٩.
ثانيها:
قبول الآخر كما هو على أساس التسامح الذي منحه الله للناس في اختيار دينهم بحرية ووعي، ولم يكره أحدا على أن يكون مسلما. بشرط ألا يحاول غير المسلمين إكراه غيرهم على دينهم. أو على ترك عبادة التوحيد. وهو ما ختم الله به سورة (الكافرون) بقوله: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} الكافرون: ٦، بعد المفاصلة بين من يعبده ويوحده وبين من يتبع الهوى.
الثالثة:
الجمع بين الخطاب المتسامح والسلوك القويم بنية إقامة الشهادة على غير المسلمين بتوكيد القول بالفعل ليعلموا أن أقوالنا وأفعالنا نابعة من مصدر واحد، لا تتعاند ولا تتناقض. وأن كل مسلم شاهد على الناس بأفعاله قبل أقواله بغير تكلف ولا شطط.
إذا كان هذا هو مفهوم الوسطية فما خلفيات ودوافع تأسيس المنتدى العالمي للوسطية
الغلوّ ليس سلوكا طارئا على البشرية؛ بل هو قديم في الناس؛ فمنذ خلق الله الإنسان كان من الناس غال متطرف، ومنهم معتدل وسطي. لكن بتطور التقانية صار الغلوّ مؤسسات ومراكز وليس أشخاصا وجماعات وفرقا فحسب.
ومثال ذلك أنه بعد أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١، اتجهت الأنظار إلى العالم الإسلامي بسردية متحاملة على المسلمين ومحاصرتهم بضخ إعلامي يصر على أن دينهم منتج للإرهاب، وهو مصدر الغلو ومنبع التطرف وبؤرة تفريخ الإرهاب، على نحو تم وضع جماعات وأنظمة ومؤسسات، وحتى دول، على لائحة الإرهاب. وتضخمت دعاية الخوف من الإسلام "الإسلاموفوبيا" وتضرر منها كثير من المسلمين في أقطارهم أو على مستوى الجاليات بالخارج تحت غطاء التوجس من الوافدين.
فانبرت نخبة من العلماء والمفكرين والدعاة ومن صناع الرأي لسدّ هذه الثغرة، فكان من ثمرة جهودهم - والجهود كثيرة في العالم كله - عقد مؤتمر عالمي (في العاصمة الأردنية عمان) حول وسطية الإسلام بين الفكر والممارسة. فلاقت هذه الفكرة استحسانا واسعا تجاوب معه كثير من دعاة الوسطية وتنادوا إلى عقد مؤتمر ثان عام ٢٠٠٦ بنفس المكان. تناول الدور العلمي لتيار الوسطية في الإصلاح ونهضة الأمة، حضرة قادة الرأي والفكر من أغلب أقطار العالم. فكان فرصة مواتية للإعلان عن ميلاد (المنتدى العالمي للوسطية) بمباركة رسمية. غايته فك الاشتباك الناشب بين المتطرفين ومجتمعاتهم من جهة، وبينهم وبين أنظمتهم من جهة ثانية أمام تنامي موجة الكراهية والتكفير ونبذ الأخر.
والناظر في مبادئ التأسيس يدرك أنه هيئة فكرية عالمية مستقلة تسعى إلى تجديد الفكر والتصور والخطاب والممارسة. وتعمل على صياغة مشروع نهضوي شامل، وتدعو إلى عالم عادل ومتوازن وذي ممارسات إنسانية قائمة على التعارف والتعاون وحقوق الإنسان وحفظ النظام العام فكرا وثقافة وسلوكا باعتماد كل وسيلة مشروعة فنية وثقافية وتقنية لنشر ثقافة الوسطية على جميع المستويات من المدرسة إلى الجامعة ومن المسجد إلى الإعلام، ومن المجتمع المدني إلى الأنظمة القائمة وهئيآتها الإقليمية والدولية.
والغاية المشتركة بين جميع مكونات الأمة هي بعث مشروع نهضة شاملة في منطلقاتها ومساراتها وغاياتها لحفظ هوية الأمة من التشويه وتثمين مكتسباتها وتاريخها ولغتها وحضارتها الإنسانية العريقة.
برأيكم هل حقق المنتدى هذه الأهداف
عمر المنتدى ربع قرن، فهو في ريعان الشباب. وما تحقق في هذه السنوات القليلة أكبر مما كنا نتوقع، خاصة في عهدته الأولى تحت رئاسة الإمام الصادق المهدي (رحمه الله)، فقد نقل صداه إلى القارات الخمس، ونسج ببركات تواضعه علاقات علمائية ورسمية ومؤسسية مع جهات كثيرة، وزار مع السيد الأمين العام وبعض أعضاء المكتب الدائم رؤساء وأمراء وملوكا كثيرين من المالديف إلى المغرب.. ونجح في نسج وساطات نخبوبة وعلمائية وسياسية تركت آثارا طيبة في نسيج المجتمعات التي لعب المنتدى أدوارا رائدة في إصلاح ذات البين فيها.
بالإضافة إلى نشر الوعي وتقويم الاعوجاج والحد من انتشار فكر الغلو والطرف.. ونشر مئات الكتب والمطويات حول فكر الوسطية، وعقد مؤتمرات في أكثر من ٧٠ دولة، وفتح فروع في أغلب هذه الدول. وبعد مرور ربع قرن على تأسيس المنتدى تأكدت جهات رسمية وشعبية ومؤسسات تربوية ودعوية أن وجوده ضرورة للأمة الإسلامية وللمجتمع الإنساني.
وبحمد الله تصلنا كل يوم طلبات انخراط في صفوفه، وكل أعضائه في العالم يحظون بالتقدير والإحترام في مجتمعاتهم ودولهم. وفي كل بقعة يزورونها. ومنهم شخصيات عالمية شغلوا مناصب سامية في دولهم خلال مسيرتهم المهنية؛ منهم رؤساء ووزراء وعلماء ومربون ومفكرون وأساتذة في جميع التخصصات وفلاسفة أيضا.
مادام لدى المنتدى هذا الكم النوعي الهائل من الكفاءات، ومن أهل الخبرة والتجربة، هل ترونه نجح في نشر ثقافة الحوار والتسامح والتعايش في مجتمعاتنا المعاصرة
ليس بين يدي إحصائيات عددية نهائية عن المستويات التي بلغها المنتدى في نشر ثقافة الحوار والتسامح والتعايش السلمي. لكن المؤشرات كلها إيجابية؛ فصورته في جميع المحافل بيضاء ومشرّفة ويحظى بالتقدير والإحترام في جميع الأقطار التي يتحرك فيها، ولم يصطدم أبدا بأي فصيل. وما من مؤتمر يعقده تحت أي عنوان إلا ويلقى أصداء طيبة ومباركات.
ففي ربع قرن من عمره نجح في التواصل مع أبناء الأمة. ونجح في تقليص دوائر الخلاف بين كثير من التيارات المتعارضة. وصار الحوار سبيلا لحلحلة أي مشكلة. ونجح أيضا في حشد الطاقات العلمية والفكرية لأنه جعلها في برنامجه غاية مطلوبة وأولوية محسوبة ومنهجا ثابتا ما فتئ مكتب المنتدى يجتهد لاصطفاء أكثر الرجال مرونة وفهما للواقع وقدرة على الاستيعاب واحتواء الخلافات البينية أو الصدام مع الأنظمة.
هذا جيد؛ لكن ماذا عن تيارات الغلو والتطرف التي مازالت موجودة؟ وما هي منطلقات المنتدى في معالجتها؟ وما أبرز النشاطات الموجهة لمعالجة هذه الظاهرة؟ وهل أصدرتم كتبا في هذا الصدد
من أول يوم للتأسيس توجه المؤسسون إلى تأصيل فكر الوسطية شرعا وفكرا وثقافة وأخلاقا، وإلى تطمين الأنظمة والجماعات العاملة في الميدان إلى أمرين تم البت فيهما بشكل قطعي ونهائي:
1. أن المنتدى العالمي للوسطية ليس بديلا عن هيئات ولا عن منظمات وجماعات تنشط في نفس الميدان وتعمل في نفس الإتجاه. بل يمد يده للتعاون معها على المتفق عليه والحوار حول المختلف فيه.
2. أن المنتدى العالمي للوسطية ليس حزبا سياسيا ينافس الأحزاب في الانتخابات على المجالس. أو يغالب الأنظمة على انتزاع الحكم من أحد. أو يتدخل في شؤون أي نظام.
إنما هو هيئة فكرية تسعى إلى تجديد الفهم والتصور والخطاب. وتنبذ الغلو والتطرف، وتجتهد لنشر هذا الفهم وتعميمه طمعا في بعث خير أمة من جديد على أسس سلمية وسيلتها نشر العلم وبث الوعي وتأصيل منهج الوسطية وتوسيع دوائره.
وقد انصب جهد العاملين في هذا المنتدى على توكيد هذه المعاني. وكما ذكرت سابقا دارت محاور أغلب مؤتمراتنا حول الإنسان. والفكر. والحرية. والوحدة. والتعاون. والتكامل. والمواطنة. والتعايش. والسلم. والأمن. والنهضة.. الخ. دون أن نغفل عن تذكير الأمة بالقضايانا العادلة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. وجميع منتوجنا الفكري والثقافي - وهو كثير جدا - يصب في خدمة هذه الأهداف النبيلة، ومنها مجلة (الوسطية) لسان حال المنتدى التي صدر منها حتى الآن ٤٧ عددا تضمن مادة دسمة وموثقة ومتنوعة لخدمة ما تأسست له.
هذا شرح عملي جميل، ولعلكم توافقوني الرأي أن المدرسة والمسجد والإعلام هي ثالوث صناعة الفكر والرأي والتوجه في العالم كله، فكيف كان اهتمام المنتدى في إصلاح المنظومة التربوية وفي ترشيد الخطاب الديني وفي توجيه مسارات الإعلام
هذا سؤال جوهري يختصر مسيرة المنتدى في جمل قليلة؛ بل في ثلاث كلمات مفتاحية: المدرسه. والمسجد. والإعلام. وأنا أطمئنك وأطمئن القراء ومن ورائهم الرأي العام العالمي. أن أغلب رجالات المنتدى كانوا يشتغلون في هذه الفضاءات؛ أو مروا في مسارهم المهني، بالتعليم وبالوعظ وبالوسائط الإعلامية، بالإضافة إلى مهن ووظائف أخرى لها صلة بالتأثير على تركيبة الإنسان من المهد إلى اللحد.
وما من أحد منا إلا وهو مدرك أن المعركة وجدانية قبل أن تكون ميدانية. ودليلي أنه لا يوجد شيء أقسم الله عليه سبع مرات إلا النفس البشرية ليقرر، بعد هذه الأقسام السبعة، أنه ركب فيها الفجور والتقوى، وأن مدار معركة الحياة كلها قائم على إصلاحها أو تدميرها: { قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا} الشمس: ٩/١٠. ووسائل تزكيتها أو تدسيتها خمسة: الأسرة، والمدرسة والبيئة، والمسجد، والإعلام. وهي الجبهات التي يرابط عليها المنتدى ويستفرغ جهود المنتسبين إليه في تربية النشء عليها وحمل المجتمعات على ترسيخ مفاهيم الوسطية في مختلف مؤسساتها ومراكزها وفضاءاتها. ومعالجة أسباب الغلو والتطرف والانحراف في الأسرة والمدرسة وفي الخطاب الديني وفي سائر وسائل الإعلام. وجمع الأمة على القواسم المشتركة والاهتمام بالمرأة والطفل والمحافظة على الهوية وثوابت الأمة.
نود في هذا الحوار استشراف مستقبل أعمال وخطط المنتدى في قادم الأيام، والمشاريع التي تنوون تنفيذها في المنظور القريب
جراحات الأمة واسعة وعميقة، وهي تتسع يوما بعد يوم، وما كان بالأمس أولوية صار اليوم ثانويا، أو غير ذي قيمة أصلا. ومع ذلك فإن تراكم إنجازات المنتدى وثمار هذا التراكم في الميدان تشجعنا على الإستمرار على نفس الخط، ولو بالحد الأدنى المتاح، في تنفيذ الخطة الخماسية سنة بعد سنة، دون أن نغفل واجب الوقت الذي أقدر أنه يوجب علينا التركيز على ثلاثة محاور صارت أولوية الأمة التي لا يجوز تأخيرها عن وقت حاجتها إليها.
وهي:
1. أولوية توعية أمتنا بالمخاطر المحدقة بها وبسوء عاقبة السرديات المغرضة، فالوعي بالمخاطر يعيننا على دفع المضار الكبرى التي تتهدد وجودها وكينونتها بقطع النظر عن توجه كل قطر. فأعداؤنا ينظرون إلينا على أننا "أمة شرقية" قد تنهض ذات يوم. والمؤامرة علينا قضية وقت فحسب. ويوم يسقط الثور الأبيض فسيأتي الدور على أخيه الأسود الذي كان يتفرج على نهايته لحظة افتراسه.
2. أولوية الاستمرار في نشر الفكر الوسطي مهما علت أصوات الغلو والتطرف. ومهما ضاقت دوائر التحرك؛ فنفس المتطرفين قصير لأنه زبد. بينما نفس الوسطيين طويل لأنه نافع الناس وماكث في الأرض بأمر الله.
3. وأولوية تعاون الأمة الإنسانية على حماية الأقليات وعلى نصرة القضايا العادلة والوقوف صفا واحدا في وجه الاستكبار العالمي الذي بلغ به الهوس حد تجويع شعب وحصاره وتهجيره بالقوة. واختطاف رئيس دولة من مخدعه مع زوجته. هل بقي للإنسانية من عذر لتصمت أمام هذا الظلم الشنيع؟
في ضوء ما ذكرته في جوابك السابق هل يقوم المنتدى بدور النصح للأنظمة والحكومات والمسؤولين كجزء من اهتمامه بقضايا الأمة
ما تخلف المنتدى منذ تأسيسه واعتماده قانونيا عن رسالته الأولى في التواصل مع المفكرين ومع بعض الأنظمة والدول والحكام لتقديم النصح، ووضع نفسه تحت تصرف الأمة لتسهيل الحوار بين الأطراف المتنازعة وتذليل العقبات وتطييب الخواطر وتقديم أوراق عمل مقترحة للمساهمة في حل الأزمات، خاصة بعد ثورات الربيع العربي. فضلا عن التواصل الدائم والمستمر مع ذوي التأثير من علماء الأمة ومفكريها ونخبها لتشجيع الحوار وسلوك سبل الدبلوماسية الناعمة بدل اللجوء إلى الصدام وإلى الترويع والأساليب العنيفة، لاعتقادنا أن الحوار يعزز جهود الإصلاح ويتيح للأمة فرصا ثمينة من الأمن والاستقرار تتفرغ خلالها لنشر العلم وتوفير فرص العمل للشباب وإشاعة العدل بين الناس بدل التنازع المفضي إلى الفشل وذهاب ريح القوة وريح الأخوة.
يبدو لي من خلال حديثكم أن سقف المنتدى عال، وطموحه واسع، لكن في المقابل ما هي العقبات والتحديات التي تواجهونها في مسيرتكم الفكرية والنهضوية والعملية، وكيف تقومون بمعالجتها وتجاوزها
العوائق والتحديات والعراقيل جزء من طبيعة كل عمل كبير، ولم تخلُ منها حتى دعوة الرسل أقوامهم في أزمنتهم المتعاقبة. وكلما علا سقف الأهداف كثر عدد الذين يتوهمون أن في مسعى المنتدى إلى الوسطية تهميشا لأشخاصهم أو تهديدا لمواقعهم أو تحجيما لمصالحهم أو منافستهم على منافع دنيوية.
ولعل أكبر العراقيل في مسيرة المنتدى هو صعوبة الفهم بسبب كثافة التشويش على مشروع الوسطية. فرغم مرور ربع قرن على تأسيس المنتدى مازالت أطراف كثيرة تتساءل عن جدوى وجوده؟ ومن يقف وراءه؟ ومن أين يستمد قوته وحمايته وموارده المالية؟ وهل هو هيئة نظامية تابعة لجهة ما؟ أم هو تشكيل ضرار يعرقل جهود هيآت أخرى رسمية وشعبية ومجتمعية؟
والحمد لله الذي ألف لنا قلوب علماء كثيرين ومفكرين ورجال دولة فهموا منطلقاتنا وأهدافنا ففتحوا لنا أبواب الخير. وسهلوا تواصلنا مع عمق مجتمعنا في العالم كله. فعرف الناس من نحن وماذا نريد. واكتسبنا ثقة قطاعات واسعة من الأصدقاء والمحبين في القارات الخمس.
ومع هذا مازالت كثير من العوائق تحول دون تحقيق بعض طموحاتنا وتجسيد ما نخطط له من أهداف نبيلة، بعضها عوائق فكرية وتصورية. وبعضها مالية لوجستية، وبعضها عائد إلى المرحلة الصعبة التي يمر بها العالم منذ ثلاثين عاما، والتي من مظاهرها انكماش الأنشطة الفكرية والدعوية والعلميلة والمجتمعية.. وحتى العمل الخيري والإغاثي لأسباب يطول شرحها.
في الختام نراكم متفائلين مع كل ما يواجه المنتدى من تحديات ومعوقات، فما سر هذا التفاؤل ودواعيه
لا يكون وسطيا من لم يكن متفائلا. ولا ينتمي إلى أمة الوسط إلا المتفائلون. وأنا منهم إن شاء الله لثلاثة أسباب على الأقل:
أولها:
لأن إخواني شرفوني برئاسة هذا المنتدى بعد رئاسة فضيلة الإمام الصادق المهدي رحمه الله. وفضيلة الشيخ عبد الفتاح مورو حفظه الله. وكلاهما كان متفائلا، فلا يليق بي أن أخالفهما بتشاؤمي.
ثانيها:
أن المنتدى، رغم جراحات أمتي، مازال يتحرك بثبات في أفضل رواق. ومازال يحظى بتقدير رسمي وعلمائي وشعبي، وجميع مؤتمراته ناجحة بشهادة المشاركين من مختلف الأقطار.
ثالثها:
تعلمت من ديني بأن مع كل عسر يسرين، وكلما عسعس الليل اقتربت لحظة تنفس الصبح. فأيقنت أن العسر الذي تمر به أمتي ليس سوى اختبار لدينها وامتحان لصبرها وتهئية لأقدار مكتوبة سوف تلاقيها عندما يأذن الله بانجلاء غبار هذه المعركة المصيرية، وعندما يأذن لخير أمة أخرجت للناس بأن تنبعث من جديد. ولتعلمن نبأه بعد حين.
مجلة المنتدى العالمي للوسطية
ابحث
أضف تعليقاً