wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
“حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذِبوا جاءهم نصرنا”

د. محمد المجالي

هذه الآية من آخر سورة يوسف عليه السلام، السورة التي أستطيع تلخيصها بجملة واحدة هي: (إن مع العسر يسرا)، فمن كان يظن أن هذا الصبي الذي ألقاه إخوته في البئر، وكانوا متيقنين من هلاكه، سيرجعون إليه فيما بعد يطلبون منه المساعدة! هي في عرف البشر مستحيلة، ولكن لا مستحيل مع رب البشر سبحانه، ولا ننسى أن السورة نفسها نزلت والنبي محمد صلى الله عليه وسلم في أعلى درجات الابتلاء والصد، بعد أن رجع من الطائف وطرده أهلها وأدموا قدميه الشريفتين، بعدها أكرمه الله برحلة الإسراء والمعراج، وأنزل عليه سورة يوسف.
في آخر سورة يوسف حديث عن الدعوة، وضرورة استيفاء شروطها، وأن تكون على بصيرة، بل أن يكون شأن المؤمن كله على بصيرة من أمره، يسير في طاعة الله ورضاه، يتحمل في طريقه الأذى وهو موقن بنصر الله وتوفيقه له، وحتى لا يكون شيء من اليأس للدعاة أو أتباعهم، أنزل الله هذه الآية، وهي من المبشرات بالنصر، يحدوها المؤمن مستشعرا معية الله تعالى، العليم الخبير العزيز الحكيم.
في كلمة (كذبوا) قراءتان: (كُذِبوا، كُذِّبوا)، ونقل الخلاف حتى عن الصحابة في تفسيرها، وخلاصة القول إن اليأس مستحيل على الرسل، ولكن المقصود إما أن أتباع الرسل قد استبطأوا النصر كما قال الله تعالى: “حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله؟ ألا إن نصر الله قريب”، أو أن الرسل قد استيأسوا من قومهم الذين أُرسِلوا إليهم، وظن القوم المُرسَل إليهم أن الرسل قد كذبوا، حينها يأتي نصر الله، فينجي المؤمنين، ولا يُرَدّ بأسه سبحانه عن القوم المجرمين. كلا المعنيين الآن ممكنان، فالخوف من جهة المؤمنين أن يستبطئوا النصر، ومن جهة الظالمين أن يستنكروا وعد الله باستئصالهم.
في واقعنا اليوم ظلم مستفحل، طغيان وبغي ومصادرة للحريات، يُقتل ويُسجن أبرياء، يُيَتم أطفال وتُرَمّل نساء، ويساء إلى الدين بكل أنواع الإساءة، بل يتم تحريفه ويُتَجَرَّأ بالمجاهرة على تحريف مبادئه، ويُسَخَّر لهذا علماء افتُتِنوا واتبعوا أهواءهم، ويكاد هذا الوضع يعصف بظن المؤمن بالله ونصره، ولكننا نذكر بهذه الآية، صحيح إن وطأة الباطل شديدة، وأهل الحق مستضعفون، فهي سنن الله التي لا تتبدل، وهي مداولة الأيام بناء على وضعنا العام، وعلينا أن نعترف بتقصيرنا بحق ديننا، ولكن مع هذا، فالله يتدارك عباده، ويأتي الفرج من حيث لا نتوقع، ويُهزم الظلم وأهله من حيث لم يحتسبوا.
لقد تمادى هؤلاء الظلمة إلى درجة محادّة الله ورسوله والمؤمنين، وهنا نذكّر أنفسنا بآية أخرى، حيث قول الله تعالى: “إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين”، وهو بيان إلهي مطلق، واضح المعالم والنهايات، فمن يطيق محادة الله ورسوله ومحاربتهما؟ وكيف تجرّأ هؤلاء على أن يكونوا محادين لله ورسوله، وكذلك للمؤمنين، فهم معنيون بهذه المحادة والعداوة من باب التبعية، بل معاداة الله ورسوله تتم من خلال محادة المؤمنين ومعاداتهم، ولكنها مشيئة الله وحكمته، ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة، ولجعلهم كلهم مؤمنين، ومن هنا فالدنيا دار ابتلاء، ومن الابتلاء هذا التدافع بين الحق والباطل، فتأتي هذه الآية مؤنسة مسلية مبشرة للمؤمنين، بأن هؤلاء المحادّين لله ورسوله والمؤمنين مصيرهم الهزيمة المذلة، ولو بعد حين.
يزيدنا قناعة وإيمانا بهذا، أن الله تعالى أتبع هذه الآية بآيتين؛ الأولى: “كتب الله لأغلبن أنا ورسلي، إن الله قوي عزيز”، فهي متممة للبشارة، فلا يأس أبدا، فالغلبة للحق الذي قامت عليه السماوات والأرض، ومظاهر الباطل لا شك زائلة مهما انتفخ وتجبر.
أما الآية الثانية المتممة، فهي: “لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادّون من حادّ اللهَ ورسولَه، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم، أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه، ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها، رضي الله عنهم ورضوا عنه، أولئك حزب الله، ألا إن حزب الله هم المفلحون”، ونلحظ كيف ركزت الآية على موضوع الولاء في بعض صوره، حيث المودة التي ينبغي أن تكون لله ورسوله والمؤمنين، أما من حادّ اللهَ ورسولَه فهذا مناقض للإيمان بالله واليوم الآخر، فحين تكون فئة تحادّ الله ورسوله، فالأصل مجاهدتها وعلى الأقل بغضها لا موادتها، وذكر اليوم الآخر هنا تذكير بالمصير والحساب، وحين تفصّل الآية بعض من قد يكونوا محادين لله ورسوله نفهم صعوبة مجاهدة النفس في ذلك الابتلاء، فلا بد من مفاصلة مبنية على الوضوح في المبدأ والفكرة والولاء، فمن رضي لنفسه أن يكون محادّا لله ورسوله والمؤمنين، فلا يمكن أن أكون في صفه أبدا، ولو كان أبي أو ابني أو أخي أو عشيرتي.
لا بد من مفاصلة مع قوم رضوا بمعاداة الله ورسوله والمؤمنين، وهذا لا يمنع من النصح والعدل والدعوة وبيان الحق، فإن استمر القوم على منهجهم فأنحاز إلى الله ورسوله والمؤمنين، ويا له من وعد إلهي منه سبحانه، فهؤلاء حين يعلنون انتماءهم لله فلا شك لهم من الله عدة أمور هي تأييدهم بالإيمان الراسخ، وتأييدهم بروح منه، وإدخالهم الجنة، وأن يُحِل عليهم رضوانه، حينها يكونون مؤهلين في الدنيا والآخرة للفلاح والفوز، وأي فوز!!
حري بنا أن نراجع إيماننا والولاء لله ورسوله والمؤمنين، فمعظم مصائب المسلمين من تفرّق كلمتهم وبغضهم لبعضهم نتيجة هذا الخلل في الولاء، فما عاد الانتماء لهذا الدين بشموليته هو الرئيس بالنسبة لكثيرين، فالأمة في تردد وتيه لا بد معهما من حزم في علاقتنا مع الله، وأخذنا بأسباب العزة والنهضة.

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.