
في مواجهة الإلحاد ..
ماهي المنهجية الناجحة في تفكيك أطروحات الملحدين !!
د. عوني على القضاة
باحث في الفكر الاسلامي
إنَّ المنهجية الناجعة في مواجهة الإلحاد تبدأ أولًا بمعرفة الحقائق قبل الإقدام على المواجهة، والالتزام بها بدقة ووعي. فالتعامل مع الإلحاد دون إدراك لمفهومه وأنواعه ومنهجيات مواجهته يُشبه من ينظر إلى انعكاس ضوء القمر على البحر فيظنه مصدر النور، بينما الحقيقة لا تُدرك إلا بالنظر المباشر إلى الشمس الساطعة.
ما المقصود بقولنا "معرفة الحقائق" وقولنا "مصدر النور"؟ ببساطة ووضوح تكمن الحقائق كلها في أصول عدة متناغمة غير متناقضة، وهذا مربط الفرس. الأصل الأول: معرفة الحقيقة العلمية التجريبية كما هي لا كما يظنها البعض. الأصل الثاني: معرفة الرياضيات ولغة الأرقام والمعادلات. ثالثا: معرفة المنطق والفلسفة كعلم مستقل لهما أسسهما وأصولهما. وأخيرا، معرفة الدين وتعدد الشرائع. كل هذه الأربعة لها أصولها، ولا يجوز نبذ بعضها، بل كلها تتناغم لتنتج أفضل ما لدى الانسان.
نعم، إن الأدلة المستخدمة في ساحات العمل الإسلامي للدلالة على الخالق ودحض الإلحاد متوفرة، مثل الاستدلال بالفطرة، والعلية، ودليل الجمال، والنظم، الا أنها تساق بفاعلية أقل، ولهذا سأوظفها ولكن بمنهجية أخرى.
أرى أن المشكلة الحقيقية التي تؤدي الى استنتاجات خاطئة عند العلماء والمثقفين والعامة تكمن في تبني مصدر واحد على أنه الأوحد والوحيد لتلقي الحقيقة، فمثلا: تشدق عالم الفيزياء الفلكية هوكينز بالعلم التجريبي كأساس وحيد لتفسير خلق الكون! وإهماله بكل وضوح للمنطق والفلسفة وأصولها والتي تستطيع باستطاعتها اثبات حقيقة الكون على أسسها ودعم الحقيقة العلمية التجريبية ولا تناكفها دون مناكفتها، كما أهمل بالإضافة إلى تماما التاريخ للتاريخ الإنساني الهائل للدين وشرائعه، والتي أثبتت تناغمها مع المنطق والفلسفة والرياضيات والعلم التجريبي. وقد أثبتُّ في كتابي "نحو فهم برمجة الخلق" ثمانية عشرة مثالا لبيان ذلك، وسأورد بعضها هنا.
لقد أهمل كثير ممن ينتسبون للدين فهم أصول الحقيقة العلمية التجريبية، لم ينظروا للشمس بذاتها بل اكتفوا بانعكاس القمر وخيالاته من خلال تبني فهم الآخرين ونقلهم عنهم، ونشروها كأساس ومصدر وما هي بأساس ولا بمصدر؛ فتاهت الحقيقة وظلمت، وتحول الصراع وتأجج!
وقبل البدء بذكر الأمثلة أرى أنه من الضروري التمييز بين الإلحاد الإيجابي الذي يزعم صاحبه نفي وجود الله تعالى جزمًا، والإلحاد السلبي الذي يكتفي صاحبه بغياب الإيمان دون إقامة برهان، وبين هؤلاء وأولئك والشكّاكين الذين يتردّدون بين الإيمان والجحود. هذا التفريق ليس ترفًا فكريًا، بل هو أساس أي مواجهة ناجحة، إذ لكل فئةٍ منهجية في النقاش والحوار. وقد بيّنت الدراسات الحديثة – مثل تقارير Pew Research Center وGallup – أن نسبة الملحدين الجازمين (الإيجابيين) لا تتجاوز 3% من سكان العالم، بينما يشكل اللاأدريون واللامنتمون دينيًا ما بين 9% إلى 16%، مما يثبت أن غالبية من يُحسبون على الإلحاد هم في الحقيقة أقرب إلى الحيرة أو الشك منهم إلى الجزم.
وهذا المعنى أصّل له القرآن من قبل؛ ففرّق بين الشاك الذي يحتاج إلى بيان: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلنَا إِلَيكَ فَاسأَلِ الَّذِينَ يَقرَءُونَ الكِتَابَ مِن قَبلِكَ﴾ [يونس: 94]، وبين المكابر الجاحد الذي يعرف الحق ويعرض عنه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاستَيقَنَتهَا أَنفُسُهُم ظُلمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: 14]. ومن هنا نفهم أن المنهجية الشرعية تقوم على الحكمة والموعظة الحسنة في مواجهة الشاك: ﴿ادعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكمَةِ وَالمَوعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلهُم بِالَّتِي هِيَ أَحسَنُ﴾ [النحل: 125]، بينما تختلف طريقة التعامل مع الملحد الإيجابي الذي يتخذ من إنكاره عقيدةً يجادل بها.
إذن، فالمعرفة المؤصّلة، المدعومة بالأدلة العقلية والنقلية والواقعية، هي التي تمنحنا القدرة على مواجهة أطروحات الإلحاد بوعيٍ وبصيرة، بعيدًا عن الانفعال أو الخطاب العاطفي. ومن هنا تبدأ الاستراتيجية السليمة للمواجهة.
إن مفهوم الإلحاد الإيجابي يكمن - ببساطة - في الإيمان الجازم بعدم وجود الله تعالى، أو أي إله أو أي قوة عليا مطلقًا، والاعتقاد بأن الوجود نشأ من الطبيعة وحدها، وأن الطبيعة قادرة على الاكتفاء بذاتها دون الحاجة إلى خالق، "وقَالُواْ مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا نَمُوتُ وَنَحۡيَا وَمَا يُهۡلِكُنَا إِلَّا ٱلدَّهۡرُۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِنۡ هُم إِلَّا يَظُنُّونَ" [الجاثية: ٢٤].
ويعتقد أصحاب هذا الرأي أن الإنسان هو من اكتشف القوانين وفسّرها، وأن ما لم يُكتشف بعد فسيتمكن العلم من اكتشافه يوما ما، ويقولون إن ما يعجز الإنسان عن تفسيره غالبا ما ينسب فشله الى ما يُعرف ب "فجوة الإله" (God of the gaps)، أي أنّ الإيمان عندهم مجرد مخرج من الفشل لا أكثر! وبما أنّ العلم التجريبي – في نظرهم – لم يستطع أن يكتشف الخالق، فلا معنى للإيمان إلا بدليل علمي محسوس.
إذن، يُلخّص الإلحاد الإيجابي في إنكار وجود خالق، والسبب في ذلك هو ارتكاز أصحابه على التجريبية العلمية(Empiricism) كمنهج أساسي، إذ يريدون شيئًا حسيًا يخضع للتجربة والبرهان.
استراتيجية الرد على هذا التيار:
أولًا: إن معرفة نسبة القائلين بهذا الرأي لا تتجاوز (3%) عالميًا – بحسب إحصاءات مراكز الأبحاث مثل Pew وGallup – لا يعني إهمال الرد عليهم، لأن الإيمان بالخالق عنده من الأدلة ما يكفي لترسيخه في القلوب والعقول، بل إن إهمال الرد عليهم اتقاءً أو تفاديًا قد يؤدي إلى ارتفاع نسبة اللاادريين المتشككين(agnostics)، وهذا أخطر من وجود الملحد الإيجابي نفسه. ذلك أن الملحد الإيجابي عنده مبدأ واضح، قد يتغير بالدليل، بينما الشاكّ يبقى صامتًا، يضمر حيرته، ويبث فكره المسموم في نفسه وأسرته ومجتمعه دون مواجهة. ومعلوم أن نصف الحل ليس بحل، فوجب إكمال الرحلة حتى الوصول إلى اليقين.
ثانيًا: معرفة الفرق بين الدليل العلمي التجريبي والدليل الرياضي العقلي:
الدليل العلمي التجريبي يخضع للتجربة والتحليل والتكرار، لذلك فهو ليس حتميًا 100%، بل 99.9% فما دون فهو عرضة للخطأ والتطور مع الزمن. قال نيوتن بثبات الزمن وظل هذا الاعتقاد سائداً لأكثر من مئتي عام حتى جاء اينشتاين ودحض نظرية نيوتن وقال بنسبية الزمن لا بثباته!
الدليل الرياضي/العقلي: وهو الدليل القائم على المنطق والرياضيات، ونسبته المئوية ١٠٠٪ حتمي لا يتخلّف. فالرياضيات تقول بأن: 1+1=2، والمنطق يقول بأن الكل أكبر من الجزء، والنقيضان لا يجتمعان. هذه بديهيات عقلية لا تتغير، فأي الدليلين أقوى؟ التجريبي أم المنطقي الرياضي؟
لا شك أن القانون الذي يتخلف أقل قوة من الدليل الحتمي الذي لا يتخلف، كإنسانٍ يأكل السمّ فلا يموت، أو احتمالية طلوع الشمس من مغربها، بينما المنطق الرياضي لا يتخلف أبدًا، فلن يأتي يوم نقول فيه أن ١+١ يحتمل ان يكون ٣، ولهذا فإن احترام العلم التجريبي أساس، واحترام الرياضيات والمنطق أساس آخر، يكملان بعضهما ولا يتناقضان. وما يحصل واقعا في ساحات العلم والنقاش يكمن في بث ضعف الدليل المنطقي وأنه لا يقوى أمام الدليل العلمي التجريبي، فوجب التنبيه على خطورة مثل هذا الخطأ، وأن الحق في التناغم لا التضاد.
حين ناقش العالم الفيزيائي العراقي محمد باسل الطائي نظيره العالم البريطاني ستيفن هوكينغ في نهاية الثمانينيات، حول مقولة هوكينغ إنّ "الجاذبية قادرة على إنتاج المادة دون الحاجة الى خالق"، ردّ الطائي عليه بسؤال عميق: "ومن الذي وضع قوانين الجاذبية أصلًا؟ من الذي قنن القوانين؟" وهذه مسألة لم يستطع العلم التجريبي الإجابة عنها، ولن يجيب عنها؛ لأنها تتجاوز دائرة التجربة إلى الميتافيزيقا، ولا يجيب عنها إلا المنطق والفلسفة والدين. ولهذا خلص كثير من علماء الرياضيات إلى أن الله هو الرياضي الأول، لأن الكون من الذرة إلى المجرة مبني على منظومة رياضية محكمة: المعادلات الرياضية أولًا، فالفيزياء ثانيًا، ثم الكيمياء، ثم الأحياء… إلخ. ومن هنا وجدنا أن عددًا من العلماء آمنوا بوجود خالق أعلى؛ وهذا الاستدلال يتناغم مع الدين بلا شك.
ثالثا: معرفة الاحصائيات التي تبين الناس الأكثر ذكاء من البشر ومدى ايمانهم بالخالق، مع الانتباه الى أن مراكز الإحصاء نفسها تختلف في نتائجها، حسب داعميها وأهدافهم، والدول، حيث يشاع بأن الفلاسفة وعلماء التجريب ملحدون، وهذا مغاير للحقيقة، والحقيقة التي أظهرتها دراسة على عشرة الاف عالم من الدول الغربية، أظهرت أن ٥٩٪ منهم يؤمنون بخالق، حسب:
(RASIC – Religion Among Scientists in International Context)
Elaine Howard Ecklund, 2015
وحسب الدراسة، لو أخذنا علماء فرنسا فقط لقال القائلون بأن نسبة الايمان عند العلماء ٢٤٪ ولا يذكرون بأن الدراسة تقتصر على فرنسا فقط! بل شملت الدراسة تسع دول متقدمة، وخرجت بنتيجة ٥٩٪ كمعدل. وبينت دراسات إحصائية قامت بها جالوب ٢٠٠٥ من أن ٧٦٪ من الأطباء في أمريكا يؤمنون بخالق.
قلت: ولو أضفنا العالم الإسلامي للدراسة السابقة لارتفعت النسب بشكل ملفت وقوي، لأن العالم الإسلامي وحده يمثل خمس العالم من ناحية، وهو مركز الايمان بالله من ناحية أخرى. ولهذا فلا أشك من أن النسبة العامة من العلماء الذين يؤمنون بخالق حول العالم قد تتجاوز ال ٦٦٪ . والنسب العامة والتي تشمل العلماء والعامة حوالي ٨٥٪.
إذن، غالبية أذكياء البشر يعتقدون وجود خالق لهذا الكون، مع الإختلاف في اعتقاداتهم الدينية.
رابعا: معرفة أن أصل الدين واحد، وأن كل الشرائع تعترف بخالق، ولكنها تختلف في طريقة ايمانها بهذا الخالق.
وقد دل الإسلام على هذه الحقيقة، حيث أن آدم عليه السلام يعتبر أول نبي جاء بالتوحيد، وجاءت ذريته من بعده وغيرت التوحيد، ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾[يونس: 19] اختلفوا فأدخلوا على التوحيد السياسة والمصلحة فانحرفت عقيدتهم، فبعث الله الرسل والأنبياء مبشرين ومنذرين، وصححوا الطريق بالهدى، فجاءت الإدريسية السمحة بالتوحيد، وظلت منار هدى، وأثرت في أول حضارة إنسانية مكتوبة، حضارة السومريين، فإذا افترضنا أن إدريس عليه السلام عاش في قومه مئة عام، كانوا فيها على التوحيد، إلا أن الحضارة نفسها امتدت لأكثر من ألفي عام، تخللها الكثير من التطور، والتحريف، كما نرى اليوم في الحضارة الأمريكية مع فارق في الزمان والمكان.
ثم جاءت الحضارة البابلية التي نتجت عن السومرية، ثم الفرعونية، وكلها كانت تؤمن بخالق، بعضها كان على التوحيد وبعضها على الشرك بالله، مع التأكيد على أن الله بعث في كل أمة أنبياء ورسل، وظلت الحضارات تترا، والرسل كذلك، مع ملحوظة هامة على أن الانسان بدأ حياته الأولى في منطقة الشرق الأوسط، مع خلاف بسيط في تحديد الدولة، هل كانت من اليمن، أم من مصر والسودان، أم من العراق.
ما يهمني التنبيه عليه على أن عدد سكان الكرة الأرضية في عهد المسيح عيسى ابن مريم (عليه السلام)، أي قبل الفي عام كان ما بين ٢٠٠ و ٢٥٠ مليون انسان فقط. حسب الاحصائيات.
وفي عهد النبي محمد كان عدد سكان الأرض ما يقارب ٤٠٠ الى ٥٠٠ مليون فقط، وهذا يعني أن انتشار البشر أصله من الشرق الأوسط، وأن بعث الأنبياء تركز في هذه المناطق، وأن قياس عدد سكان الصين مثلا ومقارنته على أنه أصل لا يصح، ولا شك أن الله تعالى بين لنا أنه "وإن من أمة إلا خلا فيها نذير" وهذه قاعدة مهمة وأن الفرد الذي لم يأته النذير يدخل في قوله تعالى: "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا".
خامسا: أهمية التفريق بين الكفر الإيجابي والكفر السلبي، فالكفر الايجابي حينما يعتقد صاحبه الرفض القطعي المتعمد والمقصود للخالق، ينكر ويجحد، يكذب عمدا، لا يريد أبدا أبدا، وهذا النوع من الكفر كما أراه لا يجاوز بأحسن تقدير الواحد بالمئة من البشر. ومع ذلك فإن واحدا بالمئة رقم كبير من بين ثمانية مليارات آدمي، ويعني ٨٠ مليون شخص، ولو افترضنا خمسين مليون فهذا يعني وجود عدد هائل من المجرمين على هذه الأرض، ومع ذلك لا يجوز تجريم أو تكفير أمم الأرض واستعداؤها، لأن الأصل فيهم الايمان، ولو كان ناقصا باعتباري الا انه ليس كذلك باعتبارهم. "كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم".
وأما الكفر السلبي فلا يدري صاحبه، لا أدري، يعرف ولا يعرف، لا دليل عنده، يود أن يعرف لكنه مشغول منهم في مشاكله وهمومه وأحزانه، وظروف حياته، قيل له شيء، ولا يدري. فهذا لا يعامل معاملة الذي يدري وينكر ويجحد ويرفض قصدا وعمدا.
التحقق المعرفي
مثال على تحقيق معادلة التحقق المعرفي:
هل بدأ الكون من الانفجار العظيم؟ علميا تجريبيا: نظرية الانفجار العظيم مقبولة في ساحات العلم التجريبي، وتحظى بالأغلبية، مع وجود أصوات قليلة لا تقبل بها، لكن المعتمد في ساحات العلم قبولها للأدلة المتوفرة وهي:
• تمدد الكون (Cosmic Expansion)
• إشعاع الخلفية الكونية الميكروي CMB))
• نسب العناصر الخفيفة (الهيدروجين، الهيليوم، الليثيوم)
• الانزياح الأحمر (Redshift)
• البنية الكونية واسعة النطاق (Large Scale Structure)
• القوانين الحرارية (Thermodynamics)
دينيا: هل يرفض الدين أم يقبل وجود نظرية تدل على أن الكون بدأ بانفجار عظيم ثم توسع؟
إسلاميا: لا، بل ان هذه الحقيقة العلمية تتناغم وتتوافق مع القران الكريم، حيث يقول تعالى: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأنبياء:30]. هذه الآية تدل على أن الكون كان كتلة واحدة ثم انفتق، وهناك اية أخرى تدل على توسع الكون يقول تعالى: ﴿ وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ ﴾ [الذاريات:47] والآية تدل على توسع الكون، وهذا ما يقوله العلم التجريبي، وتوسع الكون يعني أن الكون ليس أزليا بل له بداية، وستكون له نهاية، الانكماش الكوني، والانكماش الكوني يقول عنه القران الكريم: ﴿ يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ [الأنبياء:104].
منطقيا وفلسفيا: خروج الكون من نقطة بداية لا ترى، وانفجاره ليكون الذرة والمجرة، بعناصر لا تتجاوز المئة مركبة بمعادلات رياضية لا تتخلف، وقوانين صارمة، تحكم الكون له، فحبة القمح فيها خارطة جينية لتكون سنبلة نأكل منها، وبذرة الوردة فيها خارطة جينية لتصبح وردة بألوان، وروائح ع
بقة، والانسان يبدأ من نطفة وخلية واحدة فيها خارطة جينية لتكون مئة ترليون خلية ليصير الإنسان إنسانا، يأكل وتمتع، ويفكر، والكون كله بدأ من خارطة حملت الذرات والمجرات، لنكون نحن، لهدف وغرض من الوجود، أراده خالقه.
وكل ما سبق انما بدأ بالسببية والعلية، والعلية لا يمكن أن تكون بلا مسبب، ووجود القوانين والمعادلات لا يمكن أن تأتي بلا واضع لها، ذا إرادة، ومشيئة وقدرة وحكمة، وعلم، وكل هذا لا يشير الا لخالق. وتبقى فلسفة وجودنا، لماذا نحن هنا؟ لنعرف بوعينا خالقنا، يقول تعالى: "ونفخت فيه من روحي" اذ بلا وعي لا يمكن ان نقرأ الكلمات ولا ان نعرف ماذا يعني قوله تعالى "اقرأ"!
وأخيرا، أظن أن المنهجيات الناجعة لمواجهة الالحاد على ما سبق من تفصيل، يجب أن يصب في اصلاح الأنظمة العامة للبشر، فمع وجود الفقر والمرض، وانتشار الأمراض النفسية، وسوء إدارة التعليم كل ذلك يساهم في تفاقم التخلف، ويحفز معه أسباب الالحاد، فمع ايماننا ب "لا اله الا الله" ندرك أن الله رقيب حسيب، ومع رقابته سبحانه نتقيه، نكون قد بدأنا أول خطوات الحل للمواجهة الحقة مع النفس والغير.
ابحث
أضف تعليقاً