wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
وليد سيف ..حَكاء الوجدان العربي وصانع السردية البصرية

وليد سيف: حكّاء الوجدان العربي وصانع السردية البصرية

 

أ. سمير اليوسف

كاتب وقاص أردني

 

-النشأة والبدايات

ولد في مدينة طولكرم (الضفة الغربية) في 19 يناير 1948، ونشأ فيها بين مدارس مثل "الفاضلية" و"العمرية". قضى طفولته بالقرب من المخيمات، وعاش تجربته مع أهل المخيمات فضلاً عن أقران المدينة، وهو ما انعكس في أعماله الأدبية لاحقاً.

التعليم الأكاديمي

بكالوريوس في اللغة والأدب العربيين من الجامعة الأردنية عام 1966.

 دكتوراه في اللغويات من مدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية – جامعة لندن عام 1975.

المسيرة المهنية

عمل محاضراً في قسم اللغة العربية بالجامعة الأردنية لثلاث سنوات قبل أن يتفرغ للكتابة الدرامية التلفزيونية.

 منذ عام 1987، تولى منصب مدير الإنتاج التعليمي في جامعة القدس المفتوحة وأسهم في إعداد برامجها التحضيرية.

الإنتاج الشعري والأدبي

 كاتب وشاعر ومسرحي وناقد وأكاديمي.

 صدر له ثلاثة دواوين شعرية:

 قصائد في زمن الفتح (1969)

 وشم على ذراع خضرة (1971)

 تغريبة بني فلسطين (1980)

 أصدر روايات ضمن مشروع تحويل أعماله الدرامية إلى نصوص سردية، منها: "ملتقى البحرين" (2019)، "مواعيد قرطبة" (2021)، وملاحم "النار والعنقاء" أجزاء مثل "الرايات السود" و"صقر قريش".

 ألف سيرته الذاتية الفكرية في كتاب بعنوان "الشاهد والمشهود: سيرة ومراجعات فكرية" (2016).

الإبداع الدرامي التلفزيوني

 له مجموعة من الأعمال البارزة مثل:

 التغريبة الفلسطينية

 صلاح الدين الأيوبي

ثُلاثية الأندلس: صقر قريش، ربيع قرطبة، ملوك الطوائف

 عمر بن الخطاب

 الخنساء، عروة بن الورد، الدرب الطويل.

الجوائز التي نالها:

 جائزة عرار (1981)، جائزة غالب هلسا (1985) .

جائزة أفضل كاتب دراما بمهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون عن أعماله:

 صلاح الدين الأيوبي (2001)

 صقر قريش (2002)

 ربيع قرطبة (2003)

التغريبة الفلسطينية (2004).

 جائزة “تايكي” عن مسلسل “عمر” (2012).

في مسار الأدب العربي الحديث، وفي ذاكرة الدراما التي صنعت وجدان أجيال متعاقبة، يبرز اسم الدكتور وليد سيف كصرحٍ راسخ، وكشاهدٍ على قدرة الكلمة حين تُصاغ بالصدق، وتُروى بنزاهة، وتُشحذ بطاقة الخيال المبدع، على أن تصبح حياةً متجددة تتجاوز حدود الورق والشاشة، لتستقر في ضمير الأمة ووجدانها الجمعي. إنّ الحديث عن وليد سيف ليس استدعاءً لسيرة شخصية وحسب، بل هو استحضار لمسيرة فكرية وفنية كاملة، شكّلت وعياً عربياً مشتركاً، وبنت ذاكرة بصرية ووجدانية لا تزال آثارها ماثلة في أذهان الملايين.

وُلد وليد سيف في مدينة طولكرم الفلسطينية في التاسع عشر من كانون الثاني عام 1948، في لحظة تاريخية فارقة تزامنت مع نكبة فلسطين، وكأن ميلاده على تخوم الجرح هو الذي سيكتب لاحقاً قدره الإبداعي، إذ حمل منذ طفولته ملامح المخيم، وأحلام القرية، وتطلعات المدينة، جميعها في آنٍ واحد. في مدارس “الفاضلية” و“العمرية” تفتحت عيناه على عالم القراءة واللغة، وهناك لامس لأول مرة سحر الكلمة ووقع الشعر، لكنه في الوقت نفسه عاش التجربة القاسية للتهجير وما تركته من أثر في وجدانه. إن تلك التجربة المزدوجة – الجمع بين الألم والمعرفة – هي التي ستصوغ لاحقاً روحه المبدعة، وتجعل من نصوصه الدرامية والشعرية انعكاساً لوعي تاريخي ووجداني متشابك.

لم يكن وليد سيف طالباً عادياً، بل كان منذ صباه شغوفاً باللغة العربية، يرى فيها هويةً وانتماءً وملاذاً. هذا الشغف قاده إلى الجامعة الأردنية حيث درس اللغة والأدب العربيين، وحصل على درجة البكالوريوس عام 1966، ثم مضى في دروب البحث العلمي حتى شدّ رحاله إلى لندن، وهناك نال درجة الدكتوراه في اللسانيات من مدرسة الدراسات الشرقية والإفريقية عام 1975. في تلك السنوات لم يكتفِ بالتحصيل الأكاديمي، بل انغمس في أسئلة الهوية والمعنى، واستوعب أدوات البحث اللغوي والفكري، ليعود منها محمّلاً بزادٍ علمي ومعرفي جعله مؤهلاً ليتبوأ مكانةً مرموقة بين النقاد والأكاديميين.

من الأكاديمية إلى الدراما التلفزيونية

بعد عودته، عمل محاضراً في قسم اللغة العربية بالجامعة الأردنية، لكنه لم يستسغ أن تبقى المعرفة حبيسة القاعات الجامعية، أو أن ينحصر أثرها في النخبة الأكاديمية. فاختار أن يغادر التدريس الأكاديمي إلى فضاء أكثر رحابة وتأثيراً: فضاء الدراما التلفزيونية. لم يكن قراره هروباً من البحث العلمي، بل كان إدراكاً عميقاً أن الدراما هي المنبر الأوسع لإيصال الوعي، وأن الشاشة تستطيع أن تصوغ الذاكرة الشعبية كما لا تستطيع الكتب وحدها أن تفعل. منذ ذلك الحين، بدأ وليد سيف رحلة فريدة في صناعة الدراما العربية، رحلة مزجت بين التأصيل الأكاديمي والدقة التاريخية من جهة، وبين الحس الفني والخيال المبدع من جهة أخرى.

لكن قبل أن نلج إلى دراماه، لا بد أن نذكر أن وليد سيف شاعر أصيل، وأن بداياته كانت مع الشعر. فقد أصدر عدة دواوين شعرية في فترات مبكرة، منها "قصائد في زمن الفتح "عام 1969، و"وشم على ذراع خضرة" عام 1971، ثم ديوان "تغريبة بني فلسطين "عام 1980، حيث كان الشعر لديه هو اللغة الأولى للتعبير عن الهوية والانتماء والجرح الفلسطيني. ففي قصائده نجد ملامح الأرض والقرية والأم، ونسمع صوت الجموع المقهورة الباحثة عن خلاص، ونلمس حرارة التجربة التي لا تنفصل عن وجدان شاعر حمل فلسطين في دمه وعاشها في نصه. غير أن الشعر لم يكن كافياً لتفريغ ذلك الفيض، فكان أن انتقل إلى الدراما حيث امتلك أدوات أوسع وأقدر على التصوير والتمثيل والتأثير.

إبداعه الدرامي: التغريبة الفلسطينية وثلاثيته الشهيرة

ومن هنا تبدأ الأسطورة: التغريبة الفلسطينية، ذلك العمل الذي يُعدّ بحق ملحمة بصرية، لم يكتبه وليد سيف فحسب، بل عاشه وكأنه يستعيد ذاكرة أهله وشعبه. في التغريبة نلمح فلسفته كاملة: الدراما ليست تكراراً للتاريخ ولا توثيقاً بارداً للأحداث، بل هي حكاية الروح الجمعية، وتأريخ للذاكرة الحية التي تختزن مشاعر الناس وآلامهم وآمالهم. لقد صنع من مأساة التهجير سردية إنسانية عابرة للزمن، بحيث صار المشاهد العربي - مهما اختلفت جنسيته - يرى في التغريبة قصة أهله، وصار الفلسطيني يشعر بأن صوته وصل أخيراً إلى الشاشة الكبرى بصدق وإخلاص. شخصيات المسلسل - أبو صالح وأم صالح وخالد وأميرة - لم تكن مجرد أسماء، بل رموزاً لرحلة الإنسان الفلسطيني في القرن العشرين، رحلة الفقد والشتات والمقاومة والصمود.

ولم يقف إبداعه عند حدود القضية الفلسطينية، بل امتد إلى فضاءات التاريخ العربي والإسلامي. فكتب ثلاثيته الشهيرة عن الأندلس: "صقر قريش"، "ربيع قرطبة"، و"ملوك الطوائف". في هذه الأعمال لم يقدّم التاريخ كما هو مدوّن في الكتب، بل أعاد صياغته فنياً، وقرأه في ضوء أسئلة الحاضر، ليجعل من تاريخ الأندلس مرآةً لما نعيشه اليوم من انقسام وفرقة وصراع. فـ“عبد الرحمن الداخل” في صقر قريش ليس مجرد شخصية تاريخية، بل هو رمز لإرادة التأسيس والنهضة رغم الشتات، بينما مأساة ملوك الطوائف تنعكس كصدى للحاضر العربي المنقسم، حيث يفضي الصراع الداخلي إلى ضياع الوطن.

أما في "صلاح الدين الأيوبي "فقد قدّم شخصية القائد الفاتح بعيداً عن الأسطرة المبالغ فيها، فجعل منه إنساناً قبل أن يكون بطلاً، يعيش الشكوك والصراعات الداخلية، ويواجه معضلات السياسة والدين والحرب، ثم يتجاوزها بصلابة وإيمان. وفي "عمر بن الخطاب" بلغ مشروعه ذروة النضج، إذ استطاع أن يصوغ شخصية تاريخية كبرى في إطار درامي مشوّق، محافظاً على التوازن بين القداسة الدينية والبعد الإنساني. لم يكن عمر في المسلسل مجرد خليفة راشد، بل كان إنساناً يخاف ويغضب ويخطئ ويصحّح، وهو بذلك جسّد فكرة وليد سيف أن الدراما وسيلة لتجسيد إنسانية التاريخ، لا لتجميده في قوالب وعظية جامدة.

لقد نال وليد سيف عن هذه الأعمال العديد من الجوائز، من بينها جوائز مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون عن مسلسلاته: صلاح الدين الأيوبي (2001)، صقر قريش (2002)، ربيع قرطبة (2003)، التغريبة الفلسطينية (2004)، فضلاً عن جائزة "تايكي" عن مسلسل عمر عام 2012. غير أن الجوائز لم تكن هي ما يصنع قيمته، بل القيمة الحقيقية تكمن في أن أعماله دخلت كل بيت عربي، وأنها صارت جزءاً من ذاكرة الناس ومخزونهم الثقافي.

"الشاهد والمشهود.."سيرة ذاتية

إلى جانب الدراما، لم يتوقف وليد سيف عن الإنتاج الفكري والسردي، فكتب سيرته الذاتية الفكرية "الشاهد والمشهود: سيرة ومراجعات فكرية"عام 2016، حيث قدّم مراجعة نقدية صريحة لمسيرته، ولأفكاره حول التاريخ والهوية والدراما. وفي السنوات الأخيرة، اتجه إلى إعادة كتابة بعض أعماله الدرامية في صيغة روائية، فأصدر رواية "ملتقى البحرين (2019)، ثم "مواعيد قرطبة" (2021)، كما واصل مشروعه الروائي "النار والعنقاء" بأجزائه المتعددة، ليؤكد أن السرد هو رفيقه الأبدي، سواء كان شعراً أو دراما أو رواية.

لا يتعامل وليد سيف مع الدراما على أنها سجلّ جامد للأحداث أو مرآة للتاريخ كما هو، بل يرى فيها وثيقة حيّة قادرة على إعادة بعث التجربة الإنسانية وإبراز جوهرها. فالفن عنده لا يُكتفى فيه بتمجيد الماضي أو رصّ الوقائع، وإنما يستعاد بوصفه مادة حية تتيح مساءلة الحاضر وإعادة التفكير في المصير الإنساني. هذه الرؤية تجلت بوضوح منذ تجربته الكبرى في "التغريبة الفلسطينية"، حيث أعلن مبكراً أن طموحه هو تقديم "وثيقة درامية متكاملة"، عبارة تكثف تصوّره لمهمة الفن بوصفه صوغاً للذاكرة الجمعية، واستنطاقاً للواقع البشري من داخل هشاشته وقوته، لا من وراء أقنعة البطولة الجاهزة.

شراكة فنية مع المخرج حاتم علي

إن هذا المشروع لم يكن ليكتمل لولا الشراكة الفنية العميقة التي جمعته بالمخرج حاتم علي، والتي مكّنت النصوص من أن تتحوّل إلى مواسم درامية متينة البناء، واضحة الإيقاع، متماسكة في تصعيدها وفي طريقتها في توزيع المفاجآت والمصائر. فالحبكة عنده تقوم على قاعدة أساسية: قراءة الماضي لفهم الحاضر، لا لتأبيد الحنين إليه، وإعلاء الصراع الإنساني في مواجهة إغراءات التقديس الأعمى أو الاستعارة السطحية للتاريخ.

ومن هنا جاءت "التغريبة الفلسطينية" لتشكل علامة فارقة في الدراما العربية. لم يسبق لعمل تلفزيوني عربي أن حظي بإجماع نقدي وجماهيري مماثل، لأنها حولت مأساة سياسية إلى ملحمة إنسانية جامعة، رؤيت من زاوية الفلاح والمدينة والمخيم، وبعيداً عن الخطابية والشعار، قريباً من تفاصيل اليوميّ والحميميّ. لقد استطاع سيف أن يجعل الذاكرة الفلسطينية تعيد اختبار ذاتها على الشاشة، لا أن تتحجر في إطار وثيقة، فكان أن ظلّت هذه الملحمة حاضرة في كل دورة جديدة من الألم الفلسطيني. في الشخصيات نلمس تداخل الخاص والعام: "أبو أحمد" وهو يفاوض قسوة الأرض بصلابة الفلاح، و"علي" وهو يواجه معنى الرجولة والعدالة في عالم مضطرب. أما مشاهد التهجير وعبور الحدود وانكسار البيت، فقد جاءت ببلاغة الصورة وصدق المعايشة، بعيدة عن أي خطابية مفتعلة، لكنها عميقة في أثرها الرمزي. ولهذا غدت التغريبة مرجعاً وجدانياً يلوذ به الناس لفهم ذواتهم وتاريخهم.

الدراما عند وليد سيف تأويل للتاريخ..

ثم جاء مشروع الأندلس في ثلاثيته الشهيرة ليؤكد أن الدراما عند وليد سيف ليست مجرد حكاية عن الماضي، بل تأويلٌ للتاريخ وصراع المثال مع واقعه. "صقر قريش" و"ربيع قرطبة" و"ملوك الطوائف" ليست محطات منفصلة، بل رحلة تراجيدية كبرى تبدأ من تأسيس عبد الرحمن الداخل، تمر بازدهار الحضارة في عهد المنصور، وتنتهي إلى التفتت والانهيار زمن الطوائف. هنا تتجلى براعة الكاتب في بناء المصائر: شخصياته ليست ظلالاً رمزية فحسب، بل كائنات تصنعها اختياراتها وتنهزم في لحظات عمى أو كبرياء أو خضوع لضرورات الحكم. ولعل سرّ القبول الشعبي لهذه الأعمال أنها قدّمت الماضي قريباً لا غريباً، وجعلت من شخصياته أصداءً لهمومنا المعاصرة وإن حملت أسماءً قديمة. اللغة في هذه الأعمال فصحى رشيقة مقتصدة، تحافظ على إيقاع واحد من دون أن تثقل المشهد، بينما يتوزع البناء على وحدات سردية منتظمة تمنح العمل صرامة معمارية عالية، فتصبح قابليته للمشاهدة جزءاً من إتقانه البنائي لا من زخرفه الخارجي.

وحين تناول شخصية صلاح الدين، لم يقدّمها في صورة التمثال البرونزي المكرّس، بل بسطها في هيئة إنسان يتشكل عبر شبكة علاقات ومؤثرات، كاشفاً أن البطولة الحقيقية لا تُصنع في الفراغ بل في تفاصيل التجربة. أما في "عمر"، فقد واجه أصعب امتحان: كيف يمكن تقديم شخصية مثالية في الوعي الجمعي من دون أن تفلت من قوانين الدراما التي تقوم على الصراع والتحول والقرار؟ فجاء النص متوازناً بين الوفاء للمقاصد الكبرى للشخصية، وبين الالتزام بقوانين الفن، مقدّماً عمر بن الخطاب كقائد يتحرك في واقع حيّ، يخطئ ويصيب، يتردد ويقرر، لكنه يظل مشدوداً إلى أفق المثال.

الرؤية الفكرية لمشروعه

وإذا ما أردنا تلخيص الرؤية الفكرية التي يقوم عليها مشروعه، فإنها تقوم على فهم ظاهراتي للعلاقة بين الوعي والواقع: التاريخ ليس كتلة صلبة خارج إدراكنا، ولا الوعي مرآة محايدة تعكسه كما هو؛ إنما العلاقة جدلية حيّة يتغير فيها الطرفان. الماضي يُعاد تشييده عبر وعي الحاضر، والنص الأدبي يصبح مجالاً مفتوحاً للتأويل والمساءلة. ولهذا نجح وليد سيف في جعل التاريخ معاصراً بلا قسر، وفي تحريره من قداسة زائفة حين تتحول القداسة إلى ذريعة لإبطال السؤال. الفن عنده ليس تمجيداً للماضي ولا تزييفاً للذاكرة، بل مساءلة مفتوحة تجعل الإنسان في مواجهة ذاته ومصيره.

إن النظر في مشروع وليد سيف بكل امتداداته يكشف عن تجربة تتجاوز حدود الفن بمعناه الضيق إلى فعلٍ حضاريّ يسعى إلى إعادة وصل الإنسان العربي بذاكرته وتاريخه، دون أن يقع في فخّ الحنين المستكين أو التمجيد المبتذل. فالرجل لم يكتب الدراما ليزيّن بها فراغ الشاشة، ولا استعار التاريخ ليحوّله إلى متحف للبطولات، بل جعل منه مادةً نابضة بالأسئلة، يعيد صياغتها ضمن جدلٍ بين الماضي والحاضر، بين الواقع والوعي، بين المثال وحاجات البشر اليومية. في أعماله، يتبدّى التاريخ لا كأحجار صامتة، بل ككائن حيّ يطلّ من بين وجوه الناس، فيغدو مزيجاً من الألم والأمل، من الانكسار والمقاومة، من الهزائم العابرة ومن صلابة الروح الإنسانية التي لا تُمحى.

الفن أداة وعي

لقد أدرك وليد سيف أن الفن لا يكتمل بمجرد الترفيه أو الحكي، وإنما بقدرته على أن يكون أداة وعي، وشهادة تُسائل القارئ أو المشاهد، وتدفعه إلى إعادة التفكير في معنى وجوده وفي موقعه من سردية كبرى تتجاوزه. ولهذا تحوّلت "التغريبة الفلسطينية" إلى وثيقة وجدانية جامعة تتجاوز حدود الفن إلى فضاء الذاكرة الجمعية، فيما تحوّلت ثلاثية الأندلس إلى استعارة كبرى عن قيام الدول وسقوطها، وعن هشاشة المثال حين يواجه واقعه. أما "صلاح الدين" و"عمر"، فقد جاءا ليؤكدا أن البطولة ليست في تمجيد الأسماء بل في مساءلة أفعالها داخل سياق إنساني يتسع للصراع والتحوّل والخطأ والإصابة.

ومن الشعر الذي بدأ منه، إلى السيرة التي راجع بها تجربته، إلى الرواية التي فتح فيها فضاءً أرحب للأسئلة، ظل وليد سيف وفياً لخطّ واحد: أن يجعل الكتابة فعلاً للذاكرة، ومساحةً للتأمل، ومنبراً للأسئلة التي لا تهدأ. هو الكاتب الذي يعرف أن الحقيقة لا تُمتلك كاملة، بل تُلاحَق في مرايا الفن، وأن التاريخ لا يعود كما كان، بل يُعاد إنشاؤه من جديد في وعي الحاضر. وهنا يكمن سرّ استمرارية أثره: أن نصوصه لا تكتفي بأن تُرى مرة واحدة، بل تُستعاد مع كل جيل لأنها قادرة على أن تتجدد في ضوء تجارب القرّاء والمشاهدين..

أما على مستوى الرؤية الفكرية، فإن وليد سيف ظل يؤكد أن التاريخ ليس مجرد وقائع، بل هو مادة حية تتشكل في ضمير الكاتب، وأن روايته لا يمكن أن تكون محايدة تماماً، لكنها تستطيع أن تكون نزيهة وصادقة. لقد رفض فكرة "الموضوعية المطلقة" لأنها وهم، ورأى أن النزاهة والانتقائية الواعية أهم، وأن الدراما لا تعيد إنتاج الماضي كما هو، بل تطرح أسئلة كبرى عن الحاضر والمستقبل. وهكذا، نجد في مسلسلاته صدىً واضحاً للهموم المعاصرة، وإن كانت تدور في أزمنة بعيدة، لأن جوهرها إنساني يتجاوز الأزمنة.

مكمن القوة في أعمال وليد سيف

إن قوة وليد سيف تكمن في أنه جمع بين الأديب والشاعر والأكاديمي والدرامي، وبين الدقة العلمية والخيال الفني، وبين الذاكرة الفلسطينية والوعي العربي العام. في نصوصه نسمع صوت المخيم والقرية والمدينة، ونرى ملامح التاريخ والواقع، ونلمس قلق الإنسان وحلمه، جميعها تتداخل في نسيج واحد محكم. لذلك يمكن القول إن وليد سيف هو "حكّاء الذاكرة" بحق، وأن أعماله ستظل شاهدة على مرحلة من أعمق مراحل الوعي العربي.

وفي الختام يمكن القول إن وليد سيف لم يكن مجرد كاتب دراما أو شاعر أو أكاديمي، بل كان مشروعاً فكرياً متكاملاً. لقد قدّم للدراما العربية ما لم يقدّمه غيره: نصوصاً عالية اللغة، عميقة الرؤية، واسعة التأثير. نقل التاريخ إلى الشاشة لا ليحكيه كما هو، بل ليعيد قراءته ويستفز وعينا به. جسّد فلسطين لا كقضية سياسية فحسب، بل كقضية وجود وذاكرة ووجدان. علّمنا أن الدراما ليست ترفاً فنياً، بل وسيلة لصناعة وعي جماعي. وعلّمنا أيضاً أن الأديب الحقيقي لا ينفصل عن هموم أمته، بل يجعل من إبداعه مرآةً لآلامها وآمالها. وهكذا، يبقى وليد سيف علامة فارقة في الثقافة العربية، وواحداً من كبار صنّاع الوعي في زمنٍ يندر فيه الحضور الحقيقي للكلمة المخلصة.

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.