wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
قواعد الترجيح بين المصالح المرسلة عند الأصوليين
الشيخ محمد علي ربابعة

إن الترجيح من أهم الموضوعات التي ينبغي الاهتمام بها من قبل الباحثين حيث أنها لم تعط البحث الكافي، وفي  هذا المقال سأسلط الضوء على  أهم قواعد الترجيح بين المصالح؛ فإذا تعارض حكمان وكلاهما توافقه مصلحة مرسلة فإنه لا بد من قواعد للترجيح بينهما ، ويكون ذلك بناء على الترجيح بين المصلحتين المرسلتين:

  1. ترجيح المصلحة التي تخص عموم المكلفين على التي تخص بعضهم دون بعض، وقد أشار إلى هذه القاعدة ابن الحاجب [1]  ، وهو المفهوم من كلام الآمدي حين يقول في القياس: ( أن تكون علة أحد القياسين متضمنة لمقصود يعم جميع المكلفين والأخرى متضمنة لمقصود يرجع إلى آحادهم ، فالأولى أولى لعموم فائدتها [2]).

والسبب في هذا الترجيح أن الحكم إذا تضمن مصلحة تعم عموم المكلفين تكون أكثر فائدة من الحكم الذي فيه مصلحة تخص بعض المكلفين ، وما كان أكثر فائدة فهو أولى.

2-ترجيح الحكم الذي يوافق مصلحة ضرورية على ما يوافق مصلحة حاجية فيترجح الحكم الموافق لمصلحة ضرورية على ما يوافق مصلحة حاجية أو تحسيسنية؛ لأن المصالح الضرورية لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا بحيث إذا قعد لم تجر مصالح الناس على استقامة بل على فساد وتهارج وفوت في الحياة الدنيا ، وفي الآخرة تفوت نجاتهم ونعيمهم المقيم كما نص على ذلك الشاطبي [3].

 

ولكن هذه المصالح الضرورية قد تتعارض أحيانا فيكون أحد الحكمين يوافق مصلحة ضرورية دينية وأخر يوافق مصلحة ضرورية دنيوية وفي هذه الحالة اختلف الأصوليون على مذهبين :

القول الأول : ترجح الضرورة الدينية على الضرورة الدنيوية؛ لأن ثمرة المصلحة  الضرورية الدينية أكمل الثمرات وهي السعادة الأخروية ، وعلى هذا جمهور الأصوليين [4].

القول الثاني : ترجح الضرورة الدنيوية على الضرورة الدينية ، وذلك لأن حق الله تعالى مبني على المسامحة أما حقوق الناس فهي مبنية على الشح والمضايقة ، وهذا ما نص عليه ابن الحاجب [5]وذكره الآمدي كسؤال[6].

والقول الراجح هو ما ذهب إليه الجمهور لوجاهة الأدلة التي قدموها .

هذا إذا ما تعارضت المصالح الدينية مع الدنيوية ، أما إذا ما تعارضت المصالح الدنيوية مع بعضها البعض فإنه يرجح بينها على النحو التالي :

  1. يرجح الحكم الذي توافقه مصلحة حفظ النفس على الحكم الذي توافقه واحدة من المصالح الأخرى ، لأن حفظ الثلاثة الباقية إنما شرع لحفظ النفس.
  2. يرجح الحكم الذي فيه مصلحة حفظ النسب على الحكم الذي يوافقه مصلحة حفظ العقل؛ لأن حفظ النسب أشد تعلقا ببقاء النفس من حفظ العقل ، ثم العقل يرجح على المال؛ لأن العقل ملاك التكليف بخلاف المال.[7]
  1. ترجيح الحكم الموافق لمصلحة قطعية على الحكم الموافق لمصلحة غالبة الظن أو مشكوك فيها أو وهمية ، وذلك يقاس على كلام الآمدي في علة القياس حيث يقول : ( أن تكون علة أحد القياسين أفضى إلى تحصيل المقصود من الأخرى فتكون أولى لزيادة مناسبتها بسبب ذلك [8].)

المبحث الثاني

الأمثلة على الترجيح بين الأقوال بالمصلحة المرسلة

1-اختلف الفقهاء_ رحمهم الله_ في قطع اليد اليسرى بعد اليمنى في الحد على قولين :

القول الأول: أنه في المرة الأولى تقطع اليمنى و في الثانية تقطع الرجل اليسرى، ثم لا قطع بعد ذلك، وبه قال الحنفية [9]ورواية عن الحنابلة[10] .وبه قال علي بن أبي طالب، وعن عمر مثله [11] _ رضي الله عنهم _ .

القول الثاني : أنه تقطع اليد اليسرى في المرة الثانية ، وبه قال المالكية[12]، والشافعية[13]، والحنابلة[14] وهو مروي عن أبي بكر، فقد ورد عنه t أنه قطع سارق حلي أسماء و كان أقطع اليد و الرجل [15]..

أدلة القول الأول :

  1.  فعل علي بن أبي طالب[16] ، فقد روي أنه قال تقطع في المرة الأولى اليمنى وفي الثانية الرجل اليسرى ثم لا قطع بعد ذلك[17] .
  2. موافقة فعل علي بن أبي طالب مصلحة ضرورية هي حفظ النفس ، قال الكاساني: ( في قطع اليد اليسرى تفويت جنس منفعة من منافع النفس أصلا و هي منفعة البطش؛ لأنها تفوت بقطع اليد اليسرى بعد قطع اليمنى فتصير النفس في حق هذه المنفعة هالكة، فكان قطع اليد اليسرى إهلاك النفس من وجه، وكذا قطع الرجل اليمنى بعد قطع الرجل اليسرى تفويت منفعة المشي؛ لأن منفعة المشي تفوت بالكلية فكان قطع الرجل اليمنى إهلاك النفس من كل وجه، وإهلاك النفس من كل وجه لا يصلح حداً في السرقة كذا إهلاك النفس من وجه؛ لأن الثابت من وجه ملحق بالثابت من كل وجه في الحدود [18]).

أدلة القول الثاني :

  1. أن أبا بكر قطع سارق حلي أسماء وكان أقطع اليد والرجل [19].

 قال الشافعي رحمه الله : ( فبهذا نأخذ، فإذا سرق السارق أولاً قطعت يده اليمنى من مفصل الكف ثم حسمت بالنار، فإذا سرق الثانية قطعت رجله اليسرى من المفصل ثم حسمت بالنار، ثم إذا سرق الثالثة قطعت يده اليسرى من مفصل الكف ثم حسمت بالنار، فإذا سرق الرابعة قطعت رجله اليمنى من المفصل ثم حسمت بالنار، فإذا سرق الخامسة حبس و عزر[20]) .

القول الراجح :

يتبيّن من خلال أدلة القولين أن الراجح ما ذهب إليه الحنفية أنه تقطع اليد اليمنى، ثم الرجل اليسرى، ثم لا قطع بعد ذلك لما يلي :

  1. لأنه حكم يوافق مصلحة ضرورية؛ وهي حفظ النفس الإنسانية، وهي مقدمة على حفظ المال .
  2. لأننا إن قطعنا اليد اليسرى بعد اليمنى فوتنا مصلحة ضرورية؛ وهي قضاء الحاجات اللازمة لإصلاح نفسه ، وأصبح بحاجة إلى من يعوله ، وكذا إذا قطعنا رجله اليسرى فوتنا مصلحة ضرورية؛ وهي المشي، وهي تعود إلى حفظ النفس الانسانية ، وحفظ النفس مقدم على حفظ المال.
  1. اختلف الصحابة رضوان الله عليهم في انتظار امرأة المفقود على قولين :

 القول الأول : أنها تنتظر حتى يتيقن موته أو حياته، وهو قول علي بن أبي طالب [21]، وابن مسعود[22] .

القول الثاني : أنها تتربص أربع سنين ، وهذا قول عمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وابن عباس ، وابن عمر .[23]

وبناء عليه فقد اختلف الفقهاء من بعد في المسألة على أقوال :

القول الأول : أنه ينتظر حتى يتيقن موته أو حياته ، وإلا فبموت أقرانه ، وبه قال الحنفية[24] ، والشافعي في أحد قوليه[25].

 القول الثاني : أنها تتربص أربع سنين ، وبه قال المالكية[26] والحنابلة[27].

أدلة القول الأول :

  1. أن الأصل حياة المفقود والموت طارئ، فاستصحبنا الحكم الأصلي وحكمنا بحياته [28].
  2. الاستدلال بقول علي : ( إنها امرأة ابتليت، فلتصبر حتى يستبين موت أو طلاق )[29].

أدلة القول الثاني :

  1. أنه فقد رجل على عهد عمر فجاءت امرأته إلى عمر فذكرت له ذلك. فقال:       ( انطلقي فتربصي أربع سنين ....)[30].
  2. قضاء عثمان بن عفان وابن الزبير[31] .
  3. أن قضاء الصحابة بذلك انتشر ولم يظهر مخالف فكان إجماعاً [32].

الترجيح :

بناء على ما تقدم من أدلة الفريقين ، أرى رجاحة قول أنها تتربص أربع سنين ، وهو قول المالكية[33] والحنابلة[34]، للأدلة التي قدموها مضافاً إليها الأسباب التالية:

  1. إن في ذلك مراعاة لمصلحة ضرورية مرسلة كلية وهي حفظ النسل ، فامرأة المفقود إن انتظرت أكثر من أربع سنين فإنها يصيبها العنت والمشقة ، وبالتالي فقد تقع في الزنا ، خاصة إذا كانت متشوفة للرجال ، والمشقة مرفوعة في دين الله في قوله تعالى: ( ما جعل عليكم في الدين من حرج ).
  2. أنه إذا ظهر زوجها قبل الأربع سنين فإنه لا بأس بذلك، أما إن تأخر فلا بد لهذه المرأة من يقوم بها، ويصلح حالها، ويوفر لها الأمن والرعاية ؛ لا سيما إن غاب الولي عنها ، فإذا حرمناها من الزواج بعد الأربع سنين فإننا سوف نؤدي بها إلى التهلكة والمشقة.

 

[1] - مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد ج2 ص 317 ، المرداوي ، التحبير شرح التحرير ، ج8 ص 4255

[2] - الاحكام ج4 ص 497

[3] - الموافقات ج2 ص 8

[4] - الاسنوي على المنهاج ج3 ص 255 ، الابهاج شرح المنهاج ج3 ص 241 ، التقرير والتحبير ج3 ص 293

[5] - مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد ج2 ص 318

[6] - الاحكام ج4 ص 494

[7] - الاحكام ج4 ص 494 ، ابن الحاجب مع شرح العضد ج2 ص 318

[8] - الاحكام ج3 ص 239

[9] - السرخسي ، المبسوط ، ج9 ص 45 .

[10] - ابن قدامة ، المغني ، ج10 ،ص 297 ، دار الفكر .

[11] - الكاساني ،بدائع الصنائع ج7،ص 86 دار الكتاب العربي [ أتي بسارق أقطع اليد و الرجل قد سرق نعالا يقال له سدوم و أراد أن يقطعه فقال له سيدنا علي رضي الله عنه : إنما عليه قطع يد و رجل فحبسه سيدنا عمر رضي الله عنه و لم يقطعه ) انظر السرخسي ، المبسوط،ج7ص 269

[12] - مالك ، الموطأ ج4،ص 536

[13] - الشافعي ، الأم ج6،ص 150 

[14] - انظر ابن قدامة ،  ، المغني ،دار الفكر – بيروت الطبعة الأولى ، 1405 ج10،ص 267

[15] - الكاساني ، بدائع الصنائع ج7،ص 86 دار الكتاب العربي، والقصة أن  ( فتى أسود كان مع أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وكان يقرأ القرآن فبعث أبو بكر - رضي الله عنه - رجلا يسعى على الصدقة وقال له : اذهب بهذا الغلام معك يرع غنمك ويعنك فتعطيه من سهمك فذهب بالفتى فرجع وقد قطعت يده فقال : ويحك مالك قال : زعموا أني سرقت فريضة من فرائض الإبل فقطعني قال أبو بكر - رضي الله عنه - والله لئن وجدته قطعك بغير حق لأقيدنك منه قال : فلبثوا ما لبثوا ثم أن متاعا لامرأة أبي بكر سرق وذلك الأسود قائم يصلي فرفع يده إلى السماء وقال اللهم أظهر علي السارق اللهم أظهر علي السارق فوجدوا ذلك المتاع عنده فقال أبو بكر - رضي الله عنه - ويحك ما أجهلك بالله ثم أمر به فقطعت رجله  ).

 

[16] - الكاساني ، بدائع الصنائع ، ج7 ص 86 .

[17] - المرجع السابق ، ج7 ص 86 .

[18] - الكاساني ، بدائع الصنائع ج7،ص 86 دار الكتاب العربي

[19] - السرخسي ، المبسوط ، ج7 ص 269 .

الشافعي ، الأم ، ج6 ص 150 .

[20] - المرجع نفسه  ج6 ص 150

[21] -مصنف ابن أبي شيبة،ج7،ص ص 90 حديث رقم 12332 .

[22] - المرجع نفسه،ج7،ص 90 .

[23] - مصنف ابن أبي شيبة،ج3،ص 521 ، حديث رقم 16717. اختلاف العلماء ج1 ص143 .

[24] - السرخسي ، المبسوط ج11 ص 35 .

[25] - الشافعي ، الأم، ج5،ص 245

[26] - مالك ،  المدونة الكبرى ، ج4،ص 266 ،دار صادر ، ولكنهم يقولون أن بعد الأربعة سنوات يجب عليها أن تنتظر أربع أشهر وعشرة أيام كعدة المتوفى عنها زوجها.

[27] - المغني، ج9،ص 117

[28] - مصطفى السباعي ، عبد الرحمن الصابوني ، الأحوال الشخصية في الأهلية والوصية ، والتركات ، ط3 ، 1390 ، 1970 ، مطبعة جامعة دمشق ، ص 213 .

[29] - السرخسي ، المبسوط ، ج 11 ص 35 .

[30] - ابن قدامة ، الكافي في فقه ابن حنبل ، ج3 ص 314 .

[31] -المرجع السابق ، ج3 ص 314 .

[32] -المرجع السابق ، ج3 ص 314 .

[33] - مالك ،  المدونة الكبرى ، ج4،ص 266 ،دار صادر ، ولكنهم يقولون أن بعد الأربعة سنوات يجب عليها أن تنتظر أربع أشهر وعشرة أيام كعدة المتوفى عنها زوجها.

[34] - المغني، ج9،ص 117 

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.