wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
رحيل عالم.. وبقاء أثر: قراءة في المنهج النقدي والوسطي للعلامة المحقق الدكتور عدنان زرزور

رحيل عالم.. وبقاء أثر:
قراءة في المنهج النقدي والوسطي للعلامة المحقق الدكتور عدنان زرزور
د. عبد الله إبراهيم زيد الكيلاني
أستاذ الفقه وأصوله في الجامعة الأردنية
 
ودع العالم الإسلامي قامة علمية كبرى، وعالماً من كبار علماء القرآن والفكر والدعوة؛ الشيخ العلامة المحقق الأستاذ الدكتور عدنان محمد زرزور، العالم الدمشقي الذي توفاه الله تعالى في أرض البحرين بعد رحلة علمية ممتدة من دمشق إلى القاهرة لاستكمال الدراسة، ثم الأردن في مرحلة تأسيس كلية الشريعة في عام 1971 ثم ارتحل إلى الإمارات، وعمل في قطر، ثم انتقل إلى البحرين، واستقر فيها آخر عمره .
لقد أجاد الأستاذ وصفي أبو زيد حين نعاه بكلمات تليق بمقامه، واصفاً إياه بالعالم الموسوعي والباحث الرصين الذي اتسعت ميادين عطائه لتشمل علوم القرآن والتفسير، والسنة والسيرة، والفكر الإسلامي.
كما نعاه المنتدى العالمي للوسطية بوصفه صاحب مسيرة علمية وفكرية ودعوية حافلة بالعطاء وخدمة الإسلام والفكر والثقافة، وعضواً فاعلاً في المنتدى. لقد فقدت الأمة برحيله علماً من أعلامها الكبار، وعالماً من علماء بلاد الشام الأفذاذ، أفنى جانباً كبيراً من حياته في خدمة القرآن الكريم وعلومه، والفكر الإسلامي، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وأسهم بعلمه ومؤلفاته ومواقفه في ترسيخ منهج الاعتدال والوسطية، والدفاع عن قضايا الأمة وهويتها الحضارية.
لم يكن الدكتور زرزور رحمه الله مجرد باحث عابر، بل كان صاحب مشروع علمي ممتد، جمع بين أصالة التكوين، ودقة التحقيق، والقدرة على معالجة قضايا التراث بروح تعي أسئلة العصر وتحدياته. وكما قيل، فإن عزاءنا فيه أن يده إن توقفت؛ فقلمه باقٍ يعمل، وكتبه صدقة جارية ينتفع بها الدارسون.
 
بهاء أهل القرآن:
ومما يلفت النظر في شخصية الشيخ رحمه الله، ذلك السمت الوقور والبهاء الذي يعلو محياه. فمع أنه قارب التسعين من عمره، إلا أن الناظر إلى وجهه لا يكاد يصدق ذلك؛ فقد حباه الله إشراقة وحيوية ونضارة بقيت ملازمة له حتى في كبره، وكأنها من بركات قراءة القرآن وخدمة العلم التي أضاءت قلبه ففاض نورها على وجهه.
 
عطاءٌ علمي باذخ وتكريمٌ عالمي:
لقد ترك الفقيد للمكتبة الإسلامية إرثاً قارب خمسة وعشرين مجلداً في علوم القرآن والعقيدة والفكر. وتجلّى منهجه في التحقيق الرصين منذ دراساته العليا بدار العلوم في القاهرة، عبر تحقيقه لـ (متشابه القرآن)، وأطروحته (الحاكم الجشمي) التي نال بها مرتبة الشرف الأولى برئاسة العلامة محمد أبو زهرة. وقد امتد عطاؤه الأكاديمي في جامعات دمشق والأردن والإمارات وقطر والبحرين، لتُتوَّج مسيرته بـ (جائزة السلطان حسن بلقية) من معهد أكسفورد تقديراً لجهوده في علوم القرآن وتأصيله للوسطية الإسلامية.
وإلى جانب هذا الإرث المكتوب الغزير، أستحضر هنا محطات وذكريات ومواقف تبين دقة منهجه ونبوغه المبكر:
نبوغ مبكر ورفقة مباركة:
مما ذكره لي الأستاذ عبد الحميد الأحدب عن أيام دراستهم في جامعة دمشق، أن الأستاذ محمد المبارك كان يُدرسهم مادة "الثقافة الإسلامية"، وكان شديد الدقة في تصحيح المادة العلمية، بل وكان يخصم العلامات على الأخطاء النحوية والإملائية، فنادراً ما يحصل طالب عنده على علامة تامة. وفي تلك الدفعة، قال لهم الأستاذ المبارك إن ثلاثة طلاب فقط حصلوا على العلامة الكاملة، في حالة نادرة الحدوث. هؤلاء الثلاثة أصبح لهم شأن عظيم في مسيرة الدعوة والعلم لاحقاً؛ وهم: الوالد الدكتور إبراهيم زيد الكيلاني من الأردن، والدكتور عدنان زرزور، والشيخ سعيد حوى من حماة، رحمهم الله جميعاً.
 
دقة استنباط وعمق نظر:
عرفتُ الأستاذ عدنان عن قرب فقد استضافته الجامعة الأردنية مدرساً في كلية الشريعة وشارك في ندوات علمية عدة، وكان محباً للأردن دائم الزيارة له. أذكر مشاركته معنا في "ندوة ابن خلدون"، التي أقيمت تحت مظلة المعهد العالمي للفكر الإسلامي حيث كنت قد أشرتُ في حديثي إلى موقف الخوارج من فكرة الدولة واستدلالهم بالآية الكريمة: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا﴾ لدم الملك كنظام سياسي وكيف رد عليهم ابن خلدون.
 
حينها، لفت الدكتور زرزور انتباهي إلى خلل آخر دقيق في استدلالهم، مبيناً أن الله تعالى قال: (إِذَا دَخَلُوا) ولم يقل (إذا حكموا)، فالدخول هنا يعني دخول الغزاة المحتلين. كما أشار إلى أن قائلة هذه العبارة هي "ملكة سبأ"، وهي ذاتها ملكة، فلا يمكن عقلاً أن تذم الملك كنظام سياسي مستقر أو أن تدعو إلى نظام فوضوي!
 
القرآن صانع الحضارة والرد على دعاوى الحداثة:
وفي مضمار علوم القرآن، لم يكن الدكتور زرزور مجرد ناقل للمألوف، بل كان مُنافحاً صلباً ، ومجاهدا بفكره الناقد ولسانه المبين عن أصالة النص القرآني في وجه الشبهات المعاصرة. فقد تصدى بحزم لدعاة "تاريخية القرآن" الذين حاولوا حصر دلالاته في بيئة القرن السابع الميلادي، مشدداً بقوة على أن القرآن "نص لجميع العصور وتُخاطَب به جميع الأجيال"، وأنه النص الإلهي الوحيد المحفوظ في عالم الشهادة.
وفي ردوده العميقة على "القرامطة الجدد" أو الحداثيين، أثبت أن القرآن هو الذي صنع التاريخ والحضارة الإسلامية منذ لحظة نزوله، ولم يكن يوماً نتاجاً للتاريخ كحال الثقافات الأخرى. كما تجلت عبقريته النقدية في إعادة ضبط مباحث "أسباب النزول" و"النسخ" محذراً من التوسع فيها لئلا يُقيد النص المطلق في حوادث جزئية. وفي رؤية إعجازية غير مسبوقة، أشار إلى أن إعجاز القرآن يكمن في كونه "نصاً علمياً" دقيقاً يخلو من مبالغات الخيال والأدب، ولكنه رغم ذلك تفوق على أرقى الأساليب الأدبية البيانية في تأثيره وجماله، وهو جمعٌ يستحيل على قدرة البشر.
 
الاستقلالية العلمية وأدب الخلاف (بين الغزالي وابن تيمية):
لقد تجلى المنهج العلمي الباذخ للدكتور زرزور في قدرته الفذة على الجمع بين "الاستقلالية النقدية" و"أدب الخلاف". ففي قراءته العميقة لعقيدة السلف في آيات الصفات، انحاز بوضوح إلى تأصيلات الإمام الغزالي التي تنفي قطعيًا شبهة التجسيم، مقدمًا إياها على اجتهادات شيخ الإسلام ابن تيمية في قضية "الحمل على الظاهر" ونفي التأويل. ورأى – مستندًا لنقد الإمام ابن الجوزي – أن حمل النصوص على ظاهرها المعهود يتعارض موضوعياً مع نفي التشبيه.
ومع هذا النقد الصريح، تتجلى وسطيته وإنصافه؛ إذ لم يمنعه خلافه العلمي الدقيق مع ابن تيمية من الإشادة المستمرة بدوره العظيم في "النهضة السلفية" التجديدية بعد سقوط بغداد. وكان منهجه الصارم يلزمه بالعودة إلى المصادر الأصلية، فلا ينقل رأيًا إلا من كتب صاحبه مباشرة؛ مبتعدًا عن الاجتزاء، رافضًا تحميل العلماء مآلات لا يعتقدونها، ومقررًا أن كل إمامٍ يُؤخذ من قوله ويُرد، دون أن يُمَس جلال قدره ومكانته في الأمة.
 
العلامة عدنان زرزور.. منهجية الوسطية وتجديد النظر في تاريخ الفِرق الإسلامية:
إن الحديث عن أعلام الفكر الإسلامي الذين جسدوا "الوسطية" منهجاً وتطبيقاً، يقودنا حتماً إلى الوقوف عند التراث الفكري العميق الذي تركه العلامة الأستاذ الدكتور عدنان محمد زرزور، رحمه الله. فلم تكن الوسطية لديه مجرد شعار يُرفع، بل كانت تأصيلاً علمياً دقيقاً، وقراءة واعية لتاريخ الأمة وتراثها، وقدرة فذة على تفكيك الإشكاليات التي أورثت الأمة نزاعات تاريخية امتدت آثارها إلى يومنا هذا. ولعل من أبرز تجليات هذه الوسطية في فكره، رؤيته النقدية العميقة لمسألة "الفرق الإسلامية والمدارس الكلامية"، وكيفية تعاطي العقل المسلم مع الخلاف العقائدي والفكري.
 
التمييز المنهجي بين "المدارس الكلامية" و"الفِرق":
يؤسس الدكتور زرزور مقاربته على تفريق منهجي دقيق بين مكونات التاريخ الفكري الإسلامي؛ فهو يرى أن الأمة عرفت "مذاهب فقهية" وعرفت في الوقت ذاته "مدارس كلامية فكرية" كالأشاعرة والماتريدية والمعتزلة. وفي المقابل، هناك ما يُعرف بـ "الفِرق"، وهي في حقيقتها تيارات خرجت عن دائرة الإسلام ونقضته، كالباطنية والزنادقة وأصناف الملاحدة.
ويرى رحمه الله أن الخلط المنهجي بين "المدارس الكلامية" التي تمثل اجتهاداً فكرياً داخل الإطار الإسلامي، وبين "الفِرق" الخارجة عنه، هو الذي أوقع كثيراً من العلماء والباحثين في مآزق كبرى. فالمدارس الكلامية، في جوهرها، مارست الاجتهاد في تفسير "آيات العقائد"، تماماً كما مارس الفقهاء الاجتهاد في "آيات الأحكام". وكلاهما استند إلى نصوص الوحي وأعمل العقل الذي رفع القرآن من شأنه وأسس خطابه عليه في مئات الآيات.
 
العقل الناقد في قراءة التراث لا التلقي السلبي: ولعل من أهم ما يُميز المنهج العلمي عند الدكتور زرزور، تجاوزه لمربع "التلقي السلبي" للموروث، إلى رحابة "العقل الناقد" الذي يزن الأمور بميزان العلم الدقيق. فلم يتعامل مع المصنفات القديمة بوصفها نصوصاً مقدسة أو مسلمات لا تقبل المراجعة، بل أخضعها للتمحيص النقدي. لقد أدرك بوعي المفكر أن اجتهادات السابقين، مهما بلغت جلالة قدر أصحابها، تظل جهداً بشرياً محكوماً بظروف عصرهم، قابلاً للأخذ والرد. وهذا المنهج النقدي ليس هدماً للتراث، بل هو أسمى درجات الاحترام له؛ إذ ينقيه من الشوائب ويعيد تقديمه حياً وفاعلاً.
 
نقد منهجية كُتب "الملل والنحل":
وتطبيقاً لهذا العقل الناقد، يوجه الدكتور زرزور نقداً علمياً رصيناً لمناهج بعض المؤرخين الأوائل للفرق، مثل البغدادي والشهرستاني، الذين أسقطوا حديث "افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة" على المدارس الكلامية الإسلامية. ويشير إلى خللين في هذا الإسقاط: الأول، محاولتهم حصر هذه الفرق في تيارات ظهرت حتى القرن الخامس الهجري فقط، متناسين أن مفهوم الأمة ممتد إلى يوم القيامة، مما يجعل الحصر التاريخي المبكر غير دقيق علمياً. والثاني، تعسفهم في تفريع المدارس وتشطيرها لتكتمل لديهم العدة الرقمية المذكورة في الحديث، حتى إنهم جعلوا من مدرسة واحدة كالمعتزلة نحو عشرين فرقة، وهو ما يراه "مِن فاسد القول وفاسد الرأي" لمخالفته الواقع التاريخي الفعلي.
 
الخلاف في دائرة "الصواب والخطأ" لا "التكفير والتبديع":
تتجلى قمة الوسطية والاعتدال عند الدكتور زرزور في حكمه على الخلاف بين المدارس الفكرية والكلامية. فهو يؤكد بقوة أن هذه المدارس قد حملت لواء الإسلام ودافعت عنه بالحجج العقلية أمام الخصوم. وبناءً على ذلك، فإن ميدان الخلاف بينها هو ميدان "الخطأ والصواب"، وليس ميدان "التكفير والتبديع والتفسيق". فالخلاف الفكري هنا هو اختلاف اجتهاد؛ يحتمل الإصابة والخطأ، ويبقى أصحابه داخل دائرة الإسلام الواسعة ومظلة الأمة الجامعة.
إن هذه الرؤية الزرزورية العميقة تفتح آفاقاً واسعة للتقريب بين أبناء الأمة، وتسحب سلاح الإقصاء الذي طالما شُهر في وجه المخالفين في الرأي. إن إخراج المدارس الفكرية من دائرة "الفرق" وإعادتها إلى مساحة "الاجتهاد القابل للصواب والخطأ"، هو جوهر الوسطية التي نحتاجها اليوم لبناء عقل مسلم متسامح، يدرك سعة الإسلام، ويعذر المخالف، ويحفظ للأمة وحدتها وتماسكها.
رحم الله العالم المفكر المحقق والمدقق الأستاذ الدكتور عدنان محمد زرزور، فقد كان بحد ذاته مدرسة في إنصاف التراث وتجديد الفهم. وجزاه عن القرآن وعلومه وعن الأمة خير الجزاء. خالص العزاء لأسرته الكريمة، ولتلامذته، ومحبيه، والمكتبة الإسلامية التي فقدت أحد كبار بناتها.
 
اللهم اجعل كل حرف كتبه في ميزان حسناته، وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة.

#المنتدى_العالمي_للوسطية

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.