
د. محمد عبد الله المحجري:
الوَهْمُ صورة ذهنية غير محكومة بالمنطق والموضوعية عن الذات أو الآخر أو الأشياء والعالم وعلاقاتها ببعضها، وتخلو من الاتساق والانسجام. وهو أحدُ العوائق الكبرى أمام حركة الوعي، وحاجزٌ هائل في مواجهة التفكير الموضوعي والناقد. وهو جدار حاجز يعتقد معه الفرد/الجماعة بكمال الفكرة، وسداد الموقف، وصحة المسلك والطريق.
يَتَصَدَّرُ وَهْمُ "امتلاكِ الحقيقة" بقيةَ الأوهام الأخرى (سواء تلك التي تُضَخِّمُ الذاتَ وتصنع منها شكل الفقاعة الكبيرة أو تلك التي تَشْعُرُ الذاتُ معها بالانسحاب والانهزام والسلبية): وَهْم المعرفة، وَهْم العظمة، وَهْم الفَوْقِيَّة العرقية، وَهْم الضحية، وَهْم المؤامرة...إلخ. تودي الأوهام المختلفة بالفرد/الجماعة إلى مجموعة من الآفات النفسية والعقلية: يَصُدُّهُ وَهْم المعرفة عن التعلم والوصول إلى الحقيقة كما هي لا كما يعتقد، ويُلْبـِسُهُ وَهْم العظمة ثوبًا أكبر من حجمه، يتعثر معه طوال الطريق، ويغلِّفُهُ وَهْم الشعورُ بالفوقية العرقية بـ "البارانويا" (جنون العظمة)، والشعور بالكَمَالِـيَّة الفارغة إلا من الضجيج والنرجسية الطفولية الساذجة والتضَخُّم الفقاعي، ويُحَوِّلُهُ وَهْم الضحية إلى مكتئب مسْتَصْغَرٍ يستدِرُّ عطف الآخرين، في انسحاب من المواجهة وارتداد سلبي إلى الداخل المضطرب، ويصنع منه وَهْم المؤامرة مجموعةً من رُدُوْد الأفعال غير السوية، في إطار السلبية وضعف الفاعلية.
غير أن وهم "امتلاك الحقيقة" وحده من بين كل الأوهام يتصدر قائمة الوهم، ويشير إلى أنه أكبر من مجموع أمراض الآفات الأخرى ونواتجها؛ إذ يتجاوز أثره الفرد/الجماعة إلى المجتمع والإنسانية بمسافات أبعد بكثير من الأوهام الأخرى. يصنع وهم "امتلاك الحقيقة" من الفرد/الجماعة، سلطةً على الآخر قائمةً بالفعل أو الادعاء، تستند إلى مقولات صورية ابتدائية قائمة على تصور ثيوقراطي داخلي مبعثه الشعور بالوكالة عن الله في تسيير هذا الآخر (الآخر هنا هو كلُّ ما عدا الذات الموازية)، وفقًا لتصورات تلك الذات الخاصة. من جانب آخر يحيط وهمُ "امتلاك الحقيقة" الفردَ/الجماعة بالشعور بالحصانة من الزلل والمساءلة، بل يكاد يوصله ذلك الشعور إلى أنه لا يمكن في حقِّه مجرد التصور بكونه على خطأ؛ فهو في نظر نفسه القائم بالحق (على الآخر)، والقائم عليه (في المقولات) في الآن نفسه.
ابحث
أضف تعليقاً