
القسم الثاني
وسطية القرآن في العقائد
الفصل الأول
القرآن يقرر منهج الوسطية
تمهيد:
نزل القرآن الكريم هداية للناس ونورا، يخرج به الله من شاء من الظلمات إلى النور، ولزوم منهج الوسطية عين الاستقامة والهداية والصراط المستقيم، ولذلك فقد جاءت الآيات مستفيضة ترسم منهج الوسطية وتدل عليه. والوسطية منهج متكامل شامل غير محصور في ركن من الأركان، لا في جزئية من الجزئيات ولا في حكم من الأحكام، ولا في أصل من الأصول، فالإسلام كله وسط، وهذه الأمة هي أمة الوسط (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) [البقرة: 143].
ولذلك جاء القرآن مقررًا لمنهج الوسطية في أبواب الاعتماد والعبادات والحكم والتحاكم، وفي باب الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغيرها من الأبواب والمجالات وبيانا لهذه الحقيقة وتجلية لها، سنعيش مع كتاب الله متأملين بعض ما ورد فيه، تأكيدًا لهذه الحقيقة وتأصيلا لها، وقبل أن أشرع في الهدف المطلوب، ومعنى المنهج في اللغة وفي الاصطلاح، سأقف مع فاتحة الكتاب حيث إنها من أولها إلى آخرها تقرر هذه الحقيقة وتؤكدها.
المبحث الأول
التعريف بالقرآن الكريم
أولا: معنى القرآن في اللغة:
القرآن من مادة قرأ، ومنه قرأت الشيء فهو قرآن: أي جمعته، وضممت بعضه إلى بعض، فمعناه: الجمع والضم. ومنه قولهم: ما قرأت هذه الناقة سلي قط، وما قرأت جنينا، أي لم تضم رحمها على ولد([1]).
قال أبو عبيدة([2]): -رحمه الله-: (... وإنما سمى قرآنا لأنه يجمع السور يضمها، وتفسير ذلك في آية القرآن، قال الله تعالى: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) [القيامة: 17]، مجازة: تأليف بعضه إلى بعض...)، ثم قال: وفي آية أخرى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ) [النحل: 98] مجازه: إذا تلوت بعضه في إثر بعض، حتى يجتمع وينضم بعضه إلى بعض، ومعناه: يصير إلى معنى التأليف والجمع، ثم استشهد على هذا المعنى، بقول عمرو بن كلثوم([3]).
ذراعي حرة أدماء بكر
هجان اللون لم يقرأ جنينا([4])
أي لم تضم في رحمها ولدا قط فسمي القرآن قرآنا، لأنه جمع القصص، والأمر والنهي، والوعد والوعيد، والآيات والسور بعضها إلى بعض([5]).
ويوذكر أبو بكر الباقلاني([6]): أن القرآن يكون مصدرا واسما: مصدرًا كما في قوله تعالى: (إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) [القيامة: 17]، واسما كما في قوله تعالى: (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآَخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا) [الإسراء:45].
ويروى عن الشافعي -رحمه الله-: أن القرآن اسم على لكتاب الله، غير مشتق: كالتوراة، والإنجيل([7]).
قال القرطبي -رحمه الله-: (والصحيح الاشتقاق في الجميع)([8]). أي في القرآن والتوراة والإنجيل([9]).
معنى القرآن في الاصطلاح:
القرآن الكريم هو اسم لكلام الله تعالى، المنزل على عبده ورسوله: محمد -صلى الله عليه وسلم-، وهو اسم لكتاب الله خاصة، ولا يسمى به شيء غيره من سائر الكتب([10])، وإضافة الكلام إلى الله تعالى إضافة حقيقية، من باب إضافة الكلام إلى قائله.
ولما ظهر الخوض في صفات الله تعالى، وفي كلام خاصة، من قبل الزنادقة، وفرق المبتدعة، احتاج أهل السنة إلى تعريف القرآن تعريفا يظهرون فيه معتقدهم في صفات الله تعالى عامة، وفي صفات الكلام خاصة، ومنه القرآن، مخالفين بذلك أهل البدع من الجهمية والمعتزلة وغيرهم.
فقال أبو جعفر الطحاوي([11]) -رحمه الله-: وإن القرآن كلام الله، منه بدا بلا كيفية قولا، وأنزله على رسوله وحيا، وصدقه المؤمنون على ذلك حقا وأيقنوا أنه كلام الله تعالى بالحقيقة، ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه، فزعم، فزعم أنه كلام البشر فقد كفر)([12]).
ثانيا: التعريف بالمنهج في اللغة والاصطلاح:
أ- معنى المنهج في اللغة([13]):
المنهج من مادة نهج، ينهج نهجا، وهو الطريق البين الواضح، ويطلق على الطريق المستقيم، والمنهج، والمنهاج والنهج: بمعنى واحد. وفي النزيل قوله تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) [المائدة: 48]، قال ابن عباس -رضي الله عنهما- سبيلا وسنة([14]) وهو مروى عن مجاهد، وعكرمة والحسن البصري، وغيرهم وروى عن ابن عباس سنة وسبيلا، ورجح ابن كثير -رحمه الله-: التفسير الأول، لظهوره في المعنى ومناسبته([15])، وقال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: (والمنهاج: السبيل، أي الطريق الواضح)([16]) وتفسير ابن عباس الأول هو المختار.
ب- معنى المنهج في الاصطلاح:
المنهج هو الطريق المؤدي إلى التعريف على الحقيقة في العلوم، بواسطة طائفة من القواعد العامة، والتي تهيمن على سير العقل، وتحدد عملياته حتى يصل إلى نتيجة معلومة([17]) وبعبارة أوجز: هو القانون أو القاعدة التي تحكم أي محاولة للدراسة العلمية، وفي أي مجال([18])، ومن ثم تختلف المناهج باختلاف العلوم التي تبحث فيها، فلكل علم منهج يناسب، ومع وجود حد مشترك بين المناهج المختلفة، وقد تتعاون –وهو الغالب- مجموعة من المناهج لخدمة ومعالجة فن واحد([19]).
سورة الفاتحة تقرر منهج الوسطية:
إن أم الكتاب تقرر منهج الوسطية من أولها إلى آخرها وأظهر آية فيها شاهدة بذلك هي قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) [الفاتحة: 6] وما بعدها.
وهذه الآية صريحة في تحديد المنهج الوسط، ذلك أنها بينت أن هذا الصراط هو صراط الذين أنعم الله عليهم، قال الطبري -رحمه الله-: (أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعا على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، وكذلك في لغة جميع العرب، فمن ذلك قول الشاعر:
أمير المؤمنين على صراط
إذا اعوج الموارد مستقيم
قال ابن عباس -رحمه الله-: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) يقول ألهمنا الطريق الهادي، وهو دين الله الذي لا عوج له، ثم قال: وكل حائد عن قصد السبيل وسالك غير المنهج القويم هو ضال عند العرب، لإضلاله وجه الطريق([20]).
وقد بين الله لنا أن الصراط المستقيم هو منهج الوسط، حيث قال واصفا الصراط المستقيم (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ) [الفاتحة: 7] ومنهج المغضوب عليهم يمثل التفريط، بينما يمثل منهج الضالين الإفراط، فهما منهجان دائران بين الغلو والجفاء.
قال ابن كثير -رحمه الله-: (غير صراط المغضوب عليهم، وهم الذين فسدت إرادتهم، فعلموا الحق وعدلوا عنه، ولا صراط الضالين، وهم الذين فقدوا العلم، فهم هائمون في الضلالة لا يهتدون إلى الحق)([21]).
وبهذا يتبين لنا أن هناك ثلاثة طرق: طريق الذين أنعم الله عليهم، وطريق المغضوب عليهم، وطريق الضالين، والله أمرنا بالالتزام بسبيل الذين أنعم الله عليهم، لأنه هو الصراط المستقيم، وهو منهج وسط بين سبيلين منحرفين، وهما سبيلا اليهود والنصارى، وكل طريق منحرف عن منهج الصراط المستقيم فله حظ من أحد هذين السبيلين، ولأن الاستقامة تعني الوسطية، كما تبينها آية الفاتحة وكما وضحت ذلك في ملامح الوسطية، جاءت الآيات متعددة تدعو إلى الاستقامة بأساليب متعددة وألفاظ متقاربة وهي تدور بين الخبر والإنشاء. ومن هذا المنطلق، وبعد أن تقرر أن طريق الاستقامة هو طريق الأمة الوسط، فإن كل آية وردت في الاستقامة فهي آية في تحقيق الوسطية والدعوة إليها والآيات في هذا الباب كثيرًا جدًا أذكر بعضا منها دلالة على المراد، وبيانا لهذا المنهج:
قال سبحان: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا) [هود: 112]، وقال: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ ) [الشورى: 15]، فقوله تعالى: (وَلاَ تَطْغَوْا) بعد أن أمر بالاستقامة، والطغيان وهو مجاوزة الحد([22]) وهو خروج عن منهج الوسطية إلى الانحراف عن السبيل.
وفي الآية الثانية: قال سبحانه: (وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) واتباع الهوى خروج عن الاستقامة، وانحراف عن منهج الوسط، وتواصل الآيات في هذا الشأن ففي سورة البقرة: (يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [البقرة:142]، وفي آل عمران: (وَمَن يَعْتَصِم بِاللهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) وفي الأنعام: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ) [الأنعام: 153]، وفيها: (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) [الأنعام:161]، وفي النحل: (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاَهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [النحل:76].
وفي سورة الزخرف: (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [الزخرف:43]، وفي سورة الملك: (أَفَمَن يَّمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَّمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [الملك: 22]، إلى غير ذلك من الآيات، حيث إن كل واحدة منها دالة على أن الصراط المستقيم هو الطريق الذي أمرنا باتباعه واجتناب ما عداه؛ لأنه هو طريق الحق والعدل والوسط، وما عداه طريق الضلال والغواية والانحراف عن الصراط المستقيم، وها هو الشيطان يعلن هذه الحقيقة قائلا كما ذكر الله في سورة الأعراف: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ) [الأعراف: 16]، وصدق الله العظيم إذ يقول: (مَن يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَن يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [الأنعام: 39].
وفي سورة التكوير: (فَأيْنَ تَذْهَبُونَ* إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ *لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ) [التكوير: 26-28]، وهذه الآية نص في أن القرآن كله دعوة للاستقامة والسير على المنهج الحق، قال القرطبي (إِنْ هُوَ) [الأنعام: 90] يعني القرآن (إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ) أي موعظة وزجر: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ) أي يتبع الحق ويقيم عليه([23]).
ومما سبق يتضح لنا أن سورة الفاتحة وضعت القاعدة والمنطلق ورسمت المنهج وحددت معالمه ثم جاءت الآيات بعد ذلك مقررة لذلك وداعية له.
المبحث الثاني
وسطية لقرآن في العقيدة
أولا: التعريف بالعقيدة:
أ- العقيدة لغة (من العقد، وهو الربط والشدة بقوة، منه الإحكام والإبرام، والتماسك والمراصة والإثبات والتوثق)([24]).
ب- العقيدة في الاصطلاح: كلمة العقيدة لم تكن موجودة في الكتاب والسنة، ولا في أمهات المعاجم، وإن أول من تم الوقوف على ذكره لجمعها (عقائد) هو القشيري([25]) سنة 437هـ في كتاب الرسالة وهي كلمة مولدة لم تكن في الصدر الأول([26]).
وقد عرفها الدكتور ناصر العقل([27]) فقال: (الإيمان الجازم بالله وما يجب له في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، وبكل ما جاءت به النصوص الصحيحة في أصول الدين وأمور الغيب وأخباره وما أجمع عليه السلف الصالح والتسليم لله تعالى في الحكم والأمر والقدر والشرع، ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- بالطاعة والتحكيم والإتباع)([28]).
يشمل التوحيد والإيمان والإسلام والغيبيات والنبوات والقدر والأخبار، وأصوله الأحكام القطعية، وسائر أصوله الدين، والاعتقاد، ويتبعه الرد على أهل الأهواء والبدع وسائر الملل والنحل والمذاهب الضالة، والموقف منهم ومن مسميات هذا العلم، العقيدة، والتوحيد، والسنة، وأصول الدين.
والعقيدة في الإسلام تقابل الشريعة، إذ الإسلام عقيدة وشريعة تعني التكاليف العملية التي جاءت في القرآن والسنة النبوية في العبادات والمعاملات. والعقيدة هي أمور علمية يجب على المسلم أن يؤمن بها، لأن الله أخبرنا بها عن طريق كتابه، أو عن طريق وحيه إلى رسوله -صلى الله عليه وسلم- وأصول العقائد التي أمرنا الله باعتقادها هي التي حددها الرسول -صلى الله عليه وسلم- في حديث جبريل المشهور بقوله: "الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى"([29]) فالعقيدة في ديننا هي التي تدور حول قضايا معينة، هي التي أخبرنا بها الله ورسوله، وليست اعتقاد أي شيء وحتى تصبح هذه عقيدة لابد أن تصدق بها تصديقا جازما لا ريب فيه، فإن كان فيها ريب أو شك كانت ظنا لا عقيدة([30]) والدليل على ذلك قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا) [الحجرات:15]، وقوله تعالى: (.الم* ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ) [البقرة:1-2]، وقال: (رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ) [آل عمران:9]، وذم المشركين المرتابين: (وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) [التوبة: 45]، والمسائل التي يجب اعتقادها أمور غيبية، ليست مشاهدة منظورة، وهي التي عناها الله بقوله عندما مدح المؤمنين: (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) [البقرة: 3]، فالله غيب وكذلك الملائكة واليوم الآخر، أما الكتب والرسل فقد يتبادر أنها تشاهد وتنظر، ولكن المراد هو الإيمان بنسبتها إلى الله أي كون الرسل مبعوثين من عند الله، وأن الكتب منزلة من عند الله، وهذا أمر غيبي.
ثانيا: العقيدة الصحيحة والعقيدة الفاسدة
العقيدة ليست مختصة بالإسلام، بل كل ديانة أو مذهب لا بد لأصحابه من عقيدة يقيمون عليها نظام حياتهم، وهذا ينطبق على الجماعات والأفراد والأمم والشعوب، والعقائد منذ بدء الخليفة إلى اليوم، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهي قسمان:
الأول: يمثل العقيدة الصحيحة، وهي تلك العقائد التي جاءت بها الرسل الكرام في أي زمان ومكان، وهي عقيدة واحدة، لأنها منزلة من العليم الخبير الحكيم العزيز.
والقسم الثاني: يشمل العقائد الفاسدة على كثرتها وتعددها، وفسادها ناشئ من كونها نتاج أفكار البشر ومن وضع مفكريهم وعقلائهم، وعلمهم محدودًا ومقيدًا بقيود بشرية متمثلة في عادات وتقاليد وأفكار.
وأحيانا يأتي فساد العقيدة من تحريفها، وتغييرها وتبديلها، كما هو الحال بالنسبة للعقيدة اليهودية والنصرانية في الوقت الحاضر، فإنهما حرفتا منذ عهد بعيد، ففسادهما كان من هذا التحريف، وإن كانت عقيدتها سليمة الأصل([31]).
ثالثا: أين العقيدة الصحيحة اليوم؟
العقيدة الصحيحة لا توجد إلا في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- لأنهما محفوظتان لحفظ الله لهما قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: 9] والعقائد في غير الإسلام وإن كان في بعضها قليل من الحق، فإنها لا تمثل الحق ولا تجليه.
فالعقيدة الصحيحة السليمة لا توجد في اليهودية ولا في النصرانية، ولا في كلام الفلاسفة... وإنما توجد في الإسلام في أصلية: الكتاب والسنة، ندية طرية صافية مشرقة، تملأ الفؤاد إيمانا ونورا وحياة ويقينا، (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ) [الشورى: 52]، وتقنع العقل بالحجة والبرهان: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [الرعد: 4]، وتنسجم مع الفطرة: (فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) [الروم: 30].
رابعا: ماذا تعني العقيدة؟
العقيدة الإسلامية ضرورية للإنسان؛ لأنه بدونها تائه ضائع يفقد ذاته ووجوده، والعقيدة الإسلامية وحدها التي تجيب على التساؤلات التي شغلت ولا تزال تشغل الفكر الإنساني، بل وتحيره من أين جئت؟ ومن أين جاء هذا الكون؟ من الموجد؟ ما صفاته ما أسماؤه؟ لماذا أوجدنا وأوجد الكون؟ وما دورنا في هذا الكون وما علاقتنا بالخلق الذي خلقنا؟ وهل هناك عوامل غير منظورة وراء هذا العالم المشهور؟ وهل هناك مخلوقات عاقلة مفكرة غير هذا الإنسان؟ وهل بعد هذه الحياة من حياة أخرى نصير إليها؟ وكيف تكون تلك الحياة إن كان الجواب بالإيجاب؟ لا توجد عقيدة سوى العقيدة الإسلامية اليوم تجيب على هذه الأسئلة إجابة صادقة مقنعة([32]) وكل من لم يعرف هذه العقيدة، أو لم يعتنقها فإن حاله لن يختلف عن حال ذلك الشاعر البائس([33]) الذي لا يدري شيئا.
جئت، لا أعلم من أين، ولكني أتيت
ولقد أبصرت، قدامي طريقاً فمشيت
وسأبقى سائراً إن شئت هذا أم أبيت
كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟
لست أدري!!
أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود
هل أنا حرٌّ طليق أم أسير في قيود
هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقود
أتمنّى أنني أدري ولكنـــــــي
لست أدري!!
وطريقي ما طريقي؟ أطويل أم قصير
هل أنا أصعد أم أنا أهبط فيه وأغور
أأنا السائر في الدرب أم الدرب تسير؟
أم كلانا واقف والدهر يجــــــري
لست أدري!!
ليت شعري وأنا في عالم الغيب الأمين
أتراني كنت أدري أنني فيه دفين
وبأني سوف أبدو وبأني سأكون
أم تراني كنت لا أدرك شيئاً؟
لست أدري!!
أتراني قبلما أصبحت إنساناً سوياً
كنت محواً أو محالاً أم تراني كنت شيئاً
أًلهذا اللغز حلٌّ؟ أم سيبقى أبدياً
لست أدري .... لماذا لست أدري
لســـت أدري!!([34])
وهذا الشاعر الملحد فقد معرفة الحقائق الكبرى؛ فأصبح في هذه الحيرة والقلق والشك والأمراض النفسية, وأين هو من المسلم الذي يدري ويعرف معرفة مستيقنة كل هذه الحقائق، فإذا هو يجد برد اليقين، وهدوء البال، وإذا هو يسير في طريق مستقيم إلى غاية مرسومة يعرف معالمها، ويدري غايتها.
قال تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الروم: 40]،وقال تعالى : (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: 56]. واستمع إلى الشاعر البائس يتحدث عن الموت والمصير:
إن يك الموت قصاصاً: أي ذنب للطهارة؟
وإن كان ثوباً، أي فضل للدّعارة
وإذا كان وما فيه جزاء أو خسارة
فَلِمَ الأسماء إثم وصلاح
لست أدري
إن يك الموت رقاداً بعده صحو طويل
فلماذا ليس يبقى صحونا هذا الجميل
ولماذا المرء لا يدري متى وقت الرحيل
ومتى ينكشف الستر فيدري؟
لست أدري
إن يك الموت هجوعاً يملأ النفس سلاماً
وانعتاقاً لا اعتقالاً وابتداءً لا ختاماً
فلماذا لا أعشق النوم ولا أهوى الحمام؟
ولماذا تجزع الأرواح منه
لست أدري
أوراء القبر بعد الموت بعث ونشور؟
فحياة، فخلود، أم فناء فدثور؟
أكلام الناس أصدق أم كلام الناس زور؟
أصحيح أن بعض الناس يدري
لست أدري
إن أكن أُبعث بعد الموت جثماناً وعقلا
أترى أُبعث بعضاً أم تُرى أُبعث كُلا
أتُرى أُبعث طفلاً أم تُرى أُبعث كهلا؟
ثم هل أعرف بعد الموت زلالتي؟
لست أدري([35])
(لست أدري ) تلك هي الإجابة عن التساؤلات الخالدة، وليست هي قول شاعر فحسب، ( فسقراط) الفيلسوف الذي يُعدّ من عمالقة الفلاسفة، يقول بصريح العبارة: (الشيء الذي لا أزال أجهله جيداً أنني لست أدري)([36])، بل إن(اللاإدريّة) مذهب فلسفي قديم .
إنه الضلالة. الضلالة عن الحقيقة إنه الشقاء: شقاء القلب تعاسة النفس وضياع الضمير المثقل المكدود، وكم في الحياة من أمثال هذا الشاعر البائس الضالّ، بعضهم يستطيع أن يفصح عن شكوته وحيرته، وبعضهم يحسّ ويعاني وتبقى أفكاره حبيسة نفسه الشقية([37]).
بالإسلام وحده يصبح الإنسان يدري، يدرى من أين جاء، والى أين المصير، يدري لماذا هو موجود وما دوره في هذه الحياة. قال تعالى:( أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)[الملك: 22]، إن البشرية تخبط في دياجير الظلام، وانتكست في مهاوي الشرك، وضلّت عن سواء السبيل، وانحرفت عن منهج التوحيد، الذي جاء به الأنبياء والرسل، فأُصيبت البشريّة في عقلها وفكرها وقلبها بالشرك، وما ينبثق عنه من ضياع في المنهج والفكر والعقيدة والأخلاق، فانحرفت اليهودية عن التوحيد الذي جاء به موسى عليه السلام، على دراية من أحبارهم وعلمائهم ولذلك غضب الله عليهم، وأضاعت النصارى الحق الذي جاء به عيسى عليه السلام فضلّوا سواء السبيل.
فأصبحت البشرية في ظلمه شديدة قبل نزول القرآن وبزوغ فجر الإسلام، كانت البشرية قبل نزول القرآن تعجّ بركام العقائد والتصوّرات المنحرفة في ذات الله، وفي الكون وفي الحياة وفي الإنسان والموت، وفي الجزاء وفي الحساب وفي الكتب السماوية وفي رسل الله وفي أقدار الله وقضائه، وأصبحت البشرية بين إفراط وتفريط بعيدة عن الصراط المستقيم، حائدة عن الوسطيّة والاعتدال، والاستقامة فبعض البشر زعم أن الملائكة بنات الله، ثم عبدوا الملائكة كما فعل مشركو العرب، وبعضهم قالوا: عيسى ابن الله كما فعلت النصارى، وبعضهم قالوا: عزيز ابن الله كما فعلت اليهود. ووصفوا المولى -عز وجل- بصفات لا تليق به من صفات النقص، وشبّهوه بمخلوقاته، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.
وشاعت بين البشرية عبادة الأصنام، إما بوصف تماثيل للملائكة، أو بوصف تماثيل للأجداد، وإما لذاتها، وكانت الكعبة، التي بُنيت لعبادة الله وحده، تعجّ بالأصنام؛ إذ كانت تحتوي على ثلاثمائة وستين صنماً غير الأصنام الكبرى في جهات متفرقة.
ومما يدل على أن اللات والعزى ومناة كانت تماثيل لملائكة كما جاء في القرآن الكريم في سورة النجم: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً)[النجم: 19-28].
وانتشرت بين الناس عبادة الكواكب، وكانت قبيلة حمير تعبد الشمس و كنانة تعبد القمر، ولخم وحزام المشتري، وطي تعبد سهيلاً وقيس تعبد العبور. وأسد عطارد.
وقد جاء عن هذا في سورة فصلت (... لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) [فصلت:37]، جاء في سورة النجم (وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى) [النجم: 49] وكثرت الإشارات إلى خلق النجوم والكواكب وربوبية الله سبحانه لها كبقية خلائقه. ونفى ألوهية الكواكب وعبادتها، لقد سادت الصورة الشائعة للتصورات في الجزيرة العربية حيث عبادة الأصنام، وفي بلاد فارس حيث الديانة المجوسيّة، وفى بلاد الشام والرومان حيث النصرانيّة المنحرفة، واليهوديّة المغضوب عليها، وأصبحت البشرية شرقاً وغرباً، جنوباً وشمالاً تعجّ بركام من بقايا العقائد السماويّة المنحرفة، تجثم على ضمير البشرية في كل مكان، والذي كانت تنبثق منه أنظمتهم وأوضاعهم وآدابهم وأخلاقهم([38]).
ومن ثم كانت عناية الإسلام الكبرى موجهة إلى تحرير العقيدة، وتحديد الصورة الصحيحة التي يستقر عليها الضمير البشري في حقيقة الألوهيّة وعلاقتها بالخالق، وعلاقة الخالق بها.. فتستقرّ عليها نظمهم وأوضاعهم، وعلاقتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وأدبهم وأخلاقهم كذلك. فما يمكن أن تستقر هذه الأمور كلها، إلا أن تستقر حقيقة الألوهية، وتتبين خصائصها واختصاصاتها.
وعُني الإسلام (في أصليه الكتاب والسنة) بإيضاح طبيعة الخصائص والصفات الإلهية المتعلقة بالخلق والإرادة والهيمنة والتدبير .. ثم بحقيقة الصلة بين الله والإنسان ... فلقد كان لمعظم الركام في ذلك التيه الذي تخبط فيه العقائد والفلسفات، مما يتعلق بهذا الأمر الخطير-الأثر في الضمير البشري وفى الحياة الإنسانية كلها.
فالذي يعرف الجاهلية هو الذي يدرك قيمه الإسلام، ويعرف كيف يحرص على رحمة الله المتمثلة فيه، ونعمة الله المحققة به أن جمال هذه العقيدة وكمالها وتناسقها وبساطة الحقيقة الكبيرة التي تمثلها ... إن هذا كله لا يتجلّى للقلب والعقل، كما يتجلى من مراجعة ركام الجاهلية– السابقة للإسلام واللاحقة – عند إذن تبدو هذه العقيدة رحمة ... رحمة حقيقية ... رحمة للقلب والعقل، ورحمة بالحياة والأحياء، رحمة بما فيها من جمال وبساطة، ووضوح وتناسق وقرب وأنس، وتجاوب مع الفترة مباشر عميق([39]).
خامسًا: هل تطورات العقيدة عبر الزمان؟
يرى كثير من الباحثين الغربيين أن الإنسان لم يعرف العقيدة على ما يعرفها عليه اليوم مرة واحدة، ولكنها ترقت وتطورت في فترات وقرون متعاقبة، ولا عجب أن يقول بهذا الإفك من لم يمنحهم الله كتابه الذي بين فيه تاريخ العقيدة بوضوح لا لبس فيه إلا أن الغريب أن يسلك هذا المذهب رجال يعدون أنفسهم ويعدهم غيهم باحثين مسلمين.
ومن أمثال أولئك عباس محمود العقاد الذي يري في كتابه (الله) وهو كتاب يبحث في نشأة العقيدة الإلهية: أن الإنسان ترقى في العقائد، ويري أن ترقي الإنسان في العقائد موافق تماما لترقيه في العلوم.
يقول: (كانت عقائد الإنسان الأولى مساوية لحياته الأولى، وكذلك كانت علومه وصناعاته، فليست أوائل العلم والصناعة بأرقى من أوائل الأديان والعبادات، وليست عناصر الحقيقة في واحدة منها بأوفر من عناصر الحقيقة في الأخرى)([40]).
بل يري أن تطور العقيدة لدى الإنسان كان أشق من تطور العلوم والصناعات ويقول: وينبغي أن تكون محاولات الإنسان في سبيل الدين أشق وأطول من محاولاته في سبيل العلوم والصناعات، لأن حقيقة الكون الكبرى أشق مطلبا وأطول طريقا من حقيقة هذه الأشياء المتفرقة التي يعاجلها العلم تارة والصناعة تارة أخرى.
ويرى أن الحقيقة الإلهية لم تتجل للناس مرة واحدة يقول: (فالرجوع إلى أصول الأديان في عصور الجاهلية الأولى لا يدل على بطلان التدين، ولا على أنها تبحث عن محال، كل ما يدل عليه أن الحقيقة الكبرى أكبر من أن تتجلى للناس كاملة في عصر واحدة)([41]).
ثم أخذ يستعرض آراء الباحثين في تاريخ العقيدة، فمنهم من يري أن السبب في نشأة العقيدة هو ضعف الإنسان بين مظاهر الكون وأعدائه من قوى الطبيعة والأحياء بعضهم يري أن العقيدة الدينية عبادة (الطوطم)، كأن تتخذ بعض القبائل حيوانًا (طوطميا) تزعمه أبا لها، وقد يكون شجرا أو حجرا يقدسونه، إلى آخر تلك الفروض التي قامت في أذهان الباحثين الغربيين.
ومع الأسف فقد سرت هذه النظرية إلى بعض الكتاب مثل مصطفي محمود في كتابه (الله) واعتنقها جملة من الدارسين والذي أ,قع هؤلاء في هذا الخطأ عدة أمور:
الأول: أنهم ظنوا أن الإنسان اهتدى إلى العقيدة بدون معلم يعلمه ومرشد يوضح له، فما دام الأمر كذلك فلا بد أن يترقى في معرفته بالله كما ترقي في العلوم والصناعات.
ثانيًا: أنهم قدروا أن الإنسان الأول خلق خلقا ناقصا غير مؤهل لأن يتلقى الحقائق العظمى كاملة، بل إن تصوراتهم عن الإنسان الأول تجعله أقرب إلى الحيوان منه إلى الإنسان.
الثالث: أنهم عندما بحثوا في الأديان ليتبينوا تاريخها لم يجدوا أمامهم إلا تلك الأديان المحرفة أو الضالة فجعلوها ميدان بحثهم، فأخضعوها للدراسة والتمحيص، وأني لهم أن يعرفوا الحقيقة من تلك الأديان التي تمثل انحراف الإنسان في فهم العقيدة([42]).
سادسًا: القرآن وحده يوضح تاريخ العقيدة:
ليس هناك كتاب في الأرض يوضح تاريخ العقيدة بصدق إلا كتاب الله –سبحانه وتعالى- ففيه علم غزير في هذه الموضوع، وعلم البشر لا يمكن أن يدرك هذا الجانب إدراكا وافيا لأسباب:
الأول: أن ما نعرفه عن التاريخ الإنساني قبل خمسة آلاف عام قليل، أما ما نعرفه قبل عشرة آلاف عام فيعتبر أقل من القليل، وما قبل ذلك يعتبر مجاهيل لا يدري علم التاريخ من شأنها شيئا، لذا فإن كثيرا من الحقيقة ضاع بضياع التاريخ الإنساني.
الثاني: أن الحقائق التي ورثها الإنسان اختلطت بباطل كثير، بل قد ضاعت في أمواج متلاطمة في محيطات واسعة من الزيف والدجل والتحريف، ومما يدل على ذلك كتابة تاريخ حقيقي لشخصية أو جماعة ما في العصر الحديث تعتبر من أشق الأمور، فكيف بتاريخ يمتد إلى فجر البشرية؟
الثالث: أن قسما من التاريخ المتلبس بالعقيدة لم يقع في الأرض، بل في السماء([43]) لذا كان الذي يستطيع أن يمدنا بتاريخ حقيقي لا لبس فيه هو الله –سبحانه وتعالى-: (إِنَّ اللهَ لاَ يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ) [آل عمران: 5].
تاريخ العقيدة كما يريه القرآن الكريم:
أعلمنا الله سبحانه أنه خلق آدم خلقا مستقلا سويا متكاملا، ثم نفخ فيه من روحه، وأسكنه جنته، وأباح له أن يأكل هو وزوجه منها كيف يشاء إلا شجرة واحدة، فأغراه عدوه إبليس بالأكل من الشجرة، فأطاع عدوه، وعصى ربه فأهبطه الله من الجنة إلى الأرض، وقبل الهبوط وعده الله سبحانه بأن ينزل عليه و على ذريته هداه كي يعرف الإنسان بربه ومنهجه وتشريعه ووعد المستجيبين بالهداية في الدنيا والسعادة في الآخرة، وتوعد الله المستكبرين بالمعيشة الضنكة في الدنيا وبالشقاء في الآخرة: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ* وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة: 38-39]، وفي سورة طه يقول سبحانه: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى* وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى* قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا* قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى) [ طه: 123-126].
سابعًا: الجيل الأول كان على التوحيد
هبط آدم إلى الأرض، وأنشأ الله من ذريته أمة كانت على التوحيد الخالص كما قال تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) أي على التوحيد والدين الحق، فاختلفوا (فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) [البقرة: 213].
وفي حديث أبي أمامة أن رجلا سأل الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: يا رسول الله أنبي كان آدم؟ قال: "نعم، مكلم"، قال: فكم بينه وبين نوح؟ قال: "عشرة قرون" وذكر ابن عباس -رضي الله عنه-: إن كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام([44]).
ومقدار القرن مائة سنة وعلى ذلك يكون بين آدم ونوح ألف سنة وقد تكون المدة أكثر من ذلك، إذ قيد ابن عباس هذه القرون العشرة بأنها كانت على الإسلام، فلا ينفي أن يكون بينهما قرون أخرى على غير الإسلام، وقد يكون المراد بالقرن الجيل من الناس قال تعالى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ) [الإسراء: 17]، (ثُمَّ أَنشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْنًا آَخَرِينَ) [المؤمنون:31].
الفصل الثاني
وسطية القرآن في باب توحيد الله وأسمائه وصفاته
تمهيد:
إن المتأمل في كتاب الله تبارك وتعالى وما جاء فيه عن دعوات الرسل وما أنزل عليهم من الكتب ليخرج بحقيقة واحدة، أطبق عليها جميع الرسل، وأنزلت بها جميع الكتب السماوية، هذه الحقيقة هي: الدعوة إلى توحيد الله وعبادته دون سواه، فهي أساس الرسالات وعمودها الفقري، وهي القاسم المشترك بينها، وإن اختلفت بعد ذلك الشرائع والمناهج فما من نبي أرسل ولا كتاب أنزل إلا وكان أول ما يدعو إليه هو توحيد الله تبارك وتعالى.
يقول الله -عز وجل- في تقرير هذه الحقيقة:
(وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) [النحل: 36]، وفي آية أخرى يقول سبحانه: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: 25].
وإذا استعرضنا القرآن الكريم في حديثه عن رسل الله عليهم الصلاة والسلام نجد أن كل رسول قال لقومه: (يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) [المؤمنون: 23، والأعراف: 65، 73، 85] ابتداء من أولهم نوح -عليه السلام- وانتهاء بخاتمهم نبيان محمد -صلى الله عليه وسلم-.
فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام دينهم واحد، وهو الإسلام وشرائعهم مختلفة كما قال المصطفى -صلى الله عليه وسلم-: "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخر، والأنبياء إخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد"([45]).
قال الحافظ ابن حجر: (ومعنى الحديث: أن أصل دينهم واحد وهو التوحيد وإن اختلف فروع الشرائع، وقيل: المراد أن أزمنتهم مختلف)([46]).
وقال الحافظ ابن كثير في معنى الحديث: (أي: القدر المشترك بينهم وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وإن اختلفت شرائعهم ومنهاجهم)([47]).
لقوله تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا) [المائدة: 48].
وكل الأنبياء أخبروا بأنهم مسلمون ودعوا قومهم للإسلام؛ لأنه الدين الحق الذي لا يقبل الله غيره.
(إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللهِ فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [آل عمران: 19]، (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [آل عمران: 85].
وهذا يدل على أن دين جميع الأنبياء واحد وهو الإسلام، ودعوتهم واحدة وهي الدعوة لتوحيد الله -عز وجل- وإفراده بالعبادة، على هذا مضى رسل الله والمسلمون من أممهم، ولكن قومهم غيروا وبدلوا بعدهم وحرفوا وأدخلوا في دين الله ما لم يأذن به الله، وشمل التحريف والتبديل أساس دعوة الرسل، وهو التوحيد. وما يتعلق بذات الله -عز وجل- من الأسماء والصفات فتفرقت الأمم في ذلك ما بين مفرط، ومفرط، وغال ومقصر لإعراضهم عن هدى المرسلين واتباعهم غير سبيل المؤمنين.
ومن أعظم الأمم اختلافا وضلالا في هذا الباب، أمتا اليهود والنصارى، فاليهود غلب عليهم التقصير والتفريط والجفاء، وإن كان لديهم غلو وإفراط، والنصارى غلب عليهم الغلو والإفراط وإن كان وقع منهم تفريط وتقصير في جوانب، والمسلمون اتبعوا الرسل، فهدوا لأقوم السبل، فكان قولهم هدى بين ضلالتين، وحقا بين باطلين، فهو كلبن سائغ يخرج من بين فرث ودم. وإليك البيان في ما ذهبت إليه كل من هذه الأمم الثلاث في هذا الباب([48]).
المبحث الأول
موقف أمة اليهود
عرفنا مما تقدم أن أمة يهود، أمة غلب عليها طابع التفريط والتقصير في هذا الباب، بل هو الغالب عليهم في أكثر الأبواب.
ولعل من أبرز مظاهر تفريطهم وتقصيرهم في هذا الباب أمرين:
الأول: اتخاذهم الأنداد لله -عز وجل- وعبادة الأصنام.
والثاني: إغراقهم في تشبيه الخالق بالمخلوق، ووصف الله -عز وجل- بالنقائص التي لا تليق إلا بالمخلوق.
فأمر الأمر الأول: وهو اتخاذهم الأنداد وعبادة الأصنام، فإن القوم لما أنقذهم الله من عدوهم فرعون وجنوده، وجاوز بهم البحر مع موسى -عليه السلام- وأغرق عدوهم على مشهد منهم، ومروا على قوم يعكفون على أصنام لهم، مالت نفوسهم إلى الوثنية وطالبوا موسى -عليه السلام- أن يجعل لهم مثلها: يقول الله جل وعلا في ذلك: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَّهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) [الأعراف: 138]، ثم بين لهم موسى -عليه السلام- ضلال أولئك وبطلان عملهم، وأن الإله الحق هو الله الذي فضلهم على العالمين فقال: (139.إِنَّ هَؤُلاَءِ مُتَبَّرٌ مَّا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ * قَالَ أَغَيْرَ اللهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) [الأعراف: 139-140].
اتخاذهم العجل في زمن موسى:
لم يلق نصح موسى -عليه السلام- وتذكيره ووعظه من القوم قلبا واعيا أو أذنا صاغية، فما أن تركهم -عليه السلام- وذهب إلى ربه يناجيه، حتى اتخذوا العجل من بعده إلها من دون الله قال تعالى: (وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لاَ يُكَلِّمُهُمْ وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ) [الأعراف: 148]، (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) [البقرة: 51]، ثم بين تعالى من تولى كبر إضلالهم وصناعة العجل لهم، فقال: (قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ* فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي * قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ * فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ) [طه: 85-88].
فبين تعالى أن الذي صنع لهم العجل هو السامري، ومن العجيب أن كتاب العهد القديم ينسب هذا العمل الشنيع إلى هارون -عليه السلام- كما جاء في (سفر الخروج)([49]).
ولقد تكرر من القوم، اتخاذ الأصنام وعبادتها بعد موسى -عليه السلام-.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: (وأهل الكتاب يعترفون بأن اليهود عبدوا الأصنام مرات...)([50]).
وفي كتاب العهد القديم، إشارات كثيرة لعبادتهم الأوثان والأصنام، من ذلك:
1- ما جاء في (سفر الملوك الثاني) عن عودتهم لعبادة العجل في عهد رحبعام([51]) يقول السفر: (... وعمل عجلي ذهب وقال لهم: كثير عليكم أن تصعدوا إلى أورشليم هو ذا آلهتك يا إسرائيل الذين أصعدوك من أرض مصر ووضع واحدًا في بيت أبل، وجعل الآخر في دان)([52]).
2- عبادتهم الأفعي وبعض التماثيل:
يذكر (سفر الملوك الثاني) عن الملك حزقيال أنه: (أزال المرتفعات وكسر التماثيل وقطع السواري وسحق حية النحاس التي عملها موسى؛ لأن بني إسرائيل كانوا إلى تلك الأيام يوقدون لها...)([53]).
على أن موسى -عليه السلام- لم يصنع تمثالا نحاسيا لحية، وإنما كانت عصاه تنقلب إلى حية تسعى معجزة له، ثم تعود سيرتها الأولى بعد ذلك عصا يتوكأ عليها ويهش بها على غنمه، لكن لعل بني إسرائيل صنعوا ذلك ونسبوه إلى موسى -عليه السلام- لتروج عند الناس ويعظموها ويعبدوها.
وأما الأمر الثاني: وهو قولهم بالتشبيه ووصف الخالق بصفات المخلوق:
وهذا أمر مشهور عنهم، حتى عده الشهرستاني([54]) من طباعهم الملازمة لهم، فإن القوم أسرفوا في تشبيه الله -عز وجل- بالمخلوق ووصفوه جلا وعلا بالنقائض التي تختص بالمخلوق.
ولقد سجل عليهم القرآن الكريم صورا من ذلك، وكتابهم الذي بين أيديهم ينضح بالكثير من ذلك، ونحن نذكر فيما يلي نماذج من أقوالهم التي شبهوا فيها الخالق -عز وجل- بخلقه:
1- فمن ذلك: (وصفهم الله بالفقر).
وهي صفة لا تليق بخالق البشر، ولكن القوم لا ع قول لهم ولا حياء عندهم، يقول -عز وجل- في ذلك: (لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) [آل عمران: 181].
2- ومن ذلك: (وصفهم له بأن يده مغلولة).
قال -عز وجل- ذاكرا قولهم هذا: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [المائدة: 64].
3- وصفوه بأنه: (يحزن، ويندم على أفعاله) تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
يصفه (سفر التكوين) بذلك فيقول: (ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر في الأرض وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم فحزن الرب أنه عمل الإنسان الذي خلقه، الإنسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء، لأني حزنت أني عملتهم)([55]).
4- ووصفوه: (بالتعب والاستراحة) تعالى عن ذلك:
جاء في (سفر الخروج): (أذكر يوم السبت لنقدسه، ستة أيام تعمل وتصنع جميع عملك وأما اليوم السابع ففيه سبت للرب إلهك، لا تصنع عملا أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وبهيمتك، وتريلك الذي داخل أبوابك؛ لأن في ستة أيام صنع الرب الأرض والسماء والبحر وكل ما فيها و استراح في اليوم السابع لذلك بارك الرب اليوم السابع وقدسه)([56])، وفي سفر (التكوين): (فأكملت السماوات والأرض وكل جندها وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل واستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل)([57]).
5- وقالوا: (بأنه إنسان وصارع يعقوب -عليه السلام- إلى الفجر).
ففي (سفر التكوين): (فبقى يعقوب وحده وصارعه إنسان حتى طلوع الفجر، ولما رأى أنه لا يقدر عليه ضرب فخذه فانخلع حتى فخذ يعقوب في مصارعته معه، وقال: أطقلني لأنه قد طلع الفجر، فقال: لا أطلقك إن لم تباركني فقال له: ما اسمك؟ فقال: يعقوب، فقال: لا يدعى اسمك في ما بعد يعقوب بل إسرائيل؛ لأنك جاهدت مع الله والناس وقدرت... فدعا يعقوب اسم المكان قينئيل قائلا: لأني نظرت الله وجها لوجه ونجيت نفسي)([58]).
6- وصفوه بما يفيد أنه: (لا يعلم الغيب ويحتاج علامات يميز بها بني إسرائيل من غيرهم، فوضع الدم علامة على بيوت بني إسرائيل ليميزها عن بيوت المصريين حتى لا يهلكهم).
ففي (سفر الخروج): (أن الرب كلم موسى -عليه السلام- وقال له فيما قال: فإني أجتاز في أرض مصر هذه الليلة وأضرب كل بكر في أرض مصر من الناس والبهائم، وأصنع أحكاما بكل آلهة المصريين أنا الرب، ويكون لكم الدم علامة على البيوت التي أنتم فيها فأرى الدم وأعبر عنكم فلا يكون عليكم ضربة للهلاك حين أضرب أرض مصر)([59]).
7- أنهم: جعلوا له أبناء كما أن للمخلوق أبناء:
جاء في (سفر التكوين): (وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض وولد لهم بنات أن أبناء الله رأوا بنات الناس أنهم حسنات فاتخذوا لأنفسهم نساء من كل ما اختاروا)([60]). وحكي الله -عز وجل- عنهم أنهم جعلوا له ابنا فقال: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ) [التوبة: 30].
المبحث الثاني
موقف النصارى
لقد ضلت أمة النصارى في هذا الباب ضلالا بعيدا، ولعل أمة من الأمم لم تضل في دينها وربها وإلهها كما ضل الذين قالوا إنا نصارى. ولا عجب فالضلالة صفتهم المميزة لهم، كما أخبر بذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في قوله: " اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضلال"([61]). قال ذلك في تفسير قول الله -عز وجل- (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ) [الفاتحة: 7]، ولعل من أعظم ضلالهم في باب توحيد الله وصفاته أنهم:
1-شبهوا المخلوق بالخالق:
وأضفوا عليه من الصفات والخصائص ما لا يليق إلا بالله -عز وجل- ولا يصلح إلا له سبحانه فوصفوا المخلوق بصفات الخالق المختصة به، فقالوا: (إنه يخلقن ويرزق، ويغفر، ويرحم، ويتوب على الخالق ويثيب ويعاقب)([62])، وهذه الصفات من خصائص الربوبية، وصفات الألوهية التي لا تكون إلا الله سبحانه.
وذلك أن هذه الأمة الضالة، جعلت المسيح -عليه السلام- هو الله، كما ذكر الله -عز وجل- قولهم هذا وكفرهم به فقال: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) [المائدة: 17]، وتارة جعلوه ابنا له لله –سبحانه وتعالى- عما يقول المبطلون، وعن قولهم هذا يقول الحق تبارك وتعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) [التوبة: 30].
وقالوا تارة أخرى إنه شريك لله وجزء من ثلاثة يتكون منها الإله، كما ذكر الله قولهم هذا وكفرهم به أيضًا فقال: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [المائدة: 73]، فألهوا المسيح -عليه السلام- وجعلوه شريكا لله، وعبدوه من دونه، بل وصفوه بأخص صفات الألوهية والربوبية من الخلق والرزق والإحياء، والإماتة؛ وبذلك فاقوا عباد الأصنام والأوثان الذين قالوا في معبوداتهم: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى) [الزمر: 3]، ولم يضيفوا إليها شيئا من خصائص الربوبية كالخلق والرزق ونحو ذلك، بل أقروا بكل ذلك لله وحده كما قال -عز وجل-: (قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَن يُّخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُّدَبِّرُ الأمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ) [يونس: 31] (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) [العنكبوت: 61]، (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ) [العنكبوت: 63]، (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ قُلِ الْحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) [لقمان: 25].
أما هؤلاء فلئن سألتهم عن شيء من ذلك ليقولن المسيح، فهو عندهم الإله الخالق المحي المميت، باعث الرسل، ومنزل الكتب، حكي الإمام ابن القيم عنهم أنهم قالوا (,ليس المسيح عند طوائفنا الثلاثة هكذا بنبي ولا عبد صالح، بل هو رب الأنبياء وخالقهم وباعثهم ومرسلهم وناصرهم، ومؤيدهم ورب الملائكة)([63]).
وفي قرارهم الذي قرروه في (مجمع نيقية)([64]) الذي عقدوه سنة 325م، وسموه بـ(الأمانة) ونصوا فيه على ألوهية المسيح -عليه السلام- وصرحوا بأنه هو الذي سينزل للقضاء بين الناس يوم القيامة ومحاسبتهم ومجازاتهم فقالوا: (وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الناس يوم القيامة ومحاسبتهم ومجازاتهم) وقالوا: (وهو مستعد للمجيء تارة أخرى للقضاء بين الأموات والأحياء([65]).
يقول أحد قساوستهم في رسالة إلى أبي عبيدة الخزرجي([66])، مصرحا بألوهية المسيح وأنه خالق السماوات والأرض: (أما بعد حمد لله الذي هدانا لدينه، وأيدنا بيمينه، وخصنا بابنه ومحبوبه، ومد علينا رحمته بصلبه المسيح إلهنا، الذي خلق السماوات والأرض وما بينهن، والذي أمدنا بدمه المقدس ومن عذاب جهنم وقانا...)([67]).
وقال مخاطبا أبا عبيدة داعيا إياه للإيمان بألوهية المسيح الخالق: (وما عقائدكم كلها إلا حسنة، وكان عندكم عدل كثير في أصل دينكم، وخير شامل، فلو آمنتم بالمسيح وقلتم: إنه هو الله خالق السماوات والأرض لكمل إيمانكم)([68]).
وهكذا نرى النصارى يصفون المسيح -عليه السلام- بصفات الربوبية المختصة برب العالمين -عز وجل- وهذا أمر انفردوا به من بين العالمين، ولم يقتصر الأمر على المسيح -عليه السلام- بل جعلوا لغيره من الخلق بعض صفات الله تبارك وتعالى، فجعلوا مريم -عليها السلام- آلهة؛ لأنها أم الله بزعمهم، ووصفوها بالجلوس على العرش مع الله -عز وجل- وسألوها ما لا يسأل إلا من الله -عز وجل-.
يقول الإمام ابن القيم: (وأما قولهم في مريم: فإنهم يقولون إنها أم المسيح ابن الله ووالدته في الحقيقة.. وأنها على العرش جالسة عن يسار الرب تبارك وتعالى والد ابنها، وابنها عن يمينه، قال: والنصارى يدعونا، ويسألونها سعة الرزق وصحة البدن وطول العمر ومغفرة الذنوب)([69]).
وهذه الأمور لا يملكها إلا الله -عز وجل- ولا يسألها إلا هو سبحانه، ولقد أشار القرآن الكريم إلى قول النصارى بألوهية مريم في قوله تبارك وتعالى مخاطبا عيسى -عليه السلام-: (وَإِذْ قَالَ اللهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ) [المائدة: 116].
بل خصوا كنائسهم وبابواتهم ومطارنتهم ببعض خصائص الله -عز وجل- الذنوب ودخول الجنة، والحرمان منها ففي المجمع الثاني عشر من مجامعهم المعقود في سنة 1215م قرروا: (أن الكنيسة البابوية تملك الغفران وتمنحه لمن تشاء)([70])، وبناء على هذا القرار قامت الكنيسة بإصدار ما يسمى بـ(صكوك الغفران).
يقول أحد قساوستهم في هذا: (وقد جعل الله في أيدي المطارين ما لم يجعله في يد أحد، وذلك أن كل ما يفعلون في الأرض يفعله الله في السماء، فإذا أذنبنا فهم الذين يقبلون التوبات ويعفون عن السيئات بأيديهم صلاح الأحياء والأموات)([71]). ماذا أبقوا لله -عز وجل- ؟!!
2- ومن ضلالهم في هذا الباب أيضًا أنهم سبوا الخالق -عز وجل- وتنقصوه وذلك من وجهين:
الأول: قولهم إنه اتخذوا ولدا، حيث قالوا: إن المسيح ابن الله، كما قال ت عالى: (وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ) [التوبة: 30]، وقد نزه الله -عز وجل- نفسه عن اتخاذ الصاحبة والولد فقال: (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ) [البقرة: 116]، وقال سبحانه: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا* لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا *تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا* وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا* إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) [مريم: 88-93]، فأنكر قولهم، ونزه نفسه عن أن يكون له ولد.
وبين سبحانه في آية أخرى أن الولد لا يكون إلا من صاحبة، وهو سبحانه لا صاحبه له، فقال -عز وجل-: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الأنعام:101].
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: (أي: كيف يكون له ولد، ولم تكن له صاحبة؟ أي: الولد إنما يكون متولدًا عن شيئين متناسبين، والله لا يناسبه ولا يشابهه شيء من خلقه، لأنه خالق كل شيء فلا صاحبة ولا ولد...)([72]).
وقد بين سبحانه في الحديث القدسي، أن من نسب إليه اتخاذ الولد فقد شتمه وسبه بقوله ذلك، ففي الصحيح عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (قال الله كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن بله ذلك، فأما تكذيبه إياي، فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي فقوله: لي ولد فسبحاني أن أتخذ صاحبة ولا ولدًا"([73]).
الثاني: زعمهم أن الله تعالى عن قولهم علوا كبيرًا (نزل من السماء وتجسد من روح القدس وصار إنسانا وحبل به وولد من مريم البتول وقتل وصلب)([74]).
وقال القس القوطي في رسالته إلى أبي عبيدة الخزرجي يشرح فيها مذهبه: (... فهبط بذاته من السماء والتحم في بطن مريم العذراء البتول أم النور فاتخذ لنفسه منها حجابا كما سبق في حكمته...)([75]).
يقول الإمام ابن القيم: (... إن هذه الأمة –أي: النصارى – ارتكبت محذورين عظيمين، لا يرضى بهما ذو عقل ولا معرفة.
أحدهما: الغلو في المخلوق، حتى جعلوه شريك الخالق وجزءًا منه، وإلها آخر معه، ونفوا أن يكون عبدًا له.
والثاني: تنقص الخالق وسبه ورميه بالعظائم، حيث زعموا أنه –تعالى عن قولهم علوا كبيرا- نزل من العرش عن كرسي عظمته، ودخل في فرج امرأة وأقام تسعة أشهر يتخبط بين البول والدم والنجو([76]) وقد علته أطباق المشيمة والرحم والبطن، ثم خرج من حيث دخل، رضيعا صغيرا يمص الثدي.. ثم صار إلى أن لطمت اليهود خديه، وربطوا يديه، وبصقوا في وجهه وصفعوا قفاه، وصلبوه جهرا بين لصين، وألبسوه إكليلا من الشوك وسمروا يديه ورجليه، وجرعوه أعظم الآلام، هذا هو الإله الحق الذي بيده أتقنت العوالم وهو المعبود المسجود له، ولعمر الله إن هذه مسبة لله سبحانه ما سبه بها أحد من البشر قبلهم ولا بعدهم..).
وذكر عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-؛ أنه قال فيهم: (أهينوهم ولا تظلموهم، فلقد سبوا الله -عز وجل- مسبة ما سبه إياها أحد من البشر)([77]).
وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية من قول معاذ بن جبل -رضي الله عنه-([78]).
المبحث الثالث
موقف المسلمين
أما هذه الأمة المسلمة فقولها في هذا الباب هو ما جاء به المرسلون من توحيد الله وإفراده بالعبادة، فآمنت بأنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا إله غيره، ولا رب سواه هو رب العالمين وخالق الكون ومدبره: (لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) [الأعراف: 54]، ونزهوه سبحانه عن الأنداد، واتخاذ الصاحبة والأولاد، تصديقا لقوله تعالى عن نفسه: (مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلاَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ) [المؤمنون:91]، وقالوا كما قال مؤمنو الجن: (وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلاَ وَلَدًا) [الجن: 3]، وقوله: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ* اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ *وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص: 1-4].
ووصفوه سبحانه بصفات الكمال والجلال، ونزهوه عن جميع صفات النقص، كما نزهوه عن أن يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات...)([79])، ولم يصفوه إلا بما وصف به نفسه سبحانه، أو وصفته به رسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، من غير تعطيل ولا تمثيل لهم فلم يشبهوه بشيء من خلقه لا في ذاته ولا في صفاته – كما فعل اليهود – بل قالوا: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى: 11]. ولم يشبهوا شيئا من خلقه به، لا في ذاته ولا في شيء من صفاته، لم يجعلوا له نظيرا أو ندا أو مثيلا أو شريكا في شيء من خصائص ألوهيته وربوبيته – كما صنع النصارى – بل نزهوه سبحانه عن الشبيه والنظير والكفء والند والمثيل([80]).
وإذا تأملت سورة الإخلاص وجدت بها صفات الكمال لله –سبحانه وتعالى- وهو أنه المنفرد بها وحده دون سواه قال تعالى: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ* اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ *وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص: 1-4]، ففي هذه السورة وصف الله سبحانه نفسه بأنه أحد صمد، فهذان الوصفان يدلان على اتصاف الله بغاية الكمال المطلق([81]).
وذكر أبو هريرة في معنى الصمد: ( أنه المستغني عن كل أحد والمحتاج إليه كل أحد)([82]).
ومن خلال قول أبي هريرة في معني الصمد يدل على الإثبات والتنزيه، فالإثبات بوصفه سبحانه بأنه هو الذي يصمد إليه أي: يرجع إليه في كل أمر، وذلك لأنه هو المتصف بجميع صفات الكمال، فهو القادر على كل شيء، والفعال لما يريد، والذي بيده الخلق والأمر والجزاء، وما من قوة لغيره تعالى إلا بهيمنة منه، إذا شاء أبقاها ومتى شاء سلبها فالمرجع والمراد إليه سبحانه([83]).
وأما التنزيه، فبوصفه تعالى بأنه غني عن كل شيء فلا افتقار فيه بوجه من الوجوه، لا في وجوده فإنه الأول الذي ليس قبله شيء وهو الذي لم يلد ولم يولد، ولا في بقائه فإنه الذي يطعم، ولا في أفعاله فلا شريك ولا ظهير([84]).
كما أن وصفه سبحانه بأنه أحد صمد يدل على اتصافه بالكمال المطلق وكذلك بدلان على معنى آخر وهو نفي الولادة والتولد عن الله سبحانه، فإن الصمد جاء في بعض الأقوال بأنه لا جوف له ولا حشاء، فلا يدخل فيه شيء فلا يأكل ولا يشرب –سبحانه وتعالى- كما قال تعالى: (قُلْ أَغَيْرَ اللهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلاَ يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [الأنعام:14]، وقال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ *إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) [الذاريات: 56-58]، فإن الأحد هو الذي لا كفؤ له ولا نظير فيمتنع أن تكون له صاحبة.
والتولد إنكما يكون من شيئين قال تعالى: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الأنعام: 101]، وفي قوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ* اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ *وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص: 1-4]، وفي هذا سلب عن المخلوق مكافأته ومماثلته للخالق ومثل ذلك قوله تعالى: (الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ) [الأنعام: 1]، أي يعدلون به غيره فيجعلون له من خلقه عدلا.
ومثال هذا قوله تعالى: (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا)[مريم: 65]، أي لا شيئا يساميه ولا ندا ولا عدلا ولا نظيرا له يساويه، فأنكر التشبيه والتمثيل وبهذا يتبين لنا أن تنزيهه سبحانه عن العيوب والنقائض واجب لذاته، كما ذلت على ذلك سورة الإخلاص([85]).
المبحث الرابع
مفهوم الإيمان كما جاء في القرآن
لا ريب أن مفهوم الإيمان عندما نصل إليه من خلال القرآن وتوضيح سيد الأنام عليه أفضل الصلاة والسلام هي الوسطية بعينها في هذا الباب، وهي الاستقامة والاعتدال، لذلك حرصت على إيضاح مفهوم الإيمان كما جاء في القرآن والسنة خصوصا وأن الناس قد وقعوا في الإفراط والتفريط لبعدهم عن الوحيين الكتاب والسنة.
أولا: في حد الإيمان وتفسيره:
إن معرفة حدود الأشياء وتفسيرها الذي يوضحها، يجب أن تتقدم أحكامها: فإن الحكم على الأشياء فرع عن تصورها، فمن حكم على أمر من الأمور – قبل أن يحيط علمه بتفسيره، ويتصوره تصورا يميزه عن غيره – أخطأ خطأ فاحشا.
أما حد الإيمان وتفسيره، فهو: (التصديق الجازم، والاعتراف التام بجميع ما أمر الله ورسوله بالإيمان به، والانقياد ظاهرا وباطنا، فهو تصديق القلب واعتقاده المتضمن لأعمال القلوب وأعمال البدن، وذلك شامل للقيام بالدين كله([86]).
ولهذا كان الأئمة والسلف يقولن: (الإيمان قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح وهو: قول وعمل واعتقاد يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية. فهو يشمل عقائد الإيمان، وأخلاقه، وأعماله، فالإقرار والاعتراف بما لله تعالى: من الأسماء الحسنى، والصفات الكاملة العليا، والأفعال الناشئة عن أسمائه وصفاته، وهو من أعظم أصول الإيمان، وكذلك الاعتراف بما لله من الحقوق الخاصة –وهو-: التأله والتعبد لله ظاهرا وباطنا- من أصول الإيمان والاعتراف بما أخبر الله به عن ملائكته وجنوده، والموجودات السابقة واللاحقة؛ والإخبار باليوم الآخر، كل هذا من أصول الإيمان([87]).
وكذلك الإيمان بجميع الرسل –صلوات الله وسلامه عليهم- وما وصفوا به في الكتاب والسنة من الأوصاف الحميدة، كل هذا من أصول الإيمان. كما أن أعظم أصول الإيمان: الاعتراف بانفراد الله بالوحدانية والألوهية، وعبادة الله وحده لا شريك له، وإخلاص الدين لله، والقيام بشرائع الإسلام الظاهرة، وحقائقه الباطنة كل هذا من أصول الإيمان ولهذا رتب الله على الإيمان دخول الجنة والنجاة من النار، ورتب عليه رضوانه والفلاح والسعادة. ولا يكون ذلك إلا بما ذكرنا: من شموله للعقائد وأعمال القلوب، وأعمال الجوارح، لأنه متى فات شيء من ذلك، حصل من النقص وفوات الثواب، وحصول العقاب- بحسبه.
بل أخبر الله تعالى: أن الإيمان المطلق تنال به أرفع المقامات في الدنيا، وأعلى المنازل في الآخرة، فقال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ) [الحديد: 19].
والصديقون هم أعلى الخلق درجة بعد درجة الأنبياء في الدنيا، وفي منازل الآخرة، وأخبر في هذه الآية، أن من حقق الإيمان به وبرسله نال هذه الدرجة، ويفسر ذلك ويوضحه ما ثبت في الصحيحين عنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "إن أهل الجنة ليتراءون الغرف في الجنة، كما تراءون الكوكب الشرقي أو الغربي في الأفق؛ لتفاضل ما بينهم"؛ فقالوا: يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال: "بلى والذي نفسه بيده؛ رجال آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين"([88]).
وإيمانهم بالله وتصديقهم للمرسلين: في ظاهرهم وباطنهم، في عقائدهم وأخلاقهم وأعمالهم، وفي كمال طاعتهم لله ولرسله، فقيامهم بهذه الأمور، به يتحقق إيمانهم بالله وتصديقهم للمرسلين، وقد أمر الله في كتابه بهذا الإيمان العام الشامل، وما يتبعه من الانقياد والاستسلام؛ وأثنى على من قام به، فقال في أعظم الآيات الإيمان: (قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) [البقرة: 136].
فأمر الله عباده بالإيمان بجميع هذه الأصول العظيمة والإيمان الشامل بكل كتاب أنزله الله، وبكل رسول أرسله الله؛ والإخلاص والاستسلام والانقياد له وحده بقوله: (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) كما أ ثنى على المؤمنين في آخر السورة بالقيام بذلك، فقال: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) [البقرة: 285].
فأخبر: أن الرسول ومن معه من المؤمنين، آمنوا بهذا الأصول ولم يفرقوا بين أحد من الأنبياء؛ بل آمنوا بهم جميعا، وبما أوتوه من عنده الله؛ وأنهم التزموا طاعة الله، فقالوا: سمعنا وأطعنا؛ وطلبوا من ربهم: أن يحقق لهم ذلك وأن يعفو عن تقصيرهم ببعض حقوق الإيمان، وما ضيعوه منها كما قال تعالى عن أتباع الأنبياء عيسى وغيره أنهم قالوا: (رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) [آل عمران: 53]، فآمنوا بقلوبهم، والتزموا بقلوبهم، وانقادوا بجوارحهم، وسألوا الله أن يكتبهم مع الشاهدين له بالتوحيد وأن يحقق لهم القيام به: قولا وعملا واعتمادًا.
وقال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) [الأنفال: 2-4].
يقيمون الصلاة: فرضها ونفلها، ظاهرًا وباطنا، ويؤتون الزكاة، وينفقون النفقات الواجبة والمستحبة، ومن كان على هذا الوصف فلم يبق من الخير مطلبا، ولا من المشر مهربا.
ولهذا قال: (أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا)، الذين يستحقون هذا الوصف على الحقيقة، ويحققون القيام به ظاهرا وباطنا، ثم ذكر ثوابهم الجزيل – المغفرة المتضمنة لزوال كل شر ومحذور ورفعة الدرجات عند ربهم، والرزق الكريم المتضمن من النعم ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ* إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ *فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ *وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [المؤمنون: 1-11].
ففسر الله الإيمان في هذه الآيات بجميع هذه الخصال فإنه أخبر بفلاح المؤمنين، ثم وصفهم بقوله: (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ ) إلى آخر الآيات المذكورة – فمن استكمل هذه الأوصاف فهو المؤمن حقا، ومضمونها: القيام بالواجبات الظاهرة والباطنة، واجتناب المحرمات والمكروهات، وبتكميلهم للإيمان استحقوا أن يكونوا ورثة جنات الفردوس التي هي أعلى جنات؛ كما أنهم قاموا بأعلى الكمالات. وهذه صريحة في أن الإيمان يشمل عقائد الدين، وأخلاقه، وأعماله الظاهرة والباطنة، ويترتب على ذلك: أنه يزيد بزيادة هذه الأوصاف والتحقق بها، وينقص بنقصها؛ وأن الناس في الإيمان درجات متفاوتة بحسب تفاوت هذه الأوصاف([89]).
ولهذا كانوا ثلاث درجات: سابقون مقربون، وهم الذين قاموا بالواجبات والمستحبات وتركوا المحرمات والمكروهات وفضول المباحات، ومقتصدون وهم: الذين قاموا بالواجبات وتركوا المحرمات، وظالمون لأنفسهم، وهم: الذين تركوا بعض واجبات الإيمان، وفعلوا بعض المحرمات، كما ذكرهم الله بقوله: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) [فاطر: 32]. وقد يعطف الله على الإيمان، الأعمال الصالحة أو التقوى أو الصبر، للحاجة إلى ذكر المعطوف، لئلا يظن الظان أن الإيمان يكتفى فيه بما في القلب فكما في القرآن من قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) [البقرة: 277]، ثم يذكر خيرا عنهم، والأعمال الصالحة من الإيمان فمن ادعى أنه مؤمن: وهو لم يعمل بما أمر الله به ورسوله من الواجبات، وترك المحرمات فليس بصادق في إيمانه وهذا من وسطية القرآن واستقامته واعتداله وحكمته في هذا الباب.
كما يقرن بين الإيمان والتقوى، في مثل قوله تعالى: (أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) [يونس: 62-63]، فذكر الإيمان الشامل لما في القلوب من العقائد والإرادات الطيبة، والأعمال الصالحة، ولا يتم للمؤمن ذلك حتى يتقى ما يسخط الله من الكفر والفسوق والعصيان، ولهذا حقق ذلك بقوله: (وَكَانُوا يَتَّقُونَ) كما وصف الله بذلك خيار خلقه بقوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الأمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [الحجرات: 7-8]، فهذه أكبر المنن، أن يحبب الله الإيمان للعبد، ويزينه في قلبه، ويذيقه حلاوته، وتنقاد جوارحه للعمل بشرائع الإسلام، ويبغض الله إليه أصناف المحرمات والله عليم بمن يستحق أن يتفضل عليه بهذا الفضل، حكيم في وضعه في محله اللائق به.
كما ثبت في الصحيح من حديث أنس -رضي الله عنه- أنه قال -صلى الله عليه وسلم-: "ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يرجع عن دينه، كما يكره أن يقذف في النار"([90])، فذكر أصل الإيمان الذي هو محبة الله ورسوله، ولا يكتفي بمطلق المحبة، بل لا بد أن تكون محبة الله مقدمة على الجميع، وذكر تفريعها: بأن بح لله، ويبغض لله، فيحب الأنبياء والصديقين، والشهداء والصالحين؛ لأنهم قاموا بمحاب الله واختصهم من بين خلقه، وذكر دفع ما يناقضه، وأنه يكره أن يرجع عن دينه أعظم كراهة، تقدر أعظم من كراهة إلقائه في النار.
وأخبر في هذا الحديث أن للإيمان حلاوة في القلب، إذا وجدها العبد سلته عن المحبوبات الدنيوية، وعن الأعراض النفسية، وأوجبت له الحياة الطيبة، فإن من أحب الله ورسوله لهج بذكر الله طبعا – فإن من أحب شيئا أكثر من ذكره – واجتهد في متابعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقدم متابعته على كل قول، وعلى إرادة النفوس وأغراضها، من كان كذلك فنفسه مطمئنة مستحلية للطاعات، قد انشرح صدر صاحبها للإسلام، فهو على نور من ربه، وكثير من المؤمنين لا يصل إلى هذه المرتبة العالية: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا) [الأنعام: 132].
وكذلك في الصحيحين من حديث أبي هريرة أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: "الإيمان بضع وسبعون شعبة؛ أعلاها قول: لا إله إلا الله؛ وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان"، وهذا إخبار صريح أن الإيمان يشمل أقوال اللسان، وأعمال الجوارح، والاعتقادات والأخلاق، والقيام بحق الله، والإحسان إلى خلقه، فجمع في هذا الحديث بين أعلاه وأصله وقاعدته وهو قول: لا إله إلا الله اعتقادًا وتألها وإخلاصها لله، وبين أدناه وهو إماطة العظم والشوكة وكل ما يؤذي عن الطريق، فكيف بما فوق ذلك: من الإحسان وذكر الحياء والله أعلم: لأن الحياء به حياة الإيمان، وبه يدع العبد كل فعل قبيح كما به يتحقق كل خلق حس، وهذه الشعب –المذكورة في هذا الحديث- هي جميع شرائع الدين الظاهرة والباطنة، وهذا –أيضًا- صريح في أن الإيمان يزيد وينقص بحسب زيادة هذه الشرائع والشعب واتصاف العبد بها أو عدمه، ومن المعلوم أن الناس يتفاوتون فيها تفاوتا كبيرا، فمن زعم: أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص فقد خالف الحس مع مخالفته لنصوص الشارع كما ترى([91]).
والانقياد لحكم الله ورسوله من علامات الإيمان قال تعالى: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [النساء: 65]، فأقسم تعالى أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا رسوله، ولا يبقي في قلوبهم حرج وضيق من حكمهن وينقادوا له انقيادًا وينشرحوا لحكمه، وهذا شامل في تحكيمه في أصول الدين وفي فروعه، وفي الأحكام الكلية والأحكام الجزئية([92]). وفي صحيح البخاري عن أنس مرفوعا: " لا يؤمن أحكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"([93]). وذلك يقتضى أن يقوم بحقوق إخوانه المسلمين الخاصة والعامة فإنه من الإيمان، ومن لم يقم بذلك ويحب لهم ما يحب لنفسه، فإنه لم يؤمن الإيمان الواجب؛ بل نقص إيمانه بقدر ما نقص من الحقوق الواجبة عليه([94]).
وفي صحيح مسلم من حديث العباس بن عبد المطلب([95]) -رضي الله عنه-قال: قال -صلى الله عليه وسلم-:"ذاق طعم الإيمان من رضى بالله ربا، وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا"([96]).
والرضا بذلك يقتضي الفرح بذلك، والسرور بربوبية الله له، وحسن تدبيره وأفضليته عليه، وأن يرضي بالإسلام دينا، ويفرح به، ويحمد الله على هذه النعمة التي هي أكبر المنن، حيث رضى الله له الإسلام، ووفقه له واصطفاه له، ويرضي بمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبيا، فهو أكمل الخلق، وأعلاهم في كل صفة كمال، وأمته وأتباعه أكمل الأمم وأعلاهم، وأرفعهم درجة في الدنيا والآخرة.
فالرضا بنبوة الرسول ورسالته واتباعه من أعظم ما يثمر الإيمان، ويذوق به العبد حلاوته، قال تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ) [آل عمران: 164]، قال تعالى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنَفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتِّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) [التوبة: 128].
فكيف لا يرضى المؤمن بهذا الرسول الكريم الرؤوف الرحيم؛ الذي أقسم الله أنه لعلى خلق عظيم، وأشرف مقام للعبد انتسابه لعبودية الله، واقتداؤه برسوله -صلى الله عليه وسلم- ومحبته وأتباعه؛ وهذا علامة محبة الله؛ وباتباعه تتحقق المحبة والإيمان. قال تعالى: (قُلْ إِن كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [آل عمران: 31].
وفي صحيح مسلم من حديث سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: "يا رسول الله؛ قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قال: "قل آمنت بالله ثم استقم"([97]).
فبين -صلى الله عليه وسلم- بهذه الوصية الجامعة أن العبد إذا اعترف بالإيمان ظاهرا وباطنا، ثم استقام عليه قولا وعملا وفعلا وتركا، فقد كمل أمره، واستقام على الصراط المستقيم، ورجى له فلاح الدارين، وبعد هذا العرض الموجز لمفهوم الإيمان كما جاء في القرآن، ووضحته أحاديث سيد ولد عدنان، عليه أفضل الصلاة والسلام، يتضح لنا مفهوم الإيمان بعيدًا على من أنكره جملة كالملاحدة، أو انحرف في فهم حقيقته كالفلاسفة، أو حرفوه عن أصله كاليهود أو ضلوا عن تصور معانيه والوقوف على ماهيته كالنصارى، وبذلك يتضح لنا مفهوم الإيمان ووسطية واستقامة واعتدال القرآن في عرضه.
وابتعدت عن أقوال من وقع في البدع في حقيقة هذا الجانب من المعتزلة والخوارج والمرجئة والجهمية، واكتفيت بقول واعتقاد أهل السنة والجماعة الذين هم الصحابة -رضي الله عنهم- وكل من سلك نهجهم من خيار التابعين رحمة الله عليه، ثم أصحاب الحديث ومن تبعهم من الفقهاء جيلا فجيلا إلى يومنا هذا ومن اقتدى بهم من العوام في شرق الأرض وغربها رحمة الله عليهم([98]).
وقد بين النبي -صلى الله عليه وسلم- أن النجاة لا تكون إلا لمن كان على ما كان عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه ومن تابعهم إلى يوم الدين، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "... وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا واحدة" قالوا: وما هي يا رسول الله ؟ قال: "ما أنا عليه وأصحابي"([99]).
ثانيا: منهج القرآن في الأمور التي يستمد منها الإيمان:
بما أن الإيمان أعظم المطالب وأهمها وأعمها؛ لذلك جعل الله له مواد كبيرة تجلبه وتقويه، كما أنه له أسباب تضعفه وتوهيه.
والمواد التي تجلبه وتقويه أمران: مجمل ومفصل، أما المجمل فهو: التدبر لآيات الله المتلوة: من الكتاب والسنة؛ والتامل لآياته الكونية على اختلاف أنواعها، والحرص على معرفة الحق الذي خلق له العبد، والعمل بالحق؛ فجميع الأسباب مرجعها إلى هذا الأصل العظيم.
وأما التفصيل: فالإيمان يحصل ويقوى بأمور كثيرة، منها بل أعظمها:
أولا: معرفة أسماء الله الحسنى الواردة في الكتاب والسنة، والحرص على فهم معانيها، والتعبد لله فيها، قال تعالى: (وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأعراف: 180]، فالتأمل في أسمائه وصفاته –سبحانه وتعالى- من منهج الوسطية والإلحاد في أسمائه وصفاته خروج عن منهج الوسطية الذي رسمه القرآن: (قُلِ ادْعُوا اللهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءَ الْحُسْنَى) [الإسراء: 110]، والذين يصفون الله بغير ما وصف به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم- يلحدون في آيات الله، وهذا انحراف عن الصراط المستقيم (إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا) [فصلت: 40]، ولذلك فإن الحرص على معرفة أسماء الله الحسنى وفهم معانيها يزيد الإيمان.
فقد ثبت في الصحيحين عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إن لله تسع وتسعين اسما –مائة إلا واحد- من أحصاها، دخل الجنة"([100])، أي من حفظها، وفهم معانيها، واعتقدها وتعبد الله بها دخل الجنة، والجنة لا يدخلها إلا المؤمنون فاعلم: أن ذلك أعظم ينبوع ومادة لحصول الإيمان وقوته وثباته؛ معرفة الأسماء الحسنى هي أصل الإيمان، والإيمان يرجع إليها.
ومعرفتها تتضمن أنواع التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وتوحيد الأسماء والصفات، وهذه الأنواع هي روح الإيمان وروحه، وأصله وغايته. فكلما ازداد العبد معرفة بأسماء الله وصفاته، ازداد إيمانه وقوى يقينه، فينبغي للمؤمن: أن يبذل مقدوره ومستطاعه في معرفة الأسماء والصفات، وتكون معرفته سالمة من داء التعطيل، ومن داء التمثيل اللذين ابتلى بهما كثير من أهل البدع المخالفة لما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- بل تكون المعرفة متلقاة من الكتاب والسنة، وما روى عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان فهذه المعرفة النافعة التي لا يزال صاحبها في زيادة في إيمانه وقوة يقينه، وطمأنينة في أحواله([101]).
ويعجبني في هذا المقام كلام نفيس للعلامة ابن القيم -رحمه الله-: حيث يقول: (ومشهد الأسماء والصفات من أجل المشاهد، والمطلع على هذا المشهد يعرف أن الوجود متعلق خلقا وأمرًا بالأسماء الحسنى والصفات العلى ومرتبط بها، وإن كل ما في العالم بما فيه من بعض آثارها ومقتضياتها، فاسمه الحميد المجيد، يمنع ترك الإنسان سدى مهملا معطلا، لا يؤمر ولا ينهي، ولا يثاب ولا يعاقب، وكذلك اسمه (الحكيم) يأبى ذلك، وهكذا فكل اسم من أسمائه له موجبات وله صفات لا ينبغي تعطيلها عن كمالها ومقتضياتها والرب يحب ذاته وأوصافه وأسماؤه، فهو عفو يحب العفو، ويحب المغفرة، ويحب التوبة، ويفرح بتوبة عبده حين يتوب إليه أعظم فرح يخطر بالبال.
وكان تقدير ما يغفره ويعفو عن فاعله ويحلم عنه ويتوب عليه ويسامحه بموجب أسمائه وصفاته، وحصول ما يحبه ويرضاه من ذلك، وما يحمد به نفسه ويحمد به أهل سماواته وأهل أرضه، وما هو من موجبات كماله ومقتضى حمده وهو سبحانه الحميد المجيد، وحمده ومجده يقتضيان آثارهما، ومن آثارهما: مغرفة الزلات وإقالة العثرات، والعفو عن السيئات أو المسامحة عن الجنايات مع كمال القدرة على استيفاء الحق، والعلم منه سبحانه بالجناية ومقدار وعقوبتهما فحلمه بعد علمه، وعفوه بعد قدرته، ومغفرته عن كمال عزته وحكمته، كما قال عيسى -عليه السلام- في القرآن: (إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [المائدة: 118]، أي فمغفرته عن كمال قدرتك وحكمتك، لست كمن يغفر عجزا، ويسامح جهلا بقدر الحق؛ بل أنت عليم بحقك، قادر على استيفائه حكيم في الأخذ به، فمن تأمل سريان آثار الأسماء والصفات في العالم وفي الأمر يتبين له أن مصدر قضاء هذه الجنايات من العبيد وتقديرها هو في كمال الأسماء والصفات والأفعال وغايتها أيضًا مقتضى حمده ومجده، كما هو مقتضى ربوبيته وإلهيته، فلله في كل ما قضاه وقدره الحكمة البالغة والآيات الباهرة.
والله سبحانه دعا عباده إلى معرفته بأسمائه وصفاته وأمرهم بشكره ومحبته وذكره وتعبدهم بأسمائه الحسنى وصفات العلى لأن كل اسم له تعبد مختص به، علما ومعرفة وحالا، وأكمل الناس عبودية: المتعبد بجميع الأسماء والصفات التي يطلع عليها البشر فلا يحجبه اسم عن اسم آخر، كما لا يحجبه التعبد باسمه (القدير) عن التعبد باسمه (الحليم الرحيم) أو يحجبه عبودية اسمه (المعطي) عن عبودية اسمه (المانع) أو عبودية اسم (الرحيم، العفو، والغفور) عن اسم المنتقم أو التعبد بأسماء (البر، والإحسان، واللطف) عن أسماء العدل والجبروت، والعظمة والكبرياء وهذه طريقة الكمال من السائرين إلى الله، وهي طريقة مشتقة من قلب القرآن قال تعالى: (وَللهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) [الأعراف: 18]، والدعاء بها يتناول دعاء المسألة ودعاء الثناء ودعاء التعبد([102]) وهو سبحانه يدعو عباده إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته ويثنو عليه بها، ويأخذوا بحظهم من عبوديتها.
فالله تعالى يحب موجب أسمائه وصفاته، فهو عليم يحب كل عليم وهو (جواد) يحب كل جواد، (وتر) يحب الوتر (جميل) يحب الجمال (عفو) يحب العفو وأهله (حيي) يحب الحياء وأهله (بر) يحب الأبرار (شكور) يحب الشاكرين (صبور) يحب الصابرين (حليم) يحب أهل الحلم، فلمحبته سبحانه للتوبة والمغفرة، والعفو والصفح خلق من يغفر لهم ويتوب عليهم ويعفو عنهم، وقدر عليهم ما يقتضى وقوع المكروه المبغوض له، ليترتب عليه المحبوب له المرضى له([103]).
وظهور أسماء الله وصفاته في هذه الحياة وفي النفس البشرية وفي الكون كله واضح لا يحتاج إلى دليل، إلا أن الاهتداء إلى تلك الآثار أو الانتباه لها يتوقف على توفيق الله تعالى، بل إن التوفيق نفسه من آثار رحمته التي وسعت كل شيء فلو فكر الإنسان في هذا الكون الفسيح وفي نفسه لرجع من هذه الجولة الفكرية بعجائب واستفاد منها فوائد ما كان يحلم بها، ولو تأملنا هذه الآية الكريمة لرأينا أمورًا تعجز عن التعبير عنها قال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لاَ تُرْجَعُونَ) ]المؤمنون: 115-116]، ومما يدلل ويؤكد أهمية هذا التوحيد هو ما تثمره أسماءه الله وصفاته في قلب المؤمن من زيادة الإيمان ورسوخ في اليقين، وما تجلبه له من النور والبصيرة التي تحفظه نم الشبهات المضللة والشهوات المحرمة([104]).
فهذا العلم إذا رسخ في القلب أوجب خشية الله لا محالة، فلكل اسم من أسماء الله تأثير معين في القلب والسلوك، فإذا أدرك القلب معنى الاسم وما تضمنه واستشعر ذلك، تجاوب مع هذه المعاني وانعكست هذه المعرفة على تفكيره وسلوكه ولكل صفة عبودية خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها، فالأسماء الحسنى والصفات العلي مقتضية لآثارها من العبودية، وهذا مطرد في جميع أنواع العبودية التي على القلب والجوارح فمثلا: علم العبد بتفرد الرب تعالى بالضر والنفع والعطاء والمنع والخلق والرزق والإحياء والإماتة يثمر له عبودية التوكل عليه باطنا، ولوازم التوكل وثمراته ظاهرا، وعلمه بسمعه تعالى وبصره وعلمه وأنه لا يخفى عليه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وأنه يعلم السر وأخفى ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور يثمر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه عن كل ما لا يرضى الله، وأن يجعل تعلق هذه المحرمات والقبائح، ومعرفته بغناه وجوده وكرمه وبره وإحسانه ورحمته توجب له سعة الرجاء وثمر له ذلك من أنواع العبودية الظاهرة والباطنة بحسب معرفته وعلمه([105]).
وكذلك معرفته بجلال الله وعزه تثمر له الخضوع والاستكانة والمحبة، وتثمر له تلك الأحوال الباطنة أنواعا من العبودية الظاهرة هي موجباتها، وكذلك علمه بكماله وجماله وصفاته العلى وجب له محبة خاصة بمنزلة أنواع العبودية فرجعت العبودية إلى مقتضى الأسماء والصفات وارتبطت بها([106]).
وهذه الأحوال التي تتصف بها القلوب: هي أكمل الأحوال وأجل وصف يتصف به القلب وينصبغ به، ولا يزال العبد يمرن نفسه عليها حتى تنجذب نفسه وروحه بدواعيه منقادة راغبة، وبهذه الأعمال القلبية تكمل الأعمال البدنية فنسأل الله أن يملأ قلوبنا من معرفته ومحبته والإنابة إليه، فإنه أكرم الأكرمين، وأجود الأجودين([107]).
لكل صفة من صفات الله أثر في قلب المؤمن:
وقد يظن بعض الذين يدعون العلم، وممن لاحظ لهم من علوم الشريعة، أن معرفة أسماء الله وصفاته لا تؤثر في الإيمان بالله من حيث الزيادة والنقصان، ولا تؤثر في القلوب، ولذلك لا فائدة من معرفتها أو جهلها أو إثباتها أو إنكارها، وقد توسع في هذا الجانب الفلاسفة الذين وصفوا الله تعالى بصفات من عند أنفسهم وأنكروا وجحدوا ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله -صلى الله عليه وسلم- فانحرفوا عن منهج الوسطية ووقعوا في الإفراط والتفريط وابتعدوا عن الصراط المستقيم ومنهج الاعتدال الذي بينه القرآن الكريم.
ومما لا ريب فيه أنه ليست هناك صفة لله في القرآن أو في السنة إلا وقد ساقها الله تعالى لحكمة ومنفعة وغاية، ولولا ذلك لما ساقها ولما ذكرها لأن كلامه وكلام رسوله ينزه عن العبث واللغو والحشو، ومن ظن أن الله يحشو كلامه بما لا فائدة في ذكره أو لا غاية من ورائه أو لا أهمية فقد أتهم الله بالنقص واللغو.
ولبيان أن لكل صفة من صفات الله أثرًا في قلب المؤمن سنبين ذلك ببعض التفاصيل، من حيث إن لكل صفة في القلب أثرًا يتضح في السلوك البشري، فلا توجد صفة من صفات الله إلا ولها أثر وفائدة، وإنما الذي ينكر الأثر هم الجهلة والجاحدين، أما علماء أهل السنة والجماعة فبينوا ذلك الأمر بيانا أوضح من الشمس في رابعة النهار.
أثر صفة العظمة:
وهذه الصفة مشتقة من اسمه تعالى العظيم، والعظمة صفة من صفاته لا يقوم لها خلق، والمقصود أن عظمة الله سبحانه لا يمكن أن يتصف بها أحد من خلقه والله خلق بين الخلق عظمة يعظم بها بعضهم بعضا، فمن الناس من يعظم لمال، ومنهم من يعظم لعلم، ومنهم من يعظم لسلطان، ومنهم من يعظم لجاه، وكل واحد من الخلق إنما يعظم لمعنى دون معنى، والله -عز وجل-: يعظم في الأحوال كلها، فينبغي لمن عرف حق عظمته سبحانه أن لا يتكلم بكلمة يكرهها الله، ولا يرتكب معصية لا يرضاها الله.
فإذا شعر العبد بعظمة الله خاف مولاه واتقاه ورغب في مرضاته –سبحانه تعالى- والحديث الدال على صفة العظمة قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- "يقول تبارك وتعالى: العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار"([108]).
أثر صفة يد الله:
ومن الصفات التي جحدتها قلوب النفاق وأنكرها الزنادقة قديما، وصف الله نفسه سبحانه بأن له يدين، وهذا ما قد مدح الله به نفسه في آيات كثيرة من كتابه، وقد مدحه بها النبي -صلى الله عليه وسلم- في أحاديث كثيرة وهي تدخل في صفات الله الذاتية، وقد بين سبحانه في الآيات والأحاديث عظمة عطائه وسعة فضله وأن يده الكريمة جل وعلا دائمة العطاء والإنفاق، وفي مجال قوته وجبروته وبطشه وكمال قدرته وبيان عظمته أن السماوات والأرض يوم القيامة تكون بيمينه: (وَمَا قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الزمر: 67].
ولا شك أن أثر الإيمان بهذه الصفة في قلب المؤمن عظيم؛ لأنه يورث القلب المهابة لله والخوف منه وتعظيم أمره وشأنه، وأنه لا مفر من قبضته، ولا ملجأ منه إلا إليه.
أثر اسم الله الحميد:
وهذا الاسم يتضمن لصفة الحمد بكل أنواعه، فهي صفة ذاتية لله -عز وجل-: لا تنفك عنه وتظهر آثارها باستمرار في كل لحظة، ومعناها أنه سبحانه مستحق لكل أنواع الحمد، لأنه المحمود في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله، وليس ذلك لأحد سواه سبحانه، كما يبدو لي أن العبد لا بد أن يسلك في حياته سلوكا يحمد عليه، لأن أعماله جميعا يجب أن تكون خالصة للحميد، ولو أن كل فرد تحرى أن يكون عمله حميدا لصلح أمر الناس في الدنيا والآخرة، ولاختفت المنازعات فيما بينهم والخصومات ولعاشوا جميعا إخوة في الله متحابين([109]).
أثر اسم الله المهيمن:
ومن آثار هيمنته سبحانه أنه يملك أن يتصرف في خلقه كيف يشاء؛ لأنه ملكهم والمالك من حقه أن يتصرف فيم لكه بكافة أنواع التصرف، من نماذج هذه التصرفات ما ذكره الله تنبيها وتذكيرا باستمرار وشمول هيمنته على خلقه –سبحانه وتعالى-([110]).
قال تعالى:
(قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ *قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ) [الأنعام: 63-65]. وإذا شعر القلب بهيمنة ربه عليه لجأ إليه وطلب العون منه لدفع ضر أو جلب نفع، والآيات في هذا الباب كثيرة، وكذلك أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
أثر صفة العلو في قلب العبد:
إذا أيقن العبد أن الله تعالى فوق السماء، عال على عرشه بلا حصر ولا كيفية، وأنه الآن في صفاته كما كان في قدمه، كان لقلبه في صلاته وتوجهه ودعائه.
ومن لا يعرف ربه بأنه فوق السماء على عرشه، فإنه يبقى ضائعا لا يعرف وجهة معبوده، ولكن ربما عرفه بسمعه، ,بصره وقدمه وتلك بلا هذا معرفة ناقصة، بخلاف من عرف أن إلهه الذي يعبده فوق الأشياء، فإذا دخل في الصلاة وكبر وتوجه قلبه إلى جهة العرش منزها له تعالى، مفردًا له كما أفرده في قدمه وألوهيته واعتقد أن في علوه قريب من خلقه، وهو معهم بعلمه وسمعه وبصره وإحاطته وقدرته ومشيئته وذاته فوق الأشياء وفوق العرش، ومتى شعر قلبه بذلك في الصلاة أشرق قلبه واستنار وأضاء بأنوار المعرفة والإيمان، وعكفت أشعة العظمة على قلبه وروحه ونفسه، فانشرح لذلك صدره، وقوى إيمانه، ونزه ربه عن صفات خلقه من الحصر والحلول، وذاق حينئذ شيئا من أذواق السابقين المقربين([111]).
أثر صفة السمع:
قال تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) [المجادلة: 1].
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: (الحمد لله وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- تكلمه وأنا في ناحية البيت، ما أسمع ما تقول، فأنزل الله -عز وجل-: (قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا)([112]).
أقول: لو أن دارس الأسماء والصفات ومدرسيها تأملوا ما دلت عليه هذه الصفات، وأشعر المرء نفسه أنه مراقب في جميع أحواله وان ما ينطلق به لسانه يسمعه خالقه من فوق سبع سماوات في حينه وأنه سيجازيه على ذلك لانعكس على سلوكه وأخلاقه وأعماله وسيرته في مجتمعه، ولظهرت الأخلاق الربانية وأصبح الشخص لله وليا يمشى على وجه الأرض، ولشعرنا أن الأخلاق الرفيعة ثمرة من ثمرات التوحيد، وبقدر ما يملك العبد من الإيمان والتوحيد ينعكس ذلك ويظهر على أخلاقه.
ولابد أن نراعي قواعد السلف عند تأملنا وتفكرنا في أسماء الله وصفاته التي تزيدنا إيمانا بالله العلي العظيم، ويعجبني في هذا المقام أن أكتب ما كان يقوله ويكرره شيخي الفاضل عبد المحسن العباد في دروسه بالمدينة النبوية (المذهب الحق وسط بين الطرفين في قضية الإثبات، فلا نفي ولا تأويل، وفيه التنزيه فلا تشبيه ولا تمثيل، وكل من المشبهة النفاة جمعوا بين إساءة وإحسان).
فالمشبهة: أحسنوا إذا أثبتوا فلم ينفوا الصفات، وأساؤوا إذا شبهوا ومثلوا، وأهل السنة والجماعة جمعوا بين الحسنيين وسلموا من الإساءتين، فالإحسان الذي عند الطرفين عندهم، وليس عندهم ما عند كل من الإساءة وذلك أنهم أثبتوا ما أثبت في الكتاب والسنة من الصفات، ونزهوا الله عن مشابهة خلقه، وكما قال تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى: 11]، فأول الآية تنزيه وآخرها إثبات، فمثل هذا المذهب الحق بالنسبة إلى الطرفين المتقابلين كاللبن السائغ للشاربين الذي يخرج من بين فرث ودم([113]).
ثانيا: تدبر القرآن على وجه العموم:
فإن المتدبر لا يزال يستفيد من علوم القرآن ومعارفه، ما يزداد به إيمانا، كما قال تعالى: (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) [الأنفال: 2]، وكذلك إذا نظرنا إلى انتظامه وإحكامه؛ وأنه يصدق بعضه بعضا ويوافق بعضه بعضا، ليس فيه تناقض ولا اختلاف: تيقن أنه تنزيل من حكيم حميد: (لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فصلت: 42]، وأنه لو كان من عند غير الله، لوجد فيه –من التناقض والاختلاف- أمورًا كثيرة، قال تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا) [النساء: 82]، وهذا من أعظم مقويات الإيمان، ويقويه من وجوه كثيرة: فالمؤمن بمجرد ما يتلو آيات الله، ويعرف ما فيها من الأخبار الصادقة، والأحكام الحسنة يحصل له من أمور الإيمان، خير كبير فكيف إذا أحسن تأمله، وفهم مقاصده وأسراره؟! ولهذا كان المؤمنون الكمل يقولن: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا) [آل عمران: 193].
ثالثا: معرفة أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- وما تدعو إليه من علوم الإيمان وأعماله:
كلها من محصلات الإيمان ومقويات، فكلما ازداد العبد معرفة بكتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- ازداد إيمانه ويقينه، وقد يصل في علمه وإيمانه إلى مرتبة اليقين، فقد وصف الله الراسخين في العلم، الذين حصل لهم العلم التام القوى الذي يدفع الشبهات والريب، ويوجب اليقين التام، ولهذا كانوا سادة المؤمنين الذين استشهد الله بهم واحتج بهم على غيرهم من المرتابين والجاحدين، كما قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُو الألْبَابِ) [آل عمران: 7].
فالراسخون زال عنهم الجهل والريب وأنواع الشبهات، وردوا المتشابه من الآيات إلى المحكم منها، وقالوا: آمنا بالجميع: فكلها من عند الله؛ وما منه، وما تكلم به وحكم به كله صدق وحق. وقال تعالى: (لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ) [النساء:162].
وقال تعالى: (شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [آل عمران: 18]، ولعلمهم بالقرآن العلم التام، وإيمانهم الصحيح استشهد بهم في الدنيا والآخرة، كما قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) [الروم: 56]، وأخبر تعالى في عدة آيات أن القرآن آيات المؤمنين وآيات للموقنين، لأنه يحصل لهم بتلاوته وتدبره –من العلم واليقين والإيمان- بحسب ما فتح الله عليهم منه، فلا يزالون علما وإيمانا ويقينا([114]).
رابعًا: ومن طرق موجبات الإيمان وأسبابه –معرفة النبي -صلى الله عليه وسلم- ومعرفة ما هو عليه من الأخلاق العالية، والأوصاف الكاملة، فإن من عرفه حق المعرفة لم يرتب في صدقه وصدق ما جاء به من الكتاب والسنة الحق كما قال تعالى: (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ) [المؤمنون: 69].
فمعرفته -صلى الله عليه وسلم- توجب للعبد المبادرة إلى الإيمان بما لم يؤمن به، وزيادة الإيمان بما آمن به، وقال تعالى حاثا لهم على تدبر أحوال الرسول الداعية للإيمان: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا للهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) [سبأ: 46].
وأقسم تعالى بكمال هذا الرسول وعظمة أخلاقه، وأنه أكمل مخلوق بقوله: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ *وَإِنَّ لَكَ لأجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ *وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم: 1-4]، فهو -صلى الله عليه وسلم- أكبر داع للإيمان في أوصاف الحميدة، وشمائله الجميلة، وأقواله الصادقة النافعة، وأفعاله الرشيدة فهو الإمام الأعظم، والقدوة الأكمل: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ) [الأحزاب: 21]، (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)[الحشر: 7].
وقد ذكر الله عن أولى الألباب الذين هم خواص الخلق أنهم قالوا: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا) [وهو هذا الرسول الكريم (يُنَادِي لِلإِيمَانِ ) بقوله وخلقه وعمله ودينه، وجميع أحواله (أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا ) [آل عمران: 193]، أي: إيمان لا يدخله ريب.
ولما كان هذا الإيمان من أعظم ما يقرب العبد إلى الله، ومن أعظم الوسائل التي يحبها الله –توسلوا بإيمانهم أن يكفر عنهم السيئات وينيلهم المطالب العالية، فقالوا: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبْرَارِ) [آل عمران: 193].
ولهذا كان الرجل المنصف –الذي ليس له إرادة إلا اتباع الحق مجرد ما يراه ويسمع كلامه- يبادر إلى الإيمان به -صلى الله عليه وسلم- ولا يرتاب في رسالته بل كثير منهم- مجرد ما يري وجهه الكريم- يعرف أنه ليس بوجه كذاب وقيل لبعضهم: (لم بادرت إلى الإيمان بمحمد قبل أن تعرف رسالته؟ فقال: ما أمر بشيء، فقال العقل، ليته نهي عنه ولا نهي عن شيء فقال العقل ليته أمر به)([115]).
فاستدل هذا العاقل الموفق –بحسن شريعته، وموافقتها للعقول الصحيحة – على رسالته؛ فبادر إلى الإيمان به ولهذا استدل ملك الروم هرقل – لما وصف له ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم- وما كان يأمر به، وما ينهي عنه –استدل بذلك أنه من أعظم الرسل؛ واعترف بذلك اعترافا جليا ولكن منعته الرئاسة وخشية زوال ملكه من اتباعه؛ كما منعت كثيرا ممن اتضح لهم أنه رسول الله حقا، وهذا من أكبر موانع الإيمان في حق أمثال هؤلاء، وأما أهل البصائر والعقول الصحيحة، فإنهم يرون هذه الموانع والرئاسات والشبهات والشهوات، ولا يرون لها قيمة: حتى يعارض بها الحق الصحيح النافع، المثمر للسعادة عاجلا وآجلا. ولهذا السبب الأعظم كان المعتنون بالقرآن حفظا ومعرفة، والمعتنون بالأحاديث الصحيحة أعظم إيمانا ويقينا من غيرهم، وأحسن عملا في الغالب.
خامسًا: ومن أسباب الإيمان ودواعيه التي بينها القرآن الكريم التفكر في الكون، وفي خلق السماوات والأرض وما فيهن من المخلوقات المتنوعة، والنظر في نفس الإنسان، وما هو عليه من الصفات المتنوعة قال تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآَيَاتٍ لأُولِي الألْبَابِ) [آل عمران: 19]، وقال تعالى: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ) [الذاريات: 21].
فإن التأمل والتفكر في الكون والنفس وآيات الله المنظورة داع قوى للإيمان، لما في هذه الموجدات من عظمة الخلق الدالة على قدرة خالقها وعظمته؛ وما فيها: من الحسن والانتظام، والإحكام الذي يحير الألباب، الدال على سعة علم الله، وشمول حكمته، وما فيها من أصناف المنافع والنعم الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى، الدالة على سعة رحمة الله، وجوده وبره، وذلك كله يدعو إلى تعظيم مبدعها وبارئها وشكره، واللهج بذكره؛ وإخلاص الدين له وهذا هو روح الإيمان وسره([116])، وإذا تأملنا في مخلوقات الله كلها نجدها مضطرة ومحتاجه إلى ربها من كل الوجوه، وأنها لا تستغني عنه طرفة عين خصوصا ما تشاهده في نفسك من أدلة الافتقار وقوة الاضطرار، وذلك يوجب للعبد كمال الخضوع، وكثرة الدعاء والتضرع إلى الله: في جلب ما يحتاجه من منافع دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ويوجب له قوة التوكل على ربه، وكمال الثقة بوعده، وشدة الطمع في بره وإحسانه، وبهذا يتحقق الإيمان، ويقوى التعبد فإن الدعاء مخ العبادة وأصلها([117]) قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)[فاطر: 15]، كذلك التفكر في كثرة نعم الله وآلائه العامة والخاصة التي لا يخلو منها مخلوق طرفة عين، كل هذا يدعو إلى الإيمان.
ولهذا دعى الله الرسل والمؤمنين إلى شكره، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا للهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) [البقرة: 172]، فالإيمان يدعو إلى الشكر والشكر ينمو به الإيمان فكل منهما ملازم وملزوم للآخر.
سادسا: ومن أسباب دواعي الإيمان التي بينها القرآن الكريم الإكثار من ذكر الله في كل وقت، ومن الدعاء الذي هو مخ العبادة، فإن الذكر لله يغرس شجرة الإيمان في القلب ويغذيها وينميها، وكلما ازداد العبد ذكرا لله قوى إيمانه؛ كما أن الإيمان يدعو إلى كثرة الذكر، فمن أحب الله أكثر من ذكره، ومحبة الله هي: الإيمان، بل هي روحه. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا) [الأحزاب: 41]، وقال تبارك وتعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآَخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا) [الأحزاب: 21].
سابعًا: ومن الأسباب الجالية للإيمان التي بينها القرآن الكريم السعي والاجتهاد في تحقيق مقام الإحسان في عبادة الله والإحسان إلى خلقه قال تعالى: (وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ) [لقمان: 32]، وقال تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) [البقرة: 83].
فعلى العبد: أن يعبد الله كأنه يشاهده، فإن لم يقو على هذا استحضر أن الله يشاهده ويراه؛ فيجتهد في إكمال العمل وإتقانه ولا يزال يجاهد نفسه ليتحقق هذا المقام العالي، وبالتالي يقوى إيمانه ويقينه ويصل في ذلك إلى حق اليقين وطريق المحسنين كما جاء في القرآن بيان صفاتهم، قال تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلاً مِّن اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ *وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) [الذاريات: 15-19]، وقال تعالى: (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران: 134].
وبذلك يتضح لنا صفات المحسنين ويكون الإحسان إلى الخلق بالقول والفعل والمال والجاه وأنواع المنافع هو من الإيمان ومن دواعي زيادته، والجزاء من جنس العمل، فكما أحسن إلى عباد الله وأوصل إليهم من بره ما يقدر عليه، أحسن الله إليه أنواعا من الإحسان ومن أفضلها: أن يقوى إيمانه ورغبته في فعل الخير، والتقرب إلى ربه وإخلاص العمل له([118]).
ثامنا: ومن الأمور التي تقوى الإيمان وتزيده ما ذكره الله تعالى في سورة المؤمنين من قوله: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاَتِهِمْ خَاشِعُونَ* .وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * .إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ* فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ* أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ) [المؤمنون: 1-10]، فهذه الصفات الثمان، كل واحدة منها تثمر الإيمان وتنميه؛ كما أنها من صفات الإيمان وداخلة في تفسيره كما تقدم، بحضور القلب في الصلاة، وكون المصلي يجاهد نفسه على استحضار ما يقوله ويفعله: من القراءة والذكر والدعاء فيها، ومن القيام والقعود، والركوع والسجود من أسباب زيادة الإيمان ونموه([119]).
وقد سمى الله تعالى الصلاة إيمانا بقوله: (وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) [البقرة: 143]، (وَأَقِمِ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) [العنكبوت: 45]، فحشاء ومنكر ينافي الإيمان، كما أنها تحتوى على ذكر الله الذي يغذى الإيمان وينميه؛ لقوله: (وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ) [العنكبوت: 45]، والزكاة كذلك تنمي الإيمان وتزيده، فرضها ونفلها، وقد بين النبي -صلى الله عليه وسلم- كونها برهان على إيمان صاحبها فهي تغذي الإيمان وتنميه، والإغراض عن اللغو الذي هو كل كلام لا خير فيه، وكل فعل لا خير فيه –بل يقولون الخير ويفعلونه، ويتركون الشر قولا وفعلا- لا شك أنه من الإيمان ويزداد به الإيمان ويثمر.
ولهذا كان الصحابة -رضي الله عنهما- ومن بعدهم، إذا وجدوا غفلة أو تشعث إيمانهم، يقول بعضهم لبعض "اجلس بنا نؤمن ساعة" فيذكرون الله، ويذكرون نعمه الدينية والدنيوية، فيتجدد بذلك إيمانهم، وكذلك العفة عن الفواحش خصوصا فاحشة الزنى، ولا ريب أن هذا من أكبر علامات الإيمان ومنمياته.
فإن المؤمن ينهي النفس عن الهوى إجابة لدواعي إيمانه وتغذية له، كما أن رعاية العهود والأمانات وحفظها من علامات الإيمان، وإذا أردت أن تعرف إيمان العبد ودينه فانظر حاله: هل يرعى الأمانات كلها مالية أو قولية، أو أمانات الحقوق؟ وهل يرعى الحقوق والعهود والعقود التي بينه وبين الله، والتي بينه وبين العباد؟ إذ لم يكن كذلك نقص من دينه وإيمانه بمقدار ما انتقص من ذلك. وحتما بالمحافظة على الصلوات: حدودها، وحقوقها، وأوقاتها –لأن المحافظة على ذلك بمنزلة الماء الذي يجرى في بستان الإيمان فسيقيه وينميه ويؤتي أكله كل حين.
تاسعًا: ومن دواعي زيادة الإيمان وأسبابه الدعوة إلى الله وإلى دينه والتواصي بالحق والتواصل بالصبر؛ والدعوة إلى أصل الدين، والدعوة إلى التزام شرائعه بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وبذلك يكمل العبد بنفسه، ويكمل غيره، ألم تر أن الله تعالى أقسم بالعصر أن جنس الإنسان لفي خسر إلا من اتصف بصفات أربع: الإيمان والعمل الصالح اللذين تكمل بها النفس، والتواصي بالحق – الذي هو العلم النافع والعمل الصالح والدين الحق- وبالصبر على ذلك كله؛ يكمل غيره.
وذلك: أن نفس الدعوة إلى الله والنصيحة لعباده، من أكبر مقومات الإيمان وصاحب الدعوة لابد أن يسعى بنصر هذه الدعوة، ويقيم الأدلة والبراهين على تحقيقها، ويأتي الأمور من أبوابها، ويتواصل إلى الأمور من طرقها، وهذه الأمور من طرق الإيمان وأبوابه([120]) قال تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ *وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ*وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ *وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [فصلت: 33-36]، ومن حرص على نصح الناس ودعوتهم إلى دين الله لابد أن يجازيه الله ويؤيده بنور منه، وروح وإيمان وقوة توكل، فإن الإيمان وقوة التوكل على الله، يحصل بهما النصر على الأعداء من شياطين الإنس وشياطين الجن([121]) قال تعالى: (إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) [النحل: 99]، والمتصدي لنصرة الحق، لابد أن يفتح عليه فيه من الفتوحات العلمية والإيمانية بمقدار صدقه وإخلاصه.
عاشرًا: ومن أهم مواد الإيان ومقوماته توطين النفس على مقاومة ما ينافي الإيمان من شعب الكفر والنفاق والفسوق والعصيان، فقد ذكر الله –سبحانه وتعالى- في كتابه الأسباب المقوية المنمية للإيمان ووضحها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كذلك بين المولي -عز وجل-: الموانع والعوائق وأرشد إلى دفعها: وهي الإقلاع عن المعاصي، والتوبة مما يقع منها، وحفظ الجوارح كلها عن المحرمات، ومقاومة فتن الشبهات القادحة في علوم الإيمان المضعفة له، والشهوات المضعفة لإرادات الإيمان، فإن الإرادات التي أصلها الرغبة في الخير ومحبته والسعي فيه، لا تتم إلا بترك إرادات ما ينافيها من رغبة النفس في الشر، ومقاومة النفس الأمارة بالسوء. فمتى حفظ العبد من الوقوع في فتن الشبهات وفتن الشهوات تم إيمانه وقوى يقينه([122]).
فالعبد المؤمن الموفق لا يزال يسعى في أمرين: أحدهما: تحقيق أصول الإيمان وفروعه والتحقق بها علما وعملا وحالا، والثاني: السعي في دفع ما ينافيها وينقصها أو ينقصها من الفتن الظاهرة والباطنة؛ ويداوي ما قصر فيه من الأول، وما تجرأ عليه من الثاني بالتوبة النصوح، وتدارك الأمر قبل فواته. قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) [الأعراف: 201]، أي: مبصرون الخلل الذي وقعوا فيه، والنقص الذي أصابهم من طائف الشيطان، الذي هو أعدى الأعداء للإنسان، فإذا أبصروا تداركوا هذا الخلل بسده، وهذا الفتق برتقه، فردوا إلى حالهم الكاملة، وعاد عدوهم حسيرا ذليلا، وإخوان الشياطين (يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ) [الأعراف: 202].
الشياطين لا تقصر عن إغوائهم وإيقاعهم في إشراك الهلاك، والمستجيبون لهم لا يقصرون عن طاعة أعدائهم والاستجابة لدعوتهم حتى يقعوا في الهلاك؛ ويحق عليهم الخسار والبوار، و بعد هذا العرض الموجز لمفهوم الإيمان تبين أن ما جاء به القرآن ووضحه سيد الأنام -صلى الله عليه وسلم- هو الصراط المستقيم والاستقامة والاعتدال بعيدا عن ما وقع فيه الملاحدة من الزور والبهتان، ووقع فيه الفلاسفة من تصورات خاطئة مريضة في أسماء الله وصفاته وأفعاله وذاته.
ولقد وقع الناس بين إفراط وتفريط وانكسار وغلو، فأكرم الله البشرية بهذا الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ففي جانب الإيمان بالله تعالى جاء القرآن بالمنهج الوسط الذي تجسدت فيه ملامح الوسطية من حكمة واستقامة واعتدال وعدل وبينية.
وقبل الانتهاء من مبحث الإيمان وأسباب زيادته رأيت من باب الفائدة والحث على استيعاب وفهم هذا الموضوع المهم في حياة الناس أن أتطرق إلى فوائد الإيمان وثمراته كما جاءت في القرآن، موضحا الآثار والفوائد والثمرات العاجلة والآجلة في القلب والبدن والراحة والحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، وذكر القرآن الكريم لهذه الفوائد والثمار يرسم لنا الصورة اليانعة الحية في وسطية القرآن في قضية الإيمان.
ثالثاً: فوائد الإيمان وثمراته:
إن من حكمة الله الربانية أن جعل قلوب عباده المؤمنين تحس وتتذوق وتشعر بثمرات الإيمان لتندفع نحو مرضاته والتوكل عليه –سبحانه وتعالى-، فإن شجرة الإيمان إذا ثبتت وقويت أصولها وتفرعت فروعها، وزهت أغصانها، وأينعت أفنانها، عادت على صاحبها وعلى غيره بكل خير عاجل وآجل في الدنيا والآخرة، وثمار الإيمان وثمراته وفوائده كثيرة، قد بينها –سبحانه وتعالى- في كتابه الكريم فمن أعظم هذه الفوائد والثمار:
أولا: الاغتباط بولاية الله الخاصة، التي هي أعظم ما تنافس فيه المتنافسون، وتسابق فيه المتسابقون وأعظم ما حصل عليه المؤمنون، قال تعالى: (أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) ثم وصفهم بقوله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ) [يونس: 62-63]، فكل مؤمن تقي، فهو لله ولي ولاية خاصة، ثمراتها ما قاله الله عنهم: (اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ) [البقرة: 257]، أي يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن ظلمات الجهل إلى نور العلم، ومن ظلمات المعاصي إلى نور الطاعة ومن ظلمات الغفلة إلى نور اليقظة والذكر، وحاصر ذلك أنه يخرجهم من ظلمات الشرور المتنوعة إلى ما يرفعها من أنوار الخير العاجل والآجل، وإنما حازوا هذا العطاء الجزيل، بإيمانهم الصحيح، وتحقيقهم هذا الإيمان بالتقوى فإن التقوى من تمام الإيمان.
ثانيًا: الفوز بمرضاة الله ودار كرامته قال تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ اللهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [ التوبة: 71-72]،فنالوا رضا ربهم ورحمته، والفوز بهذه المساكن الطيبة بإيمانهم الذي كملوا به أنفسهم، وكملوا غيرهم بقيامهم بطاعة الله وطاعة رسوله والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فاستولوا على أجل الوسائل، وأفضل الغايات وذلك فضل الله.
ثالثًا: ومن ثمرات الإيمان أن الله يدفع عن المؤمنين جميع المردة، وينجيهم من الشدائد كما قال تعالى: (إِنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا) [الحج: 38]، أي يدافع عنهم كل مكروه، يدافع عنهم شر شياطين الإنس وشياطين الجن، ويدافع عنهم الأعداء، ويدافع عنهم المكاره قبل نزولها ويرفعها أو يخفضها بعد نزولها، ولما ذكر تعالى ما وقع فيه يونس -عليه السلام- وأنه: (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) قال: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) [الأنبياء: 87-88]، إذا وقعوا في الشدائد؛ نجيناهم كما أنجينا يونس، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "دعوة أخي يونس ما دعا بها مكروب إلا فرج الله عنه كربته لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" وقال تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا) [الطلاق: 4].
فالمؤمن المتقى ييسر الله له أموره وييسره لليسرى، ويجنبه العسرى، ويسهل عليه الصعاب ويجعل له من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا؛ ويرزقه من حيث لا يحتسب، وشواهد هذا كثيرة من الكتاب والسنة([123]).
رابعًا: ومنها أن الإيمان والعمل الصالح الذي هو فرعه يثمر الحياة الطيبة في هذه الدار، وفي دار القرار قال تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل: 97].
ذلك أن من خصائص الإيمان، أنه يثمر طمأنينة القلب وراحته وقناعته بما رزقه الله، وعدم تعلقه بغيره، وهذه هي الحياة الطيبة فإن أصل الحياة الطيبة راحة القلب وطمأنينته، وعدم تشوشه مما يتشوش منه الفاقد للإيمان الصحيح.
خامسًا: ومنها: أن جميع الأعمال والأقوال إنما تصح وتكمل بحسب ما يقوم بقلب صاحبها من الإيمان والإخلاص ولهذا يذكر الله هذا الشرط الذي هو أساس كل عمل، مثل قوله: (فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ) [الأنبياء: 94]، أي لا يجحد سعيه ولا يضيع عمله؛ بل يضاعف بحسب قوة إيمانه وقال تعالى: (وَمَنْ أَرَادَ الآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا) [الإسراء: 19]، والسعي للآخرة هو العمل بكل ما يقرب إليها، ويدنى منها، من الأعمال التي شرعها الله على لسان نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم- فإذا تأسست على الإيمان، ونبتت عليه كان السعى مشكورا مقبولا مضاعفا، لا يضيع منه مثقال ذرة. وأما إذا فقد العمل الإيمان، فلو استغرق العامل ليله ونهاره فإنه غير مقبول قال تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا) [الفرقان: 23]، وذلك لأنها أسست على غير الإيمان بالله ورسوله الذي روحه الإخلاص للمعبود والمتابعة للرسول -صلى الله عليه وسلم- قال تعالى: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلاَ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا) [الكهف: 103-105]، فهم لما فقدوا الإيمان، وحل محله الكفر بالله وآياته حبطت أعمالهم، قال تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) [الزمر: 65]، (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الأنعام: 88].
ولهذا كانت الردة عن الإيمان تحبط جميع الأعمال الصالحة، كما أن الدخول في الإسلام والإيمان يجب ما قبله من السيئات وإن عظمت، والتوبة من الذنوب المنافية للإيمان، والقادحة فيه والمنفقة له تجب ما قبلها([124]).
سادسًا: ومن ثمرات الإيمان أن صاحب الإيمان يهديه الله إلى الصراط المستقيم ويهديه إلى علم الحق، وإلى العمل به، وإلى تلقي المحاب بالشكر، وتلقي المكاره والمصائب بالرضا والصبر قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ) [يونس: 9]، وقال تعالى: (مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ وَمَن يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [التغابن: 11].
ذكر الشوكاني([125]) -رحمه الله-: في تفسير هذه الآية: (هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم. ولو لم يكن من ثمرات الإيمان، إلا أنه يسلي صاحبه عن المصائب والمكاره، ومصاحبة الإيمان واليقين أعم مسل عنها ومهون لها وذلك لقوة إيمانه وقوة توكله، ولقوة رجائه بثواب ربه، وطمعه في فضله فحلاوة الأجر تخفف مرارة الصبر، قال تعالى: (إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللهِ مَا لاَ يَرْجُونَ) [النساء: 104]([126]).
سابعًا: ومن ثمرات الإيمان ولوازمه وفوائده وخيراته من الأعمال الصالحة ما ذكر الله بقوله سبحانه: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا) [مريم: 96]، أي بسبب إيمانهم وأعمال الإيمان يحبهم الله ويجعل لهم المحبة في قلوب المؤمنين، ومن أحبه الله وأحبه المؤمنون من عباده حصلت له السعادة والفلاح والفوائد الكثيرة من محبة المؤمنين من الثناء والدعاء له حيا وميتا، والاقتداء به، وحصول الإمامة في الدين([127]).
وهذه أيضًا من أجل ثمرات الإيمان: أن يجعل الله للمؤمنين الذين كملوا إيمانهم بالعلم والعمل لسان صدق ويجعلهم أئمة يهتدون بأمره كما قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) [السجدة: 24]، فبالصبر واليقين اللذين هما رأس الإيمان وكماله نالوا الإمامة في الدين([128]).
ثامنا: ومنها قوله تعالى: (يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) [المجادلة: 11]، فهم أعلى الخلق درجة عند الله وعند عباده في الدنيا والآخرة وإنما نالوا هذه الرفعة، بإيمانهم الصحيح وعلمهم ويقينهم، والعلم واليقين من أصول الإيمان.
تاسعًا: ومن ثمرات الإيمان حصول البشارة بكرامة الله، والأمن التام من جميع الوجوه، كما قال تعالى: (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) [البقرة: 223]، فأطلقها ليعم الخير العاجل والآجل، وقيدها في مثل قوله: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ) [البقرة: 25]، فلهم البشارة المطلقة والمقيدة، ولهم الأمن المطلق في مثل قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) [الأنعام: 82]، ولهم الأمن المقيد في مثل قوله تعالى: (فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) [الأنعام: 48]، فنفي عنهم الخوف لما يستقبلونه، والحزن مما مضى عليه، وبذلك يتم لهم الأمن.
فالمؤمن له الأمن التام في الدنيا والآخرة: أمن من سخط الله وعقابه، وأمن من جميع المكاره والشرور وله البشارة الكاملة بكل خير، كما قال تعالى: (لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ) [يونس: 64].
ويوضح هذه البشارة قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ *نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ *نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ) [فصلت: 30-32].
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [الحديد: 28]، فرتب على الإيمان حصول الثواب المضاعف، وكمال النور الذي يمشى به العبد في حياته، ويمشى به يوم القيامة: (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ) [الحديد: 12].
فالمؤمن من يمشى في الدنيا بنور علمه وإيمانه وإذا أطفئت الأنوار يوم القيامة مشى بنوره على الصراط حتى يجوز به إلى دار الكرامة والنعيم، وكذلك رتب المغفرة على الإيمان، ومن غفرت سيئاته سلم من العقاب، ونال أعظم الثواب([129]).
عاشرًا: ومن ثمرات الإيمان حصول الفلاح الذي هو إدراك غاية الغايات، فإنه إدراك كل مطلوب، والسلامة من كل مرهوب والهدى الذي هو أشرف الوسائل، كما قال تعالى بعد ذكره المؤمنين بما أنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم- وما أنزل على من قبله، والإيمان بالغيب، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة اللتين هما من أعظم آثار الإيمان قال تعالى: (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [البقرة: 5].
فهذا هو الهدى التام والفلاح الكامل، فلا سبيل إلى الهدى والفلاح اللذين لا صلاح ولا سعادة إلا بهما إلا بالإيمان التام بكل كتاب أنزله الله، وبكل رسول أرسله الله، فالهدى أجل الوسائل، والفلاح أكمل الغايات([130]).
الحادي عشر: ومن ثمرات الإيمان: الانتفاع بالمواعظ والتذكير بالآيات:
قال تعالى: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) [الذاريات: 55].
وقال: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) [الحجرات: 77].
وهذا لأن الإيمان يحمل صاحبه على التزام الحق واتباعه، علما وعملا وكذلك معه الالة العظيمة والاستعداد لتلقي المواعظ النافعة والآيات الدالة على الحق، وليس عنده مانع يمنعه من قبول الحق، ولا من العمل به.
وأيضًا: فالإيمان يوجب سلامة الفطرة، وحسن القصد، ومن كان كذلك انتفع بالآيات، ومن لم يكن كذلك فلا يستغرب عدم قبولهم للحق واتباعه له، ولهذا يذكر الله- في سياق رفض الكافرين تصديق الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقبولهم الحق الذي جاء به- السبب الذي أوجب لهم ذلك وهو الكفر الذي في قلوبهم، لأن الحق واضح وآياته بينة واضحة والكفر أعظم مانع يمنع من أتباعه، أي فلا تستغربوا هذه الحالة، فإنها لم تزل دأب كل كافر([131]).
الثاني عشر: ومنها أن الإيمان يقطع الشكوك التي تعرض لكثير من الناس فتضر بدينهم، قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا ) [الحجرات: 15]، أي دفع الإيمان الصحيح الريب والشك، وأزالهما بالكلية، وقاوم الشكوك التي تلقيها شياطين الإنس والجن، والنفوس الأمارة بالسوء فليس لهذه العل المهلكة دواء إلا تحقيق الإيمان، ولهذا ثبت في الحديث الصحيح عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا يزال الناس يسألون حتى يقال هذا: الله خلق الخلق، فمن خلق الله؟ فمن وجد ذلك فليقل آمنت بالله". وفي رواية "فليستعذ بالله ولينته"([132]).
وبهذا بين -صلى الله عليه وسلم- الدواء النافع لهذا الداء المهلك وهو ثلاثة أشياء: الانتهاء عن هذه الوساوس الشيطانية، والاستعاذة من شر من ألقاها ليضل بها العباد، والاعتصام بعصمة الإيمان الصحيح الذي من اعتصم به كان من الآمنين، وذلك لأن الباطل يتضح بطلانه بأمور كثيرة أعظمها العلم أنه منافي للحق، وكل ما نقض الحق فهو باطل: (فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ) [يونس: 32].
الثالث عشر: ومنها أن الإيمان ملجأ المؤمنين في كل ما يلم بهم، من سرور وحزن وخوف وأمن وطاعة ومعصية، وغير ذلك من الأمور التي لا بد لكل أحد منها؛ فليجؤون إلى الإيمان عند الخوف فيطمئنون إليه ويزيدهم إيمانا وثباتا، وقوة وشجاعة ويضمحل الخوف الذي أصابهم كما قال تعالى عن خيار الخلق: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ) [آل عمران: 173-174].
لقد اضمحل الخوف من قلوب هؤلاء الأخيار، وخلفه قوة الإيمان وحلاوته وقوة التوكل على الله، والثقة بوعده، ويلجؤون إلى الإيمان عند الطاعة والتوفيق للأعمال الصالحة، فيعترفون بنعمة الله عليهم بها؛ وأن نعمته عليهم فيها أعظم من نعم العافية والرزق، وكذلك يحرصون على تكميلها، والقيام بكل سبب لقبولها وعدم ردها أو نفصها، ويسألون الذي تفضل عليهم بالتوفيق لها، أن يتم عليها نعمته بقبولها، والذي تفضل عليهم بحصول أصلها، أن يتم لهم منها ما انتقضوه منها: (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) [المؤمنون: 61]، ويلجؤون إلى الإيمان إذا ابتلوا بشيء من المعاصي بالمبادرة إلى التوبة منها، والقيام بما يقدرون عليه من الحسنات لجبر نقصها قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) [الأعراف: 201].
فالمؤمنون في جميع تقلباتهم وتصرفاتهم ملجؤهم إلى الإيمان ومفزعهم إلى تحقيقه ودفع ما ينافيه ويضاده، وذلك من فضل الله عليهم ومنه([133]). وخوفا من الإطالة نقتصر على هذه الثمرات العظيمة التي بينها المولى -عز وجل- وبذلك نستيقن أن كتاب الله جاء تبيانا لكل شيء، وعرض قضية الإيمان من جوانبها المتعددة النافعة للناس وبين وسائل زيادة الإيمان، ورغبنا فيه بذكر فوائده وثماره بحكمة بالغة تليق بالحكيم العليم جل و علا.
وبين المولى -عز وجل- في كتابه حقيقة الإيمان بأنه اعتقاد بالجنان ونطق باللسان، وعمل بالأركان ووضعنا على الصراط المستقيم وسلمت عقول المسلمين وقلوبهم من أمراض التعطيل والتشبيه، والإفراط والتفريط، ووقع أهل البدع في الانحراف عن جادة الصواب وطريق أهل الاستقامة؛ لأنهم ابتعدوا عن كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- وفهم الصحابة والتابعين لهم بإحسان من علماء وفقهاء ومحدثين.
الفصل الثالث
الملائكة
تمهيد:
إن الإيمان بالملائكة أصل من أصول الاعتقاد، لا يتم الإيمان إلا به، والملائكة من عوالم الغيب التي امتدح الله المؤمنين بها، تصديقا لخبر الله سبحانه وإخبار رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وقد بين الله -سبحانه وتعالى- في كتابه وسنة نبيه هذا الموضوع بحيث أصبح –عند من طلع على هذه النصوص- الإيمان بها واضحاً، وليس فكرة غامضة، وهذا ما يعمق الإيمان ويرسخه، فإن المعرفة التفصيلية أقوى وأثبت من المعرفة الإجمالية.
وبين الله -سبحانه وتعالى- الانحراف الذي وقع فيه الناس في اعتقادهم في الملائكة منذ القديم فهناك من عبدهم، وهناك من ظن أنهم بنات الله وأما الفلاسفة يرون أن الملائكة هم الأفلاك التي نراها في الفضاء وبعضهم أنكر وجودها، وأما اليهود فعادوا بعضهم ووصفوا الملائكة بأنهم يشربون ويأكلون([134]).
كما ذكرت التوراة المحرفة في سفر التكوين وبعض أسفارهم أن الملائكة لا تأكل ولا تشرب وأضطرب أمرهم في هذا الشأن، واستزلهم الشيطان وتصور التوراة بأن جبريل عليه السلام بأنه شيطان -لعنة الله على اليهود- يضع الغواية، يغوي الأنبياء...؟
قالت التوراة المحرفة " قد رأيت الرب جالساً على كرسيه، وكل جند السماء وقوف لديه عن يمينه وعن يساره. فقال "الرب": من يغوى آخاب فيصعد ويسقط في راموت جلعاد، فقال: هذا هكذا وقال ذاك هكذا، ثم خرج الروح - يعني جبريل- ووقف أمام "الرب" وقال أنا أغويه، وقال له الرب! بماذا؟ فقال: أخرج وأكون روح كذب في أفواه جميع أنبيائه. فقال: إنك تغويه وتقتدر؟ فأخرج وأفعل هكذا([135]).
يا سبحان الله يجعلون جبريل روح كذب في أفواه جميع أنبياء أخاب والرب يشجعه على ذلك!! وبذلك اتضحت مسالك الناس في اعتقادهم في الملائكة بين منكر لها وهم الملاحدة وبين متصور لها بأفلاك وأوهام وهم الفلاسفة، وبين زاعم بأنها بنات الله وعبدوها من دون الله وهم مشركو العرب.
وجاء القرآن ليبين منهج الوسطية في هذا الركن من العقائد بما ينفع الناس ويدلهم على الصراط المستقيم، الذي هو الوسطية في هذا الدين، وجاء القرآن الكريم موضحاً ما ينفع الناس ويصحح تصوراتهم وأفكارهم ومعتقداتهم في قضايا الاعتقاد وغيرها، إن المسلم يعتقد اعتقادا جازما بأن لله ملائكة موجودين مخلوقين من نور، وأنهم لا يعصون الله ما أمرهم، وأنهم قائمون بوظائفهم التي أمرهم الله بالقيام بها، ولا يصلح إيمان عبد حتى يؤمن بوجودهم وبما ورد في حقهم من صفات وأعمال في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله "صلى الله عليه وسلم" من غير زيادة ولا نقصان ولا تحريف([136]).
قال تعالى: (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ...) [البقرة: 285].
وفي الحديث الصحيح عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عندما سأل جبريل عليه السلام عن الإيمان قال -صلى الله عليه وسلم-: "أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره"([137]).
فوجود الملائكة ثابت بالدليل القطعي الذي لا يمكن أن يلحقه أدنى شك. ومن هنا كان إنكار وجودهم كفراً بنص القرآن العظيم، فقد قال –عز وجل-: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيداً) [النساء: 136].
والذي يجمع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تكلمت عن الملائكة وأوصافهم وأعمالهم وأحوالهم يلاحظ: أنها تناولت في الغالب ما يبين علاقتهم بالخالق سبحانه وبالكون والإنسان. فعرّفنا سبحانه من ذلك على ما ينفعنا في تطهير عقيدتنا وتزكية قلوبنا وتصحيح أعمالنا.
وأما حقيقة الملائكة، وكيف خلقهم، وتفصيلات أحوالهم، فقد استأثر سبحانه بها وهذا من وسطية القرآن وحكمة الرحمن وحكمة الرحمن حيث سبحانه وتعالى يعرّف الناس في حدود ما يحتاجون إليه، ويصلح أحوالهم في المعاش والمعاد وما تطيقه عقولهم، فالله -سبحانه وتعالى- لم يطلعنا على جميع المغيبات، سواء منها ما تعلق بجلالة وصفاته وأسمائه وما تعلق بمخلوقاته الغيبية. والمؤمن الصادق يقرّ بكل ما أخبر به الخالق محملاً أو مفصلاً، ولا يزيد على ذلك ولا ينقص منه ولا يتكلف البحث عن ما لم ينفعه ولا يخوض فيه([138]).
المبحث الأول
صفات الملائكة الخَلْقِيَّة
إن الخالق –عز وجل- لم يخبرنا من صفاتهم الخَلقية إلا النَّزْر القليل فأخبرنا سبحانه أنهم خُلِقوا قبل آدم، إذ ورد في القرآن أن الله أخبرهم بأنه سيخلق الإنسان، ويجعله في الأرض، قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) [البقرة: 30].
وأما المادة التي خلقوا منها، فقد أخبرنا الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن الله خلقهم من نور، فقد أخرج مسلم عن عائشة -رضي الله عنها- أن رسول الله "صلى الله عليه وسلم" قال: (خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم)([139])، وتدل النصوص في مجموعها على أن الملائكة مخلوقات نورانية ليس لها جسم مادي يدرك بالحواس الإنسانية، وأنهم ليسوا كالبشر فلا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون ولا يتزاوجون. مطهرون من الشهوات الحيوانية، ومنزهون عن الآثام والخطايا ولا يتصفون بشيء من الصفات المادية التي يتصف بها أبن آدم([140]).
أ-لهم القدرة على التشكّل:
غير أن لهم القدرة على أن يتمثلوا بصور البشر، بأذن الله تعالى كما أخبر الله
–عز وجل- عن جبريل عليه السلام أنه جاء مريم في صورة بشرية، فقال تعالى (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِيّاً * فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً) [مريم: 16-17].
وفي حديث جبريل المشهور حين جاء يعلم الصحابة معنى الإسلام والإيمان والإحسان وأشراط الساعة، ذكر عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه جاء على هيئة رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر وأنه جلس إلى النبي –صلى الله عليه وسلم-، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه ثم شرع في السؤال([141]).
ب-لهم أجنحة:
ومن صفاتهم الخَلْقية التي أخبرنا الله بها أنه جعل لهم أجنحة يتفاوتون في إعدادها، فقال سبحانه وتعالى: (الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [فاطر: 1]، هذا هو ما أخبرنا به الله –عز وجل- عن الملائكة من حيث خِلْقَتها ، ونؤمن بها كما جاء، ولا نسأل عن غيره ولو كان في التفصيل نضع لعباد الله لما حجب عنهم معرفته، فهو اللطيف الرحيم بهم يعلمهم الحق والخير وهذا من حكمة القرآن وهداية إلى الصراط المستقيم ووسطيته في الأمور.
المبحث الثاني
علاقتهم مع الله والإنسان، والكون، وعددهم
أ-علاقتهم مع الله:
فهي علاقة العبودية الخالصة والطاعة والامتثال والخضوع المطلق لأوامره –عز وجل- لا ينتسبون إليه سبحانه إلا بهذه النسبة، فهم ليسو آلهة من دونه سبحانه، ولا ذرية له ولا بنات كما قال المشركون من قبل قال تعالى: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ) [الأنبياء: 26-28]، وقال تعالى (يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)[النحل: 50]، وقال تعالى: ( لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم: 6].
فهم خلق من مخلوقات الله الكثيرة، يطيعونه سبحانه ولا يقدرون على شيء من تلقاء أنفسهم، وهم لا يستطيعون أن يقترحوا على الله شيئاً بفضل قوتهم، وهم منقطعون دائماً لعبادة الله وطاعة أمره. قال تعالى "وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ* وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ* وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ) [الصافات: 164-166].
وإذا كانت هذه حقيقة أمرهم فقد أنحرف عن الصراط المستقيم ووقع في الشرك بالله من عبد أو استعان بالملائكة أو اعتقد أن لهم من الأمر شيء.
قال تعالى (وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلاَئِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ) [آل عمران: 80].
ب-علاقة الملائكة بالكون والإنسان:
دلّ الكتاب والسنة على أصناف الملائكة، وإنها موكلة بأصناف المخلوقات، وأنه سبحانه وكّلَ بالشمس والقمر ملائكة، وبالأفلاك ملائكة، وبالجبال ملائكة، وبالسحاب وبالمطر ملائكة، وبالرحم ملائكة تدب أمر النطفة حتى يتم خَلقْها وبالموت ملائكة، ووكل بكل عبد ملائكة، يحفظونه ووكلّ بكل مخلوق، وبكلّ حوادث الكون وظواهره ملائكة([142]).
وهذا لا ينافي ما يلاحظ في الكون من قوانين وأسباب يرتبط بعضها ببعض لأن هذه القوانين والأسباب إنما هي مخلوقات من مخلوقات الله والملائكة موكَّلة بها أيضاً وموكّلة برعايتها كما ترعى المخلوقات الأخرى ولولا إرادة الله في حفظ هذه الأسباب والقوانين، ولو قدره في تسخير الملائكة للحفظ عليها فإن العقل لا يستلزم أبدا بقاءها على هذه الآماد الطويلة في انتظامها وتناسقه([143]).
وأما الإنسان فيدخل بحياته الفطرية في تلك الرعاية التي وكل الله سبحانه الملائكة بها، لأنه مخلوق من مخلوقات الله في الكون بل هو المخلوق الذي سخر الله له ما في الكون كله. قال تعالى: (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ) [لقمان: 20].
وفوق هذا فإن للملائكة أعمالا أخرى في حياة الإنسان الإرادية هدفها كما حده الله لهم هداية البشر، وإسعادهم ومساعدتهم على عبادة الله وعونهم على اختيار الهدى والصلاح وإجتناب الشر والفساد والضلال.
فهم الذين أختارهم رب العالمين لإيصال هداه إلى أهل الأرض عن طريق رسله الكرام والمَلَكُ المختار لهذه المهمة هو جبريل -عليه السلام-.
قال تعالى: (وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ) [الشعراء: 192-194].
كما أخبرنا –عز وجل- أنه سخرهم للدعاء للمؤمنين والاستغفار لهم، فقال سبحانه: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ* رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَّهُمْ وَمَن صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَن تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [غافر: 7-9].
وهم يشجعون العبد على طاعة ربه، وعبادته ويحثونه بالذكر والقرآن، ويحثونه على العلم والخير، ويحضرون صلاته وقراءته وفي ذلك كله أحاديث صحيحة.
وهم أيضًا يثبتون العبد على العمل الصالح، وخاصة الجهاد في سبيل الله تعالى، كما قال تعالى: (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ) [الأنفال: 12].
ومن أعمالهم التي أخبرنا عنها رب العالمين مما له أثر عظيم في تقويم حياة العباد وحفظهم من المعصية والشر، وما وكل إليهم من مراقبة أعمال العباد وكتابتها بعد إحصائها. فقال –سبحانه وتعالى-: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ * إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ
* مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) [ ق: 16-18]، وقال تعالى: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ* كِرَامًا كَاتِبِينَ) [الانفطار: 10-1]، وقال تعالى: (أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) [الزخرف: 80].
وقد وجدت كلاما نفسيًا جامعًا لابن القيم في كتابه (إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان) عن علاقة الملائكة بالإنسان. فقال: (والملائكة الموكلة بالإنسان من حين كونه نطفة إلى آخر أمره، لهم وله شأن آخر: فإنهم موكلون بتخليقه ونقله من طور إلى طور، وتصويره وحفظه في أطباق الظلمات الثلاث، وكتابة رزقه و عمله، وأجله وشقاوته، وسعادته وملازمته في جميع أحواله، وإحصاء أقواله وأفعاله وحفظه في حياته، وقبض روحه عند وفاته، وعرضها على خالقه وفاطره، وهم الموكلون بعذابه ونعيمه في البرزخ وبعد البعث، وهم الموكلون بعمل آلات النعيم والعذاب، وهم المثبتون للعبد المؤمن بإذن الله والمعلمون له ما ينفعه، والمقاتلون الذابون عنه، وهم أولياؤه في الدنيا والآخرة، وهم الذين يعدونه بالخير ويدعونه إليه، وينهونه عن الشر ويحذرونه منه، فهم أولياؤه وأنصاره، وحفظته ومعلموه وناصحوه، والداعون له، والمستغفرون له، وهم الذين يصلون عليه ما دام في طاعة ربه، ويصلون عليه ما دام يعلم الناس الخير، ويبشرونه بكرامة الله في منامه وعند موته ويم بعثه، وهم الذين يزهدونه في الدنيا ويرغبونه في الآخرة، وهم الذين يذكرونه إذا نسي وينشطونه إذا كسل، ويثبتونه إذا جزع، وهم الذين يسعون في مصالح دنياه وآخرته، فهم رسل الله في خلقه وأمره، وسفراؤه بينه وبين عباده تتنزل بالأمر من عنده في أقطار العالم وتصعد إليه بالأمر)([144]).
وكل الذي قاله ابن القيم -رحمه الله-: استنبطه من كتاب الله وما صح من الأحاديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
ج- عدد الملائكة:
وهم كثير لا يحصى عددهم إلا الله، قال تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلاَ يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَمَا هِيَ إِلاَّ ذِكْرَى لِلْبَشَرِ) [المدثر: 31].
وهكذا منهج القرآن في بيان حقيقة الملائكة، فيه ملامح الوسطية بعيدًا عن الغلو والإفراط والتفريط والمطلوب من المؤمن أن يؤمن بالملائكة إيمانا تفصيليا وإجماليا، فيجب عليه الإيمان بالملائكة التي وردت أسماؤهم في الكتاب أو السنة بالتفصيل ومن هؤلاء رؤساؤهم الثلاثة: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل([145]).
وجبريل هو الملك الموكل بالوحي الذي به حياة القلوب والأرواح وقد ورد ذكره هو وميكائيل في القرآن الكريم، قال تعالى: (قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * مَن كَانَ عَدُوًّا للهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ) [البقرة: 97-98].
وجبريل -عليه السلام- عادته اليهودية ظلما وعدوانا وانتكاسا وبعدا عن الصراط المستقيم، أما الفلاسفة فأنكروا الملائكة جملة، وقد أثنى الله سبحانه عليه في القرآن أحسن الثناء ووصفه بأجمل الصفات، قال تعالى: (فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ* الْجَوَارِ الْكُنَّسِ *وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ *وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ *إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ *مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ) [التكوير: 15-21]، وقال تعالى في وصفه: (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى)[النجم: 5-6].
وأما ميكائيل فهو الملك الموكل بالقطر الذي به حياة الأرض والنبات والحيوان([146])، وأما إسرافيل فهو الملك الموكل بالنفخ في الصور الذي به حياة الخلق بعد مماتهم([147])، ومن الملائكة الذين ورد ذكرهم في القرآن مالك خازن النار، قال تعالى: (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ) [الزخرف:77]، فهؤلاء وغيرهم من ورد ذكر أسمائهم في أحاديث ثبتت صحتها يجب الإيمان بهم، وبما نيط بهم من الوظائف والأعمال، وأما الملائكة الذين لم يرد ذكرهم، فيجب أن نؤمن بهم بصورة إجمالية، ونؤمن بما ذكر من أصنافهم وأفعالهم في القرآن والسنة فنؤمن بالكرام الكاتبين الذين جعلهم الله علينا حافظين، كما قال تعالى: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ *يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) [الانفطار: 10-12].
كما قال تعالى: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ) [الرعد: 11]، وذكرت بعض كتب التفسير أنها اثنان عن اليمين وعن الشمال يكتيبان الأعمال، صاحب اليمين يكتب الحسنات، وصاحب الشمال يكتب السيئات، وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه واحد من أمامه وواحد من ورائه ، فهو بين أربعة ملائكة.
وروى الإمام مسلم عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة"، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: "وإياي، لكن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير"([148]).
ونؤمن بملك الموت الموكل بقبض أرواح العالمين قال تعالى: (قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) [السجدة: 11]، ولم يصرح القرآن والسنة النبوية باسمه، وجاء في بعض الآثار تسميته بعزرائيل([149]) فالله اعلم.
ونؤمن بحملة العرش، الذين أخبر عنهم الله في القرآن فقال سبحانه: (وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ) [الحاقة: 17].
ونؤمن كذلك بالملائكة الموكلين بالنار، أعاذنا الله منها، وهم الزبانية، ومقدموهم تسعة عشر قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ) [غافر: 49]، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلاَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَّ يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم: 6]، وقال تعالى: (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ * وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلاَّ مَلاَئِكَ) [المدثر: 30-31].
ونؤمن أيضًا بالملائكة الموكلين بالجنان الذين يهيئون الضيافة لساكنيها، من ملابس ومآكل ومشارب ومصنوعات وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وإذا أردت أن تعرف ما صح عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الملائكة فيمكن أن ترجع إلى صحيح البخاري.
وبذلك يكون القرآن الكريم قد رسم لنا منهج الوسطية في إيماننا بالملائكة، وهذا يبعدنا عن الوقوع في الخرافات والأوهام التي وقع فيها من لا يؤمنون بالغيب، ولا يتلقون معارفهم عن الوحي الإلهي.
وبهذا المعتقد يكون المسلم على منهج الاستقامة الذي أمر الله به وعلى الصراط المستقيم، فإن من يستشعر بقلبه وجود الملائكة جنود الرحمن، ويؤمن برقابتهم لأعماله وأقواله، وشهادتهم على كل ما يصدر عنه، يستحي من الله ومن جنوده فلا يخالفه ولا يعصيه، لا في العلانية ولا في السر، إذ كيف له ذلك وهو يعلم أن كل شيء محسوب عليه ومكتوب ومشهود عليه.
وإيمانه بالملائكة الكرام يكسبه الصبر على مواصلة الجهاد في سبيل الله وعدم اليأس، والشعور بالأنس والطمأنينة التي هي من لوازم الإيمان بالملائكة وما أخبر الله من أفعالها وأحوالها، وبهذا يتضح لنا أن من نعم الله علينا خلقه للملائكة وإخباره لنا ع ما ينفعنا في معتقدنا في هذه المخلوقات الطائعة العابدة لله -عز وجل-.
وأسأل الله تعالى أن تكون صورة الاعتقاد في الملائكة قد اتضحت ملامحها من استقامة على الطريق وسلامة في التصور وعمق في المنهج وحكمة في خلقها واعتدال في وضعها وعدل في حقيقتها بعيدة عن الغلو والإفراط والتفريط والإنكار.
الفصل الرابع
الكتب السماوية
تمهيد: إن من أركان الإيمان الاعتقاد بالكتب السماوية وأنها من عند الله سبحانه وتعالى. إلا أن البشر هناك من أنكر الكتب السماوية جملة وهم الملاحدة، وهناك من حرف الكتب السماوية وأضاف إليها ما لم ينزل الله به سلطان وهم اليهود والنصارى وقعوا في الغلو وفي الإفراط وابتعدوا عن الصراط المستقيم. قد اتضح ذلك عندما تكلمنا عن منهج الوسطية في توحيد الله وأسمائه وصفاته حيث رأينا ما وقع فيه اليهود من التحريف وما وقعت فيه النصارى كذلك.
وقد وضح الله سبحانه وتعالى ما وقع فيه أهل الكتاب من التحريف والتبديل.
المبحث الأول
تحريف اليهود وتزويرهم
أما اليهود فقد تفننوا في التزوير، وأضافوا في كتابهم المقدس وحذفوا منه واتبعوا كافة الأساليب الشيطانية وقد بين الله في كتابة العزيز أنواعاً من تحريف اليهود للتوراة.
أولاً: إلباس الحق بالباطل:
كان بنو إسرائيل يخلطون الحق بالباطل، بحيث لا يتميز الحق من الباطل، وقد سجّل القرآن الكريم هذا الجرم عليهم، قال سبحانه (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ * وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ * وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [البقرة:40-42]، وقال سبحانه: (يا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)[آل عمران: 71].
ومن أبلغ الصور وأقبحها في إلباس الحق ادعاء الكهنة والأحبار -في التوراة التي بأيديهم- أن هارون -عليه السلام- هو الذي جمع الذهب من بني إسرائيل وأشترك معهم في صناعة العجل الذهبي، ووافقهم على عبادته من دون الله، وفي الوقت نفسه يبرؤون السامري فهارون الذي تحمّل المشاق عليه الصلاة والسلام في سبيل إقناع فرعون بالتوحيد جعلوه داعية الشرك والكفر، ولكن القرآن الكريم كان لهذه الدعوى بالمرصاد، فكذبهم وبين حقيقة الأمر([150]).
قال تعالى(قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ* فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ أَفَلاَ يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلاَ يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلاَ نَفْعًا وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِن قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي
* قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى) [طه: 87-91].
فهذا هو الصدق حقا فالسامري هو من صنع لهم العجل، أما هارون فنهاهم ولكنهم عصوه وكادوا يقتلونه.
النوع الثاني من التحريف : كتمان الحق
لا شك أن الله حق، ولا يقول إلا حقاً، والتوراة التي أنزلت على موسى كلها حق، لأنها كلام الله تعالى، ولكن بني إسرائيل كانوا يكتمون الحق، قاصدين بذلك إخضاع كتاب الله لأهوائهم وشهواتهم، فالآيات التي يرون فيها منفعة لهم عاجلة أو تكون في جانب حجتهم يقرونها، أما الآيات التي يرون أن فيها دليلاً عليهم فيكتمونها، ولهذا سجل الله عليهم هذا الكتم في كتابه فقال سبحانه ( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) [آل عمران : 71].
ومن أعظم ما كتمه أهل الكتاب هو ما وجدوه في كتبهم من صفات محمد -صلى الله عليه وسلم- واختيار الله له رسولا إلى الناس أجمعين، وقد كانوا يعرفونه في كتبهم كما يعرفون أبناءهم، ولكنهم إذا سئلوا عن ذلك كتموه([151]).
قال تعالى: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) [البقرة: 146]، ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمُ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ ) [الأنعام: 20].
وقد بين عز وجل صفاته -صلى الله عليه وسلم- الكاملة في التوراة والإنجيل فقال -عز وجل-: (وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [الأعراف: 156-157]. ومع هذه الأوصاف العظيمة التي كانوا يعرفونها مكتوبة عندهم، أنكروا نبوته -صلى الله عليه وسلم- ، وكتموا ما علموه.
النوع الثالث: إخفاء الحق:
وقد كان أهل الكتاب يخفون من أحكام التوراة الشيء الكثير، قال تعالى (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ) [المائدة: 15]، ومن الأحكام التي أخفاها اليهود حكم رجم الزاني المحض، فقد جاءوا إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- برجل منهم وامرأة قد زنيا، فقال لهم كيف تفعلون بمن زنى منكم؟ قالوا نحممهما ونضربهما فقال: لا تجدون في التوراة الرجم؟ فقالوا: لا نجد فيها شيئاً. فقال لهم عبد الله بن سلام كذبتم فآتوا بالتوراة فأتلوها إن كنتم صادقين، فوضع مدارسها الذي يدرسها منهم كفه على آية الرجم، فطفق يقرأ ما دون يده وما وراءها، ولا يقرأ آية الرجم فنزع يده عن آية الرجم فقال ما هذه؟ فلما رأوا ذلك قالوا: هي آية الرجم، فأمر بهما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فرجما.. الحديث([152]).
ولهذا قال سبحانه (يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا) إلى قوله (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَـئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ)[المائدة: 41-43]، وقال (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيباً مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ) [آل عمران: 23].
فأنكر سبحانه على أهل الكتاب المتمسكين فيما يزعمون بكتابيهم التوراة والإنجيل، وإذا دعوا إلى التحاكم إلى ما فيها من طاعة الله فيما أمرهم به فيهما من أتباع محمد -صلى الله عليه وسلم- تولوا وهم معرضون عنهما، وهذا في غاية ما يكون من ذمهم([153]).
النوع الرابع: لَيُّ اللسان:
من أنواع تحريف اليهود للتوراة ليُّ اللسان، فهم يلوون ألسنتهم ويعطفونها بالتحريف، ليلبسوا على السامع اللفظ المنزل بغيره، ويفتلون ألسنتهم حيث يقرؤون كلام الله تعالى لإمالته عما أنزله الله عليهم إلى اللفظ الذي يريدونه.
قال تعالى: (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [آل عمران: 78].
ومن التحريف بَليِّ اللسان ما كان يفعله اليهود مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقولهم: (وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ)[النساء: 46]، ويقصدون معنى أسمع لا سمعت، أي يدعون على النبي -صلى الله عليه وسلم-وقد كان المسلمون يقولون للنبي -صلى الله عليه وسلم- راعنا، من المراعاة والمعنى: فرِّغ سمعك لكل منا، فلما سمع اليهود هذه اللفظة اغتنموا الفرصة في التحريف، لأن معناها عندهم السبّ والطعن بمعنى: يا أحمق([154])، ولكن الله -عز وجل- كشف سترهم فقال: "(مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً) [النساء: 46].
ونهى الله المؤمنين عن صفات اليهود فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ).[البقرة: 104].
النوع الخامس: تحريف الكلام عن مواضعه:
أثبت الله -عز وجل- على أهل الكتاب هذا النوع من التحريف، فقال –عز وجل-: (مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ) [النساء: 46]، (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ) [المائدة: 13].
وقال -عز وجل- (ومن الَّذِينَ هِادُواْ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ) [المائدة: 41].وهذا النوع من التحريف له أربع صور كالتالي:
1- تحريف التبديل: وهو وضع كلمة مكان كلمة، أو جملة مكان جملة.
2- تحريف بالزيادة: ويكون بزيادة كلمة أو جملة.
3- تحريف بالنقص: وهو إسقاط كلمة، أو جملة من الكلام المنزل على موسى -عليه السلام-.
4- تحريف المعنى: تبقى الكلمة أو الجملة كما هي، ولكنهم يجعلونها محتملة لمعنيين ثم يختارون المعنى الذي يتفق مع أهوائهم وأغراضهم([155]).
وهذه الصورة لها أمثلة كثيرة من التوراة لا يتسع المقام لذكرها([156])
ومن رحمة الله تعالى وكرمه أنه عندما ذكر ما فعلوه من العظائم دعاهم إلى التوبة، فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولاً) [التوبة: 47]، فلو آمنوا بالله وملائكته وجميع كتبه ورسله لكفر عنهم سيئاتهم وأدخلهم الجنة([157]).
قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُواْ وَاتَّقَوْاْ لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ *وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُواْ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيهِم مِّن رَّبِّهِمْ لأكَلُواْ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ ) [المائدة: 65-66]، قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) [آل عمران: 110].
المبحث الثاني
تحريف النصارى للإنجيل
وأمّا النصارى فقد حرفوا الإنجيل وبذلك ابتعدوا عن الصراط المستقيم وإليك ما يثبت التحريف في الأناجيل أولاً النتيجة التي لا مفر من التسليم بها أن الأناجيل القانونية الموجودة الآن ما هي إلا كتب مؤلفة، وهي تبعاً لذلك معرّضة للخطأ والصواب، ولا يمكن الإدعاء ولو لحظة أنها كتبت بإلهام، فلقد كتبها أناس مجهولون، في أماكن غير معلومة، وفي تواريخ غير مؤكدة، والشيء المؤكد أن هذه الأناجيل مختلفة غير متآلفة، بل إنها متناقضة مع نفسها، ومع حقائق العالم الخارجي، لأنها فشلت في تنبؤات كثيرة، كالقول بنهاية العالم، وهذا القول قد يضايق النصراني العادي، بل قد يصدمه، ولكن بالنسبة للعالم النصراني فقد أصبح ذلك عنده حقيقة مسلم بها([158])، لما أجراه من أبحاث، ولما علما من واقع الإنجيل.
ثانياً: الشواهد على التحريف من الأناجيل:
أ- جاء في إنجيل مرقسى: أن المسيح قال لتلاميذه (اذهبوا إلى العالم أجمع واكروزا بالإنجيل للخليقة كلها، من آمن وأعتمد خلص، ومن لم يؤمن يدن، وهذه الآيات تتبع المؤمنين يخرجون الشياطين باسمي، ويتكلمون بألسنة جديدة، يجملون حيات، وإن تشربوا شيئاً مميتاً لا يضرهم، ويضعون أيديهم على المرضى فيبرؤون)([159])، ففي هذا النص حجة على النصارى من وجهين:
الوجه الأول: قولهم عن عسى! إنه أمرهم أن يبشروا بالإنجيل، فدلّ ذلك على أن إنجيلاً أتاهم به وليس هو عندهم الآن، وإنما عندهم أربعة أناجيل متغايرة، وليس منها إنجيل ألف إلا بعد رفع عيسى -عليه السلام- بأعوام كثيرة، فصح أن ذلك الإنجيل الذي أخبر المسيح أنه أتاهم به وأمرهم بالتبشير به ذهب عنهم، لأنهم لا يعرفون له أصلاً، وهذا ما لا يمكن سواه.
الوجه الثاني: قولهم: نه وعد كل من آمن بدعوة التلاميذ أنهم يتكلمون بلفات لا يعرفونها، وينفون الجن عن المجانين، ويضعون أيديهم على المرضى فيبرؤون ، ويحملون الحيات وإن شربوا شربة قتالة لا تضرهم ، وهذا وعد ظاهر الكذب، فإن ما من النصارى أحد يتكلم بلغة لم يتعلمها.
ولا منهم أحد ينفي جنياً، ولا من يحمل حية فلا تضره، ولا من يضع يده على مريض فَيُشفى، ولا منهم أحد يسقي السم فلا يضره وهم معترفون بأن يوحنا – صاحب الإنجيل- قتل بالسم وحاشا لله أن يأتي نبي بمواعيد كاذبة، وهذا دليل على تحريف النصارى وتناقضهم وتكذيبهم أنفسهم)([160]).
ب- ومن ذلك ما جاء في إنجيل متى أن عيسى عليه السلام دعا على شجرة تين خضراء، فيبست التينة في الحال، فتعجب التلاميذ من ذلك ، فقال لهم عيسى: (الحق أقول لكم إن كان لكم إيمان، ولا تشكوا أمر التينة فقط ، بل إن قلتم أيضاً لهذا الجبل انتقل وانطرح في البحر فيكون)([161]).
وهذا فيه حجة على النصارى، وذلك أن الأمر لا يخلوا من أن يكون النصارى مؤمنين بالمسيح عليه السلام أو غير مؤمنين، فإن كانوا مؤمنين فقد كذبوا المسيح فيما نسبوه إليه في هذه المقالة – وحاشا له من الكذب فليس منهم أحد قدر على أن يأمر حبة من خردل بالانتقال فتنتقل، فكيف على قلع جبل وإلقائه في البحر، وإن كانوا غير مؤمنين به فهم بإقرارهم هذا كفار، ولا يجوز أن يصدق كافر([162])
وبهذا يتبين أن الأناجيل وقع فيها تحريف عظيم، ولا يعتمد عليها، ولا مخرج من هذا التيه إلا بالدخول في الإسلام وقد ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه ما أقترفه النصارى وما أدخلوه على حقيقة النبوة، من تأليه جماعة منهم لعيسى أبن مريم، وقول بعضهم بالتثليث، قال تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ)[المائدة: 72].
وقال تعالى: ( لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ إِلَـهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) [المائدة: 73]، فجاء القرآن الكريم، وبين هذا التحريف، وبين العقيدة السليمة عن عيسى وأمه فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللهَ إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ)" [المائدة: 57].
والحق الذي لا يماري فيه منصف أنه لا يوجد اليوم على ظهر الأرض كتاب تصلح نسبته إلى الخالق تبارك وتعالى سوى القرآن الكريم.
ومن وسطية القرآن في ركن الكتب السماوية بيانه ما وقعت فيه من الانحراف والابتعاد عن الصراط المستقيم، وأعطانا القول الفصل في هذا المجال ولم يترك ما بفيدنا وينفعنا فيما يتعلق بهذا الشأن وغيره.
فبين سبحانه وتعالى أن التوراة أصلها من عند الله وحدث فيها التحريف بسبب أحبارهم ورهبانهم قال تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلاَ تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [المائدة: 44].
وبين سبحانه وتعالى أن الإنجيل أصله من عند الله إلا أن علماءهم حرفوه قال تعالى: (وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ * يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ) [المائدة :14-15].
وأخبر –سبحانه وتعالى- أن الزبور أنزلها على داود -عليه السلام- فقال تعالى: (وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا) [الإسراء: 55]. وأخبرنا سبحانه عن الصحف التي انزلها على إبراهيم وموسى التي أخبر الله عنها بقوله: (أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى* وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى* وَأَن لَّيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى
*وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى* ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الأوْفَى* وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى) [النجم: 36-42].
قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا
* وَالآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى *صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى) [الأعلى: 14-19].
وأما الكتب الأخرى التي نزلت على سائر الرسل، فلم يخبرنا الله تعالى عن أسمائها، وإنما أخبرنا سبحانه أن لكل نبي أ{سله الله، رسالة بلغة قومه، فقال: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [البقرة: 213].
فمن حكمة الله أنه بين لنا ما يفيدنا في دنيانا وآخرتنا فيجب علينا أن نؤمن بهذه الكتب التي لم تسم إجمالا، ولا يجوز لنا أن ننسب كتابا إلى الله تعالى سوى ما نسبه إلى نفسه مما أخبرنا عنه في القرآن الكريم.
المبحث الثالث
وسطية القرآن بين الكتب السماوية
ومن وسطية القرآن في باب الإيمان بالكتب السماوية بيانه أن هذه الكتب نزلت بالحق والنور والهدى وتوحيد الله سبحانه في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، وأن ما نسب إليها مما يخالف ذلك إنما هو من تحريف البشر وصنعهم.
ومن وسطية القرآن ما ميزه الله وخصه به عن سائر الكتب المقدسة التي سبقت نزوله من الكتب المنزلة من أهمها:
أنه تضمن خلاصة التعاليم الإلهية، وجاء مؤيدًا ومصدقا لما جاء في الكتب السابقة من توحيد الله، وعبادته، ووجوب طاعته، وجمع كل ما كان متفرقا في تلك الكتب من الحسنات والفضائل، وجاء مهيمنا ورقيبا عليها، يقر ما فيها من حق، ويبين ما دخل عليها من تحريف وتغيير([163]) قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) [المائدة: 48].
ومن وسطية القرآن أنه جاء بشريعة عامة للبشر فيها كل ما يلزمهم لسعادتهم في الدارين، نسخ بها جميع الشرائع العملية الخاصة بالأقوام السابقة وأثبت فيها الأحكام النهائية الخالدة الصالحة لكل زمان، إن القرآن الكريم هو الكتاب الرباني الوحيد الذي تعهد الله بحفظه قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) [الحجر: 9]، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ* لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فصلت: 41-42].
والقرآن الكريم أنزله على رسوله محمد -صلى الله عليه وسلم- للناس كافة وليس خاصة بقوم معينين، كما كانت تنزل الكتب السابقة فكان حفظه من التحريف،وصيانته من عبث الناس، ليبقى ما فيه حجة الله على الناس، قائمة حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
بعكس الكتب الأخرى، فقد وجه الكلام في كل واحد منها إلى أمة خاصة دون سائر الأمم، وهي وإن اتفقت في أصل الدين إلا أن ما نزل فيها من الشرائع والأحكام كان خاصا بأزمنة معينة وأقوام معينين قال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) [المائدة: 48].
لذلك لم يتعهد الله سبحانه بحفظ أي منها على مدى الدهور والأيام والأزمان كما هو الحال بالنسبة للقرآن، وقد تكملت عن أوجه الخيرية للقرآن الكريم في باب ملامح الوسطية.
وبهذا أرجو من الله العلي العظيم أن أكون قد وفقت في بيان وسطية القرآن بالنسبة للكتب السماوية.
([1]) انظر: الصحاح للجوهري، مادة قرأ: (1/65).
([2]) هو معمر بن المثني التيمي مولاهم البصري، النحوي، صاحب التصانيف، ولد سنة (110هـ)، ومات سنة ( 209هـ) وقيل: (210هـ). انظر سير أعلام النبلاء (9/445).
([3]) هو عمرو بن كلثوم التغلبي من أصحاب المعلقات السبع، ومن كبار شعراء الجاهلية، انظر: شرح المعلقات السبع (180).
([4]) انظر: شرح القصائد السبع الطوال، لأبي بكر محمد بن القاسم الأنباري (380).
([5]) مجاز القرآن لأبي عبيدة معمرة التيمي (1/1-3).
([6]) انظر: لسان العرب، كتاب (أ-ب) فصل الهمزة، باب قرأ: (1/128).
([7]) هو إمام المتكلمين ورأس الأشاعرة أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد القاضي المعروف بابن الباقلاني البصري المالكي صاحب المصنفات وكان له بجامع المنصور حلقة عظيمة، وكان ورده في الليل عشرين ترويحة في الحضر والسفر فإذا فرغ منها كتاب خمسا وثلاثين ورقة من تصنيفه ويعد من أكبر الأشاعرة توفى 403هـ، انظر: شذرات الذهب (3/167).
([8]) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (2/298).
([9]) المرجع السابق (2/298).
([10]) الرجع السابق (2/298).
([11]) هو الحافظ الفقيه أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي الأزدي المصري، شيخ الحنفية في عصره في مصر، ونسبته إلى طحا، قرية بصعيد مصر توفى عام (321÷ـ) بمصر. انظر: البداية والنهاية (11/174).
([12]) شرح الطحاوية (121-122).
([13]) انظر: لسان العرب، باب الجيم، فصل النون، (2/383).
([14]) صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الإيمان، باب قول النبي -صلى الله عليه وسلم- بني الإسلام على خمس (1/60).
([15]) انظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير (3/120).
([16]) انظر: فتح الباري، كتاب الإيمان، باب بني الإسلام، (1/64).
([17]) انظر: العلم والبحث العلمي، لحسين رشوان، (143-145).
([18]) انظر: منهج البحث العلمي عند العرب، لجلال موسى (271).
([19]) انظر: تفسير الطبري (1/73-74).
([20]) المرجع السابق (1/84).
([21]) انظر: تفسير ابن كثير (1/29).
([22]) انظر: تفسير القرطبي (9/107).
([23]) انظر: تفسير القرطبي (19/343).
([24]) انظر: لسان العرب، مادة عقد، فصل العين المهملة (3/295).
([25]) هو أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري صاحب الرسالة والتفسير وغيرهما، صحب أبا علي الدقاق و غيره، أخذ الفقه فأتقنه، وأخذ الأصول على ابن فورك، والأستاذ أبي إسحاق، ولد سنة 377هـ، وتوفى سنة 465هـ، انظر: تاريخ بغداد (11/83)، ترجمته رقم (5763).
([26]) انظر: معجم المناهي اللفظية للشيخ بكر أبو زيد (242).
([27]) هو ناصر عبد الكريم العقل من علماء العقائد بنجد تحصل على درجة الدكتوراه وأشرف على رسائل علمية في كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن مسعود.
([28]) مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة (9).
([29]) مسلم: كتاب الإيمان، باب الإيمان بالقدر (1/38)، رقم (8).
([30]) انظر: العقيدة في الله لعمر الأشقر (9-10).
([31]) انظر: العقيدة في الله، ص (11).
([32]) انظر: العقيدة في الله، ص(12).
([33]) هو إيليا أبو ماضي من قصية له طويلة بعنوان (الطلاسم) من ديوانه (الجداول) (106).
([34]) هو إيليا أبو ماضي من قصية له طويلة بعنوان (الطلاسم) من ديوانه (الجداول) (107).
([35]) هو إيليا أبو ماضي من قصية له طويلة بعنوان (الطلاسم) من ديوانه (الجداول) (107).
([36]) الدين لدراز (69).
([37]) انظر العقيدة في الله ص (15).
([38]) خصائص التصور الإسلامي ومقوماته (42)
([39]) خصائص التصور الإسلامي ومقوماته (46)
([40]) العقيدة في الله ص (243) نقلا عن كتاب الله (للعقاد).
([41]) العقيدة في الله (244).
([42]) العقيدة في الله (244-245).
([43]) العقيدة في الله (245).
([44]) تفسير الطبري (2/335 – 336).
([45]) أخرجه البخاري: كتاب أحاديث الأنبياء، باب (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ) [6/478].
([46]) فتح الباري (6/489).
([47]) تفسير ابن كثير (7/183).
([48]) وسطية أهل السنة بين الفرق (242-243).
([49]) انظر: العهد القديم، سفر الخروج من إصحاح (32) فقرة (1-6).
([50]) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (3/247).
([51]) هورحبعام بن سليمان -عليه السلام- ملك بعد أبيه.
([52]) سفر الملوك الأول، إصحاح (12)، فقرة (28-29).
([53]) إصحاح (18)، فقرة (4).
([54]) انظر: الملل والنحل (1/106)، هو أبو الفتح عبد الكريم توفى (548هـ).
([55]) إصحاح (6)، فقرة (5-8).
([56]) إصحاح (20) فقرة (1/17).
([57]) إصحاح (2) فقرة (1-2).
([58]) إصحاح (32)، فقرة (24-30).
([59]) سفر الخروج، إصحاح (12)، فقرة (12-13).
([60]) إصحاح (6)، فقرة (1-2).
([61]) الترمذي: كتاب التفسير، باب من سورة الفاتحة (5/204).
([62]) الوصية الكبرى، لابن تيمية، (4).
([63]) هداية الحياري (269).
([64]) سمى بذلك نسبة إلى مدينة نيقية من أعمال إسطنبول التي اجتمع بها عدد من علماء النصارى، وكان من قراراتهم القول بإلهية المسيح.
([65]) انر: الشهرستاني، الملل والنحل، (2/28).
([66]) هو أبو جعفر أحمد بن عبد الصمد بن أبي عبيدة الخزرجي الساعدي كان مشهورا بالذكاء والنبل، مات بفاس بالمغرب عام 582هـ.
([67]) أبو عبيدة الخزرجي، بين المسيحية والإسلام، ص (72).
([68]) نفس المصدر (87).
([69]) هداية الحيارى (261).
([70]) أبو زهرة، النصرانية، (148).
([71]) أبو عبيدة الخزرجي، بين المسيحية والإسلام، ص (91).
([72]) تفسير ابن كثير (3/302).
([73]) البخاري، كتاب التفسير، باب (وقالوا اتخذ الله ولدا...) (8/168، رقم 4482).
([74]) انظر: الشهرستاني، الملل والنحل، (2/28).
([75]) أبو عبيدة الخزرجي، بين المسيحية والإسلام، ص (83-84).
([76]) النجو: ما يخرج من البطن من ريح وغائط، انظر: لسان العرب (15/306).
([77]) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان (2/278).
([78]) الجواب الصحيح (2/52).
([79]) منهاج السنة لابن تيمية (5/169).
([80]) وسطية أهل السنة بين الفرق (258).
([81]) علو الله على خلق. بتصرف (28).
([82]) تفسير القرطبي (2/245).
([83])علو الله على خلقه، بتصرف (28-29).
([84]) المرجع لسابق (28-29).
([85]) علو الله على خلقه، (28-34) للدويش.
([86]) التوضيح والبيان لشجرة الإيمان، للسعدي (9).
([87]) انظر المرجع السابق (10).
([88]) أخرجه البخاري، كتاب الرقاق، باب صفة الجنة والنار، رقم (6556)، ومسلم كتاب الجنة، باب ترائي أهل الجنة أ÷ل الغرف رقم (2830).
([89]) انظر: التوضيح والبيان، ص (16).
([90]) رواه مسلم، شرح النووي، كتاب الإيمان، باب الحياء شعبة الإيمان (2/6).
([91]) انظر: التوضيح والبيان (23).
([92]) انظر: التوضيح والبيان (23).
([93]) رواه البخاري، كتاب الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه (1/11).
([94]) انظر: التوضيح والبيان (24).
([95]) هو العباس بن عبد المطلب بن هشام بن عبدمناف بن قصي القرشي أبو الفضل عم النبي -صلى الله عليه وسلم- أسلم قبل عام الفتح، وقدمه عمر في صلاة الاستسقاء، وتوفى عام (32هـ).
([96]) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب من رضى بالله وبالإسلام وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- (1/62).
([97]) مسلم، كتاب الإيمان، باب جامع أوصاف الإسلام (1/65).
([98]) انظر: الفصل في الملل والأهواء والنحل (2/113).
([99]) رواه الترمذي: كتاب الإيمان، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة (5/26) رقم الحديث (2641) وحسنه.
([100]) البخاري مع الفتح، كتاب الدعوات، باب لله مائة اسم (11/218)، رقم الحديث (6410).
([101]) انظر: التوضيح والبيان (41).
([102]) انظر: مدارج السالكين (2/417-419).
([103]) انظر: مدارج السالكين (2/40).
([104]) انظر: دراسات في مباحث توحيد الأسماء والصفات، للتميمي (14-15).
([105]) انظر: مفتاح دار السعادة، لابن القيم (2/90).
([106]) انظر: مفتاح دار السعادة، لابن القيم (2/90).
([107]) انظر: القواعد الحسان، للسعدي، (130).
([108]) أخرجه بن ماجه، كتاب الزهد، باب البراءة من الكبر (2/1397)، رقم الحديث (4175)، وصححه الشيخ الألباني -رحمه الله-.
([109]) انظر: مفهوم السماء والصفات، مقال في مجلة الجامعة الإسلامية العدد (59): 70-79.
([110]) المرجع السابق (70-79).
([111]) انظر: النصيحة في صفة الرب جل وعلا للوسط (50).
([112]) البخاري مع الفتح، كتاب التوحيد، باب وكان الله سميعا بصيرا، (13/384).
([113]) عشرون حديثا من صحيح مسلم، لعبد المحسن العباد (177-178).
([114]) انظر: التوضيح والبيان: (42-43).
([115]) التوضيح والبيان (49).
([116]) شجرة الإيمان، للسعدي (49).
([117]) التوضيح والبيان (51).
([118]) التوضيح والبيان (54).
([119]) التوضيح والبيان (54).
([120]) التوضيح والبيان (58).
([121]) التوضيح والبيان (58).
([122]) التوضيح والبيان (61).
([123]) التوضيح والبيان (67).
([124])
([125]) التوضيح والبيان (75).
([126]) هو الإمام محمد بن على الشوكاني، ثم الصنعاني القاضي، محدث وفقيه وأصولي ومفسر، واسم تفسير فتح القدير، توفى (1250هـ) انظر: مناهج المفسرين (50).
([127]) فتح القدير للشوكاني (5/231).
([128]) التوضيح والبيان (76).
([129]) التوضيح والبيان (79-80).
([130]) انظر: التوضيح والبيان (81).
([131]) رواه مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان الوسوسة في الإيمان، (1/119).
([132]) المرجع السابق (1/120).
([133]) التوضيح والبيان (85).
([134]) الإسلام في مواجهة الاستشراق، عبد العظيم المطعني، (195).
([135]) سفر التكوين: الإصحاح (18) الفقرات (1-8).
([136]) انظر: الإيمان لمحمد نعيم ياسين (48).
([137]) انظر: البخاري مع الفتح، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل (1/140).
([138]) الإيمان: لمحمد نعيم ياسين (47).
([139]) أخرجه مسلم، كتاب الزهد والرقائق، باب أحاديث متفرقة (4/2294).
([140]) شرح ملا علي القاري على الفقه الأكبر (11).
([141]) انظر: البخاري مع الفتح، كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل، (2/14).
([142]) الإيمان: لمحمد نعيم ياسين (55).
([143]) الإيمان: لمحمد نعيم ياسين (55).
([144]) انظر: إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، (2/125).
([145]) الكواشف الجلية عن معاني الوسطية (36).
([146]) انظر: أصول الإيمان لمحمد بن عبد الوهاب.
([147]) إغاثة اللهفان (2/122).
([148]) مسلم، كتاب صفات المنافقين وأحكامهمن باب تحريش الشيطان (4/2617).
([149]) أصول الإيمان لمحمد بن عبد الوهاب (14).
([150]) انظر: الفصل لابن حزم (1/256).
([151]) انظر: تفسير البغوي (1/67، 162، 315).
([152]) البخاري مع الفتح، كتاب التفسير، سورة آل عمرا، باب: (قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ ) [8/244].
([153]) انظر: تفسير ابن كثير (1/356).
([154]) انظر: تفسير البغوي (1/102، 438).
([155]) التوراة دراسة وتحليل للدكتور محمد شلبي شتروي (83).
([156]) انظر: إغاثة اللهفان (2/342-344).
([157]) انظر: تفسير السعدي (319).
([158]) انظر المناظرة بين الإسلام والنصرانية (35-50).
([159]) انظر: الفصل لابن حزم، (2/139)، وعزاه المحقق إلى إنجيل مرقس، والإصحاح (16/15-18).
([160]) انظر: الفصل لابن حزم (2/139).
([161]) انظر: الفصل لابن حزم (2/139).
([162]) المرجع السابق (2/98).
([163]) انظر: الإيمان لمحمد ياسين (100).000000000000000000000000000000000
ابحث
أضف تعليقاً