wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
صناعة الفتوى

د. أحمد ياسين القرالة

قد يكون هناك شيء من الغرابة في العنوان، ولكنه تعبير صادق وصحيح عن كيفية بناء الفتوى وإخراجها لتكون معبرة عن حكم الشارع ومتوافقة مع مقاصده العامة.
فليست الفتوى مجرد رأي يقوله المفتي أو حكم مرتجل ينطق به، بل هي صناعة خطيرة تحتاج لتأهيل خاص ومهارة متميزة ودراية بالواقع ودراسة معمقة لأحوال الناس وظروفهم العامة، حتى لا تؤدي الفتوى إلى مآلات ممنوعة وعواقب وخيمة تناقض مقاصد الشارع وتتعارض مع أهدافه، تعصف بالمجتمع وتلحق به الضرر والأذى.
فالفتوى سلاح ذو حدين يمكنها أن تحفظ للمجتمع تماسكه وتعمل على تقدمه وازدهاره وتؤدي إلى رفعته وسموه إذا ما أُحسن صناعتها وتسويقها، وفي الوقت ذاته قد تؤدي إلى تقهقره وتخلفه وتعمل على خلخلة نسيجه الاجتماعي وإضعاف وحدته الوطنية إذا ما أسيء صناعتها وإخراجها.
ونظراً لأهمية الفتوى وخطورتها على الأفراد والمجتمعات ألف ابن قيم الجوزية كتابا في أربعة مجلدات لبيان ماهية الفتوى وكيفية بنائها، حيث اعتبر المفتيَ بفتواه يوقع نيابة عن ربّ العالمين؛ مما يوجب عليه أن يتحرى الحق ويجتهدَ في أن تكون فتواه تعبيراً حقيقياً عن حكم الشرع ومتوافقة تماماً مع مقاصده العامة والخاصة.
ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ازدادت خطورة الفتاوى المرتجلة والمتضاربة وأصبح ضررها مضاعفاً وأضحت سلبياتها مركبة وطويلة الأمد، حيث أسهمت تلك الوسائل في سرعة انتشارها وساعدت على وصولها إلى عوام الناس على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم، فأدى ذلك إلى تأجيج العواطف وإذكاء روح الاختلاف والفرقة وافتعال الصرعات وخلق المشكلات والمعضلات.
لذلك لا يجوز أن يتصدى للفتوى من ليس أهلاً لها؛ وأن لا يسمح لغير المختص بممارستها؛ لأن ضرره عندئذٍ يكون أكبر من نفعه، ولا يكون الشخص مؤهلاً لذلك إلا إذا أُعدَّ بطريقة علمية منهجية وكان يمتلك من المواهب الذاتية العقليةِ والوجدانيةِ ما يساعده على أداء مهمته بشكل سليم وتبليغ رسالته بطريقة صحيحة.
إن جودة الفتوى وحسن صناعتها تقتضي من المفتي أن لايصدر فتواه إلا بعد التبصر بعواقبها ومآلاتها ومراعاة فقه الواقع والمتوقع، ومن الضروري له التمييز بين الفتوى الفردية والفتوى المتعلقة بالشؤون العامة، وعليه أن يميز بين فتواه لنفسه وفتواه لغيره، فإذا كان من المقبول له أن يأخذ بالشدة في حق نفسه وأن يتحرى الورع ويعتمد الأحوط، فليس له أن يفتي الناس بما يفتي به نفسه ولا أن يحملهم على الأخذ بما يأخذ به؛ فما يسع الفرد قد لا يسع العامة، وما يستطيعه الفرد قد لا يستطيعه الجمهور، فالمفتي الحصيف هو الذي يعرف كيف يفتي ومتى يفتي ولمن يفتي.

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.