
إن الترجيح من أهم الموضوعات التي ينبغي الاهتمام بها من قبل الباحثين حيث أنها لم تعط البحث الكافي، وفي هذا المقال سأسلط الضوء على أهم قواعد الترجيح بين المصالح؛ فإذا تعارض حكمان وكلاهما توافقه مصلحة مرسلة فإنه لا بد من قواعد للترجيح بينهما ، ويكون ذلك بناء على الترجيح بين المصلحتين المرسلتين:
والسبب في هذا الترجيح أن الحكم إذا تضمن مصلحة تعم عموم المكلفين تكون أكثر فائدة من الحكم الذي فيه مصلحة تخص بعض المكلفين ، وما كان أكثر فائدة فهو أولى.
2-ترجيح الحكم الذي يوافق مصلحة ضرورية على ما يوافق مصلحة حاجية فيترجح الحكم الموافق لمصلحة ضرورية على ما يوافق مصلحة حاجية أو تحسيسنية؛ لأن المصالح الضرورية لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا بحيث إذا قعد لم تجر مصالح الناس على استقامة بل على فساد وتهارج وفوت في الحياة الدنيا ، وفي الآخرة تفوت نجاتهم ونعيمهم المقيم كما نص على ذلك الشاطبي [3].
ولكن هذه المصالح الضرورية قد تتعارض أحيانا فيكون أحد الحكمين يوافق مصلحة ضرورية دينية وأخر يوافق مصلحة ضرورية دنيوية وفي هذه الحالة اختلف الأصوليون على مذهبين :
القول الأول : ترجح الضرورة الدينية على الضرورة الدنيوية؛ لأن ثمرة المصلحة الضرورية الدينية أكمل الثمرات وهي السعادة الأخروية ، وعلى هذا جمهور الأصوليين [4].
القول الثاني : ترجح الضرورة الدنيوية على الضرورة الدينية ، وذلك لأن حق الله تعالى مبني على المسامحة أما حقوق الناس فهي مبنية على الشح والمضايقة ، وهذا ما نص عليه ابن الحاجب [5]وذكره الآمدي كسؤال[6].
والقول الراجح هو ما ذهب إليه الجمهور لوجاهة الأدلة التي قدموها .
هذا إذا ما تعارضت المصالح الدينية مع الدنيوية ، أما إذا ما تعارضت المصالح الدنيوية مع بعضها البعض فإنه يرجح بينها على النحو التالي :
المبحث الثاني
الأمثلة على الترجيح بين الأقوال بالمصلحة المرسلة
1-اختلف الفقهاء_ رحمهم الله_ في قطع اليد اليسرى بعد اليمنى في الحد على قولين :
القول الأول: أنه في المرة الأولى تقطع اليمنى و في الثانية تقطع الرجل اليسرى، ثم لا قطع بعد ذلك، وبه قال الحنفية [9]ورواية عن الحنابلة[10] .وبه قال علي بن أبي طالب، وعن عمر مثله [11] _ رضي الله عنهم _ .
القول الثاني : أنه تقطع اليد اليسرى في المرة الثانية ، وبه قال المالكية[12]، والشافعية[13]، والحنابلة[14] وهو مروي عن أبي بكر، فقد ورد عنه t أنه قطع سارق حلي أسماء و كان أقطع اليد و الرجل [15]..
أدلة القول الأول :
أدلة القول الثاني :
قال الشافعي رحمه الله : ( فبهذا نأخذ، فإذا سرق السارق أولاً قطعت يده اليمنى من مفصل الكف ثم حسمت بالنار، فإذا سرق الثانية قطعت رجله اليسرى من المفصل ثم حسمت بالنار، ثم إذا سرق الثالثة قطعت يده اليسرى من مفصل الكف ثم حسمت بالنار، فإذا سرق الرابعة قطعت رجله اليمنى من المفصل ثم حسمت بالنار، فإذا سرق الخامسة حبس و عزر[20]) .
القول الراجح :
يتبيّن من خلال أدلة القولين أن الراجح ما ذهب إليه الحنفية أنه تقطع اليد اليمنى، ثم الرجل اليسرى، ثم لا قطع بعد ذلك لما يلي :
القول الأول : أنها تنتظر حتى يتيقن موته أو حياته، وهو قول علي بن أبي طالب [21]، وابن مسعود[22] .
القول الثاني : أنها تتربص أربع سنين ، وهذا قول عمر بن الخطاب ، وعثمان بن عفان ، وابن عباس ، وابن عمر .[23]
وبناء عليه فقد اختلف الفقهاء من بعد في المسألة على أقوال :
القول الأول : أنه ينتظر حتى يتيقن موته أو حياته ، وإلا فبموت أقرانه ، وبه قال الحنفية[24] ، والشافعي في أحد قوليه[25].
القول الثاني : أنها تتربص أربع سنين ، وبه قال المالكية[26] والحنابلة[27].
أدلة القول الأول :
أدلة القول الثاني :
الترجيح :
بناء على ما تقدم من أدلة الفريقين ، أرى رجاحة قول أنها تتربص أربع سنين ، وهو قول المالكية[33] والحنابلة[34]، للأدلة التي قدموها مضافاً إليها الأسباب التالية:
[1] - مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد ج2 ص 317 ، المرداوي ، التحبير شرح التحرير ، ج8 ص 4255
[2] - الاحكام ج4 ص 497
[3] - الموافقات ج2 ص 8
[4] - الاسنوي على المنهاج ج3 ص 255 ، الابهاج شرح المنهاج ج3 ص 241 ، التقرير والتحبير ج3 ص 293
[5] - مختصر ابن الحاجب مع شرح العضد ج2 ص 318
[6] - الاحكام ج4 ص 494
[7] - الاحكام ج4 ص 494 ، ابن الحاجب مع شرح العضد ج2 ص 318
[8] - الاحكام ج3 ص 239
[9] - السرخسي ، المبسوط ، ج9 ص 45 .
[10] - ابن قدامة ، المغني ، ج10 ،ص 297 ، دار الفكر .
[11] - الكاساني ،بدائع الصنائع ج7،ص 86 دار الكتاب العربي [ أتي بسارق أقطع اليد و الرجل قد سرق نعالا يقال له سدوم و أراد أن يقطعه فقال له سيدنا علي رضي الله عنه : إنما عليه قطع يد و رجل فحبسه سيدنا عمر رضي الله عنه و لم يقطعه ) انظر السرخسي ، المبسوط،ج7ص 269
[12] - مالك ، الموطأ ج4،ص 536
[13] - الشافعي ، الأم ج6،ص 150
[14] - انظر ابن قدامة ، ، المغني ،دار الفكر – بيروت الطبعة الأولى ، 1405 ج10،ص 267
[15] - الكاساني ، بدائع الصنائع ج7،ص 86 دار الكتاب العربي، والقصة أن ( فتى أسود كان مع أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - وكان يقرأ القرآن فبعث أبو بكر - رضي الله عنه - رجلا يسعى على الصدقة وقال له : اذهب بهذا الغلام معك يرع غنمك ويعنك فتعطيه من سهمك فذهب بالفتى فرجع وقد قطعت يده فقال : ويحك مالك قال : زعموا أني سرقت فريضة من فرائض الإبل فقطعني قال أبو بكر - رضي الله عنه - والله لئن وجدته قطعك بغير حق لأقيدنك منه قال : فلبثوا ما لبثوا ثم أن متاعا لامرأة أبي بكر سرق وذلك الأسود قائم يصلي فرفع يده إلى السماء وقال اللهم أظهر علي السارق اللهم أظهر علي السارق فوجدوا ذلك المتاع عنده فقال أبو بكر - رضي الله عنه - ويحك ما أجهلك بالله ثم أمر به فقطعت رجله ).
[16] - الكاساني ، بدائع الصنائع ، ج7 ص 86 .
[17] - المرجع السابق ، ج7 ص 86 .
[18] - الكاساني ، بدائع الصنائع ج7،ص 86 دار الكتاب العربي
[19] - السرخسي ، المبسوط ، ج7 ص 269 .
الشافعي ، الأم ، ج6 ص 150 .
[20] - المرجع نفسه ج6 ص 150
[21] -مصنف ابن أبي شيبة،ج7،ص ص 90 حديث رقم 12332 .
[22] - المرجع نفسه،ج7،ص 90 .
[23] - مصنف ابن أبي شيبة،ج3،ص 521 ، حديث رقم 16717. اختلاف العلماء ج1 ص143 .
[24] - السرخسي ، المبسوط ج11 ص 35 .
[25] - الشافعي ، الأم، ج5،ص 245
[26] - مالك ، المدونة الكبرى ، ج4،ص 266 ،دار صادر ، ولكنهم يقولون أن بعد الأربعة سنوات يجب عليها أن تنتظر أربع أشهر وعشرة أيام كعدة المتوفى عنها زوجها.
[27] - المغني، ج9،ص 117
[28] - مصطفى السباعي ، عبد الرحمن الصابوني ، الأحوال الشخصية في الأهلية والوصية ، والتركات ، ط3 ، 1390 ، 1970 ، مطبعة جامعة دمشق ، ص 213 .
[29] - السرخسي ، المبسوط ، ج 11 ص 35 .
[30] - ابن قدامة ، الكافي في فقه ابن حنبل ، ج3 ص 314 .
[31] -المرجع السابق ، ج3 ص 314 .
[32] -المرجع السابق ، ج3 ص 314 .
[33] - مالك ، المدونة الكبرى ، ج4،ص 266 ،دار صادر ، ولكنهم يقولون أن بعد الأربعة سنوات يجب عليها أن تنتظر أربع أشهر وعشرة أيام كعدة المتوفى عنها زوجها.
[34] - المغني، ج9،ص 117
ابحث
أضف تعليقاً