wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
محمد إقبال .. شاعر الأمة الإسلامية وفيلسوف النهضة الحديثة

محمد إقبال: شاعر الأمة الإسلامية وفيلسوف النهضة الحديثة

د. زيد أحمد المحيسن

يحتلّ محمد إقبال مكانةً استثنائية في تاريخ الفكر الإسلامي الحديث، فهو من الشخصيات النادرة التي استطاعت أن تجمع في تكوينها بين عبقرية الشاعر، وعمق الفيلسوف، ورؤية المصلح الحضاري الذي حمل همّ أمته وسعى إلى استنهاضها في مرحلة كانت من أكثر مراحل تاريخها الحديث قسوة واضطرابًا. ولم يكن إقبال مجرد شاعرٍ يبدع الصور الفنية أو فيلسوفٍ ينشغل بالتأملات الذهنية المجردة، بل كان صاحب مشروع فكري متكامل هدفه إعادة بناء الإنسان المسلم واستعادة فاعليته التاريخية، ولذلك استحق أن يُنظر إليه بوصفه شاعر الأمة الإسلامية وفيلسوفها وأحد أبرز رواد نهضتها الحديثة.

وُلد محمد إقبال في مدينة سيالكوت بإقليم البنجاب سنة 1877 في ظلّ واقع سياسي وثقافي كانت تهيمن عليه السلطة الاستعمارية البريطانية على شبه القارة الهندية، بينما كان المسلمون يعيشون حالة من التراجع الحضاري والانكفاء الفكري بعد قرون طويلة من الإسهام في بناء الحضارة الإنسانية. وقد نشأ في أسرة متدينة عُرفت بالورع والتعلق بالقيم الإسلامية، فكان لذلك أثر بالغ في تكوين شخصيته الروحية والفكرية. ومنذ سنواته الأولى ظهرت عليه علامات النبوغ، فدرس العربية والفارسية والعلوم الإسلامية والآداب الكلاسيكية، قبل أن ينتقل إلى لاهور حيث تابع دراسته الجامعية في الفلسفة والأدب، ثم شدّ الرحال إلى أوروبا ليستكمل تكوينه العلمي في جامعاتها الكبرى. وفي كامبريدج ولندن وميونيخ اطّلع على التيارات الفكرية والفلسفية الحديثة، وتعرّف إلى أعمال كبار فلاسفة الغرب ومفكريه، غير أن هذه التجربة لم تدفعه إلى الانبهار غير النقدي بالحضارة الغربية، بل جعلته أكثر وعيًا بأزمة العالم الإسلامي وأكثر اقتناعًا بضرورة صياغة مشروع حضاري أصيل يستمد روحه من الإسلام وينفتح في الوقت نفسه على منجزات العصر.

 

لقد أدرك إقبال أن مأزق المسلمين لا يكمن في الدين ذاته، وإنما في حالة الجمود التي أصابت العقل المسلم وأفقدته القدرة على الاجتهاد والإبداع. ومن هنا انطلق مشروعه الفكري الذي تمحور حول فكرة مركزية عُرفت في فلسفته بمفهوم «الخُودي» أو «الذات»، وهو المفهوم الذي لا يقصد به الأنانية أو التمركز حول النفس، بل يعني بناء الشخصية الإنسانية الواعية والقوية القادرة على تحقيق إمكاناتها الكامنة والاضطلاع بمسؤوليتها في إعمار الأرض وصناعة التاريخ. فالإنسان عند إقبال ليس كائنًا سلبيًا محكومًا بالظروف، بل خليفة الله في الأرض، يمتلك من الطاقات الروحية والعقلية ما يؤهله لأن يكون فاعلًا في حركة الوجود لا مجرد متلقٍّ لأحداثه. ولذلك دعا إلى تنمية الإرادة، وإحياء الثقة بالنفس، والتحرر من الخوف والاستسلام، وربط الإيمان بالفعل، والروح بالحركة، والفكرة بالعمل.

 

وقد تجلت هذه الرؤية بصورة أكثر نضجًا في كتابه الشهير «تجديد التفكير الديني في الإسلام»، الذي يُعدّ من أهم الأعمال الفكرية في القرن العشرين. ففي هذا الكتاب سعى إلى إعادة قراءة التراث الإسلامي في ضوء تحديات العصر، مؤكدًا أن الإسلام دين حيوية وحركة وتطور، وأنه لا يعرف التعارض بين العقل والوحي ولا بين العلم والإيمان. وكان يرى أن توقف الاجتهاد عبر قرون طويلة قد أسهم في تعطيل الطاقة الخلّاقة للأمة، ولذلك دعا إلى استعادة هذا المبدأ بوصفه آليةً تضمن استمرار قدرة الشريعة الإسلامية على التفاعل مع المتغيرات التاريخية ومواكبة حاجات الإنسان المتجددة.

 

ولم تكن فلسفة إقبال معزولة عن تجربته الشعرية، بل كان شعره الامتداد الجمالي والفني لرؤيته الفكرية. فقد كتب بالأردية والفارسية، وجعل من القصيدة منبرًا لإيقاظ الوعي وبعث روح النهضة في النفوس، حتى غدا شعره مدرسة فكرية وأخلاقية أكثر منه مجرد إبداع أدبي. وفي قصائده يتداخل البعد الروحي بالبعد الحضاري، ويجتمع التأمل الصوفي بالحركة الثورية، وتتجاور الرقة الجمالية مع الدعوة إلى القوة والعزة والعمل. وقد تأثر تأثرًا عميقًا بــجلال الدين الرومي الذي اتخذه مرشدًا روحيًا ورمزًا للإنسان المؤمن المتحرر، غير أنه أعاد توجيه الروحانية الصوفية نحو ميادين الفعل والبناء، فجعل من الإيمان قوة دافعة للتغيير لا وسيلة للانسحاب من الحياة. ومن أشهر ما ردده في شعره دعوته إلى الارتقاء بالذات الإنسانية حتى تبلغ من القوة والصفاء درجة تجعلها قادرة على المشاركة في صنع قدرها، وهي الفكرة التي أصبحت من أبرز السمات المميزة لفكره وشعره على السواء.

 

وإذا كان إقبال قد انشغل ببناء الإنسان من الداخل، فإنه لم يغفل قضايا الأمة السياسية ومصيرها التاريخي. فقد كان يدرك أن المسلمين في شبه القارة الهندية يواجهون تحديات وجودية تتعلق بالحفاظ على هويتهم الدينية والثقافية، ولذلك طرح في خطابه الشهير بمدينة الله آباد سنة 1930 فكرة إقامة كيان سياسي مستقل للمسلمين، وهي الفكرة التي تطورت فيما بعد لتصبح الأساس الفكري الذي قامت عليه باكستان. وعلى الرغم من أنه لم يعش ليرى ميلاد هذه الدولة، إذ توفي سنة 1938، فإن اسمه ظل مرتبطًا بها بوصفه الأب الروحي الذي منح مشروعها بعده الفكري والحضاري.

 

وكانت نظرة إقبال إلى الأمة العربية تنبع من إيمانه العميق بمكانتها المركزية في التاريخ الإسلامي. فقد رأى في العرب حملة الرسالة الأولى، وحراس لغة القرآن الكريم، وركيزة أساسية لأي مشروع نهضوي إسلامي. ولم يكن إعجابه بالعرب نابعًا من اعتبارات عرقية أو قومية، بل من تقديره للدور الحضاري الذي أدوه حين حملوا رسالة الإسلام إلى العالم، ومن اقتناعه بأن نهضتهم وتجدد حضورهم الحضاري يشكلان عنصرًا جوهريًا في نهضة الأمة الإسلامية بأسرها. أما الأمة الإسلامية في نظره فلم تكن مجرد تجمع بشري تربطه عقيدة مشتركة، بل كيان حضاري ورسالة إنسانية تتجاوز الحدود الجغرافية والانتماءات العرقية. ولهذا ظل يدعو إلى الوحدة الإسلامية وإلى تجاوز العصبيات الضيقة التي تفتت جسد الأمة وتبدد طاقاتها.

 

وتقوم فلسفة إقبال في جوهرها على جملة من المرتكزات الكبرى؛ في مقدمتها الإيمان بكرامة الإنسان وقدرته على الإبداع، والإيمان بالحركة بوصفها قانون الحياة، ورفض السكون والجمود، والجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين العقل والإيمان، وبين الروح والمادة، إضافة إلى الدعوة المستمرة إلى الاجتهاد والتجديد واستعادة الثقة بالذات الحضارية للأمة. وهو في كل ذلك كان يسعى إلى تأسيس نموذج إنساني قادر على التفاعل مع العصر دون أن يفقد جذوره الروحية أو هويته الثقافية.

 

وقد خلّف إقبال إلى جانب دواوينه الشعرية وكتبه الفكرية عددًا كبيرًا من الأقوال التي تكثف رؤيته للحياة والإنسان والتاريخ. ومن أشهر ما نُسب إليه قوله: «الأمم تولد في قلوب الشعراء ثم تزدهر في أيدي الساسة»، وهي عبارة تختصر إيمانه بالدور الخلاق للفكرة قبل تحولها إلى واقع. كما أكد مرارًا أن قوة الأمم لا تُقاس بما تملك من ثروات أو أدوات، وإنما بما تمتلكه من إرادة ووعي وقدرة على الفعل. ولعل هذه الفكرة كانت الخيط الناظم لمشروعه كله؛ إذ ظل يؤمن بأن نهضة الأمة تبدأ من نهضة الفرد، وأن التغيير الحقيقي لا يُفرض من الخارج بل يُصنع في أعماق النفس الإنسانية.

 

وهكذا رحل محمد إقبال جسدًا في الحادي والعشرين من أبريل سنة 1938، لكن حضوره الفكري ظل متجاوزًا للزمان والمكان. فما يزال يُقرأ بوصفه شاعرًا وفيلسوفًا ومجددًا، وما تزال أفكاره مصدر إلهام لكل من يبحث عن سبل النهوض الحضاري في عالم تتجدد فيه التحديات باستمرار. لقد كان إقبال أحد أولئك المفكرين الذين لم يكتفوا بتشخيص أزمات عصرهم، بل سعوا إلى اكتشاف منابع القوة الكامنة في الإنسان والأمة، ولذلك بقي اسمه رمزًا للفكر الذي يجمع بين الإيمان والعقل، وبين الحلم والعمل، وبين الجمال والحقيقة، وجعل من الكلمة رسالةً ومن الفكر مشروعًا ومن الحياة جهادًا متصلًا من أجل بناء الإنسان وصناعة المستقبل.

 

 

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.