wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
"وللآخرة خير لك من الأولى"

وللآخرة خير لك من الأولى

الدكتور محمد عقله الدعجة

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد المبعوث رحمة للعالمين.

 أما بعد:

 فإن القرآن الكريم كتاب الله عز وجل، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حمید، أنزله الله تعالى هداية للناس وشفاء لأدوائهم، ونورا لبصائرهم وأبصارهم، وسكنا لجوارحهم، وطمأنينة لقلوبهم، وسكينة لنفوسهم، فما قرأ القرآن مؤمن، إلا زاده خشوعا وايمانا، وما قرأه عالم ، إلا زاده خشية ويقينا، وما قرأه مبتلى ومصابا، إلا زاده صبرا ورضاء وتثبيتا، إنها آيات القرآن التي لا يتجاوزها قارئ أو سامع، إلا وتلقفتها القلوب المتلهفة ، و النفوس المتشوقة، تلقف الأرض العطشی، لحبات المطر من السماء، إنه الغيث الذي لا يمكن للأرض أن تنبت خيراتها، وأن تخرج الباسق من شجرها. واليانع من ثمرها، ، والنضر من نباتها إلا به، كذلك هو- والله - كلام الله، قرآنه المنزل على قلب نبيه محمد صلی الله عليه وسلم. 

فالحمد لله على نعمائه، وعلى جزيل آلائه، والحمد لله على نعمة القرآن العظيم، أولا وآخرا، ومبتدءا وختاما، وسور القرآن كلها جليلة جميلة، وكريمة عظيمة. 

ولكنني أتوقف هنا عند سورة الضحى، وهي من السور المكية التي تنزلت علی قلب الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وهو يعاني أشد المعاناة من إيذاء قريش، الجحود والتكذيب، السخرية والاستهزاء، الصد عن سبيل الله والعدوان، الإيذاء المعنوي والجسدي، والحرب الإعلامية والاقتصادية، فما تركوا من سبيل لوقف الدعوة إلى الله عز وجل إلا انتهجوه، وما تركوا من طريق المعاداة للنبي صلى الله عليه وسلم إلا اتبعوه، وشأن هذه الأمة كذلك شأن نبيها صلى الله عليه وسلم الامتحان والابتلاء. 

والقرآن هو القرآن، لا يتغير ولا يتبدل ، محفوظ بحفظ الله عز وجل، يتنزل بردا وسلاما على القلوب الطاهرة، والنفوس الراضية، والأذان الواعية ، مهما كثرت الأشواك والعراقيل ، و تعقدت الطرق والحيل ، وقل الناصر والصديق ،، وادلهمت الخطوب والأخطار ، وزادت المعاناة والآلام، وكثرت الامتحانات والابتلاءات، والسورة الكريمة كغيرها من سور القرآن، زاد على الطريق، كلما قرأها المؤمن وتأملها، واستحضر أسباب نزولها، زادته إيمانا ويقينا ،بأنه لا بد بعد العسر من اليسر، وبعد المعاناة من السعادة، وبعد الآلام من العطاء حتى الرضا، وبعد الخوف من الأمن ، وبعد الكرب من الفرج ، وبعد الهم والغم من الفرح والسرور ، وتلك هي سنة الله تعالى مع من يحب، وما أجمل قول القائل في وصف جمال التعبير القرآني في هذه السورة حيث قال: (هذه السورة بموضوعها، وتعبيرها، وشاهدها، وظلالها، وإيقاعها، لمسة من حنان، ونسمة من رحمة، ولطائف من ود، ويد حانية تمسح على الآلام والمواجع ،وتنسم بالروح والرضا والأمل، وتسكب برد الطمأنينة واليقين، إنها كلها خالصة للنبي صلى الله عليه وسلم، كلها مناجاة له من ربه، وتسرية وتسلية، وترويح و تطمين، كلها أنسام من الرحمة، وأنداء من الود، و ألطاف من القربی، وهدهدة للروح المتعب، والخاطر المتعب، والقلب الموجوع). ولقد كان نزول السورة الكريمة، ردا حاسما ومزلزلا لأهل الشرك والكفر، والذين حاولوا إيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم والشماتة فيه، بأن الوحي انقطع عنه، وما عاد له اتصال مع السماء بانقطاعه، فانزل الله تعالى السورة الكريمة، تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم، ومواساة وتثبيتا، أخرج الشيخان عن جندب رضي الله

عنه قال: (اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتته امرأة فقالت: يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك فانزل الله تعالى: (والضحى * والليل إذا سجی * ما ودعك ربك وما قلى). 

واخرج الطبراني عن جندب رضي الله عنه قال: (أبطأ جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال المشركون : قد ودع محمد، فأنزل الله ( ما ودعك ربك وما قلى ). وأخرج الترمذي عن جندب رضي الله عنه قال : (رمي رسول الله صلى الله عليه وسلم بحجر في إصبعه فقال : هل أنت إلا إصبع دميت، وفي سبيل الله ما لقيت ). فمكث ليلتين أو ثلاثا لا يقوم فقالت له امرأة: ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فنزلت: (والضحى) إلى (وما قلى). وأما عن مناسبة السورة الكريمة لما قبلها وهي سورة الليل: فقد قال الألوسي: لما ذكر سبحانه وتعالى فيما قبلها : ( وسيجنبها الأتقى ). وكان سيد الأتقين رسول الله صلى الله عليه وسلم، عقب سبحانه وتعالى بذكر نعمة الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم، ولما كانت الأولى سورة أبي بكر رضي الله عنه، وهذه سورة رسول الله صلى الله عليه وسلم، عقب جل وعلا بها، ولم يجعل بينهما واسطة، ليعلم أن لا واسطة بين رسول الله صلى الله عليه وسلم والصديق رضي الله عنه، ويشير هنا إلى ثناء الله تعالى على أبي بكر الصديق رضي الله عنه حيث أنه هو المقصود بقوله تعالى : (وسيجنبها الأتقي) . في سورة الليل حيث كان أبو بكر رضي الله عنه يعتق عجائز ونساء أسلمن ، فقال له أبوه أبو قحافة : لو أعتقت أقوياء يمنعونك ويدافعون عنك ، فقال : يا أبت أريد ما عند الله . يقول الشيخ سعيد حوى: في بيان محور السورة الكريمة تنتهي سورة الليل بقوله تعالى: (ولسوف يرضى). ويأتي في سورة الضحى قوله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم: (ولسوف يعطيك ربك فترضى) ومر معنا في سورة الليل قوله تعالى: و إن لنا للآخرة والأولى). ويأتي في سورة الضحى: (وللآخرة خير لك من الأولى). ومر معنا في سورة الليل قوله تعالى: (فأما من أعطى واتقی) ، (الذي يؤتي ماله يتزکی). ويأتي في سورة الضحى قوله تعالى: (فأما اليتيم فلا تقهر* وأما السائل فلا تنهر). ومن هذا ندرك صلة سورة الضحى بسورة الليل قبلها.

(والضحی والليل إذا سجی). يقسم سبحانه وتعالى بالضحى وهو صدر النهار حتى ترتفع الشمس، واقسم بالليل إذا اشتدت ظلمته ، وغطى كل شيء في الوجود وسجى الليل سكن وهدأ، وهذا دليل ظاهر على قدرته سبحانه وتعالى: ((ما ودعك ربك وما قلى). جواب القسم، ومعناه ما تركك ربك يا محمد منذ اختارك، ولا أبغضك منذ احبك ، وهذا مايؤكده القسم ، والوداع هو الفراق الذي لا لقاء بعده، وهذا ما تنفيه الآية الكريمة، بل أن الله مع نبيه، في كل لحظة من لحظات حياته، وفي كل سكنة وحركة، من سكناته وحركاته.

(وللآخرة خير لك من الأولى) لما فيها من الكرامات، ولأنها باقية خالصة عن الشوائب، فأما الدنيا فإنها مشوبة بالمضار، وهذا تنويه بقدر النبي صلى الله عليه وسلم، ومواصلته بالوحي، والكرامة في الدنيا، وعلو منزلته في الآخرة، وكذلك فإن آخرة أمر النبي صلى الله عليه وسلم مع رسالته، خير من أولها، ففي البداية المعاناة والجحود والتكذيب، وفي النهاية التمكين والإيمان والتصديق، وما أعد الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم في الآخرة من المقام المحمود، والحوض المورود والخير الموعود، خير مما أوتي في الدنيا، لذلك زهد النبي صلى الله عليه وسلم في الدنيا ولم يلتفت إليها، روى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال : أضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم على حصير فأثر في جنبه، فلما استيقظ جعل يمسح جنبه، فقلت يا رسول الله: إلا آذنتنا حتى نبسط لك على الحصير شيئا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مالي وللدنيا إنما مثلي ومثل الدنيا، كراكب ظل تحت شجرة ثم راح وتركها).

ولسوف يعطيك ربك فترضی) أي ولسوف يلقاك ربك بالعطايا والمنن، حتى تقر عينك، وينشرح صدرك، من الثواب، والشفاعة، والكرامة، والمقام المحمود، والكوثر الذي حافتاه قباب اللؤلؤ المجوف، وطينه المسك الأذفر، وما يفتح الله تعالى على أمتك من الكنوز، کنزا کنزا، فأعطاه الله تعالى خيري الدنيا والآخرة، فمنحه في الدنيا الظفر والنصر على الأعداء، وكثرة الأتباع والفتوح، وأعلى دينه، وشرح صدره، ورفع ذكره، وجعل أمته خير الأمم، وجعله شاهدا عليها، وجعلها شاهدة على الأمم، وأعطاه في الآخرة الشفاعة التامة، والحوض المورود، والمقام المحمود، وأرضاه تعالى في أمته حتى رضي عليه الصلاة والسلام، حيث روی مسلم في صحيحه أنه صلى الله عليه وسلم ذكر أمته فقال: (اللهم أمتي أمتي، وبکی فقال الله: يا جبريل اذهب إلى محمد واسأله ما يبكيك؟ - وهو أعلم - فأتی جبریل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسأله، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال، فقال الله: يا جبريل: اذهب إلى محمد وقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوئك). وفي الحديث الذي يرويه الشيخان : قال صلى الله عليه وسلم: (لكل نبي دعوة مستجابة، فتعجل كل نبي دعوته، واني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة). |

(ألم يجدك يتيما فآوی). استفهام تقرير، أي وجدك يتيماً بفقد أبيك قبل ولادتك أو بعدها (فآوی) ضمك إلى عمك أبي طالب، وقبل ذلك أواك إلى جدك عبد المطلب، فلم يزل صلى الله عليه وسلم بالحفظ والرعاية والعناية منذ صغره إلى شبابه، إلى أن ابتعثه الله على رأس الأربعين.

ووجدك ضالا فهدی) ومعنى الضلال هنا عدم معرفة الشريعة، كقوله تعالى: ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان). فالضلال هنا لا يمكن حمله على المقابل للهدی، لأن الانبياء معصومون من ذلك، وروى البغوي أن النبي صلى الله عليه وسلم ضل في شعاب مكة وهو صغير، ثم رده الله وقيل ضل في طريق الشام، وكان راكبا ناقة فرده الله.

(ووجدك عائلا فأغنى) أي وجدك فقيرا محتاجا فأغناك عن الخلق، بما يسر لك من أسباب التجارة ، وأغناك بمال خديجة، أو بما أفاء عليك من الغنائم، والرسول صلی الله عليه وسلم كان غني النفس، زاهدا في الدنيا لا يلتفت إليها، ولا يعظم شأنها، وفي الصحيحين أنه صلى الله عليه وسلم قال: (ليس الغني عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس). وفي صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم : (قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنعه الله بما أتاه).

فأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر * وأما بنعمة ربك فحدث). وفي هذا تحفيز على الإحسان الذي أفاضه الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم ،وأن من حق هذا الإحسان أن يقابل بالحمد والثناء على الله تعالی. وقد جعل الله تعالى حمده وشكره والثناء عليه، إحسانا إلى الضعفاء في المجتمع من أيتام وفقراء ومحرومين، فلا نهر لليتيم، ولا كسر لخاطره، وان أولى الناس برعاية اليتيم ، وجبر خاطره، من عرف اليتم وجربه، ولا زجر للسائل، وهو المحتاج إلى لقمة طعام تسد جوعته، أو ثوب يستر عريه، أو سائل علم، يغذي بجواب عقله، أو يتعرف على هدى، يعرف به طريق الخلاص لروحه، فهذه ثلاث من الوصايا تقابل ثلاثا من النعم.

فأما اليتيم فلا تقهر). مقابل نعمة الإيواء بعد اليتم ، (ألم يجدك يتيما فآوی). | وأما السائل فلا تنهر). مقابل نعمة الهدى بعد الضلال ، (ووجدك ضالا فهدی). وأما بنعمة ربك فحدث). مقابل نعمة الغنى بعد الفقر، (ووجدك عائلا فأغنى). والخطاب كذلك لأمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فينبغي عليها التأسي به ، والسير على نهجه ، وتنفيذ وصاياه ، وترسم خطاه ، فهو خير من أحسن إلى يتيم و آواه ،و أعطى سائلا وأدخل السرور على نفسه وقلبه وأرضاه، وخير من أجاب سائلا عن علم فشرح صدره وهداه ، وخير من شكر ربه من الخلق، فعبده حق العبادة، و أطاعه ورجاه ، و أمة محمد صلی الله عليه وسلم نبيها ورسولها، حري أن تتراحم فيما بينها ، وأن تشكر نعم الله عز وجل عليها ، وقد حباها مالا يحصى ولا يعد من الآلاء والنعم ، فهي أمة الإسلام والقرآن ، التي جمعها الله على الهدی ، ووحد صفها بعد طول فرقة ، فقواها بعد ضعف ، وكثرها بعد قلة ، وأعزها بعد ذلة، وجعلها خير أمة أخرجت للناس ،و أكثر أهل الجنة عددا، وأسبقهم إلى الجنة منزلا، وأرفعهم شرفا وذكرا.

عن انس بن بشير رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والمتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة). ومن شكر النعمة ذكرها وإفشاؤها والتحدث بها وتعدادها. فيا لجمال هذه السورة الكريمة، ويا لروعة بيانها، ويا لدقة أسرارها، وعمق معانيها، وتناغم آیاتها وفواصلها، والحمد لله أولا وآخرا.

 

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.