wasateah
المنتدى العالمي للوسطية
وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً
عدد الزوار page counter
"الاجتهاد والتقليد في الشريعة الاسلامية وعلاقتهما بخروج المدارس المائلة افراطا أو تفريطا"

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ثم أما بعد،،

ابتلينا في هذا العصر بأمواج من المآسي الفكرية، وسيل من المهازل المنهجية والتي لم يكن آخر مظاهرها التفجيرات التي وقعت في المساجد والتي أفقدت مرتكبيها وداعميها ما تبقى لهم من فتات دعم ممن كان إلى فترة قريبة متردد في التصريح بخطره ومآلات فكره وإعوجاج نهجه وتهالك أساسه وضعف ﺑﻨﻴﺎﻧﻪ، وعلى النقيض من هذا نسمع ونرى عن موجات إلحاد وهو نوع من الإفساد، وما هذا إلا كأحد آثار الخروج على الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وما استقرؤوه واستنبطوه من أصول وضوابط مستقرة لفهم النصوص الشرعية واستنباط العلل الخفية، والتكبر على ما تم تقعيده وتأصيله، أو الاستنكاف عما صير إليه بعد تهذيبه، من قبل من أثنى النبي -صلى الله عليه وسلم- على عصورهم حيث كانوا أخْلق وأجدر بفهم الأصول الشرعية والقواعد المنهجية في قراءة وتفسير النص الشرعي، وسار على الأخذ والتسليم بهذه الضوابط والأعراف الشرعية أئمة المذاهب الأربعة وغيرهم ممن فقهوا نصوص الوحيين واستخرجوا منها المعاني التي بها تُلحق ﺍﻟﻨﻮﺍﺯﻝ، وأفنوا أعمارهم في الجرح والتعديل وعلم ﺍﻟﺮﺟﺎﻝ ليأتي ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ الصافي الزلال. لم يخرج أحد عما وضعوه إلا خاب، ولا يغدو ويمسي قبل أن يعاب، وليس إلا ﻣﻦ أدعياء الشريعة الإيجاب. التاريخ يعيد نفسه، والعقول لاحقا لم تتمايز عما كانت عليه سالفا، والطبائع البشرية لم تتغير، ومن لم يستفد من السابق وقع في كل بلية وماحق، ولو لم تكن من فائدة في قراءة الماضي والأمم البائدة لما أمرنا الباري بمثل قوله:- "فاعتبروا ﻳﺎ أولي الأبصار" مخاطبا العقلاء الأخيار وغيرهم في الليل والنهار. حصل من قديم أن خرجت كثير من الفرق العقدية كالخوارج الذين أعملوا نصوصاً وأهملوا بعضها مصبحين، وأمسوا يكفرون بالكبيرﺓ ﻓﺤﺎﺩﻭ ﻋﻦ ﺍﻟﺒﺼﻴﺮﺓ، وجهلوا أن الكبائر تحت المشيئة ما عدا الشرك ما لم يتب، وﻣﺮﻭ ﻋﻠﻰ نصوص الوعيد و وأهملوا ﻧﺼﻮﺹ الوعد بالمغفرة، ﻭقتلوا ﻭﻗﺎﺗﻠﻮﺍ ﺍﻓﺎﺿﻞ الصحابة البررة. ﺧﺮﺟﻮﺍ على ما استقر عند صحابة رسول الله فلم تستقر لهم دولة، ولم يكسبوا إلا جولة، ولم ينفعهم اسوداد جباههم ﻭكثرة طاعتهم ﻭ صدق نياتهم، وستقطع الأفهام بأن منهجهم وطرق استدلالهم سيؤولان بهم إلا التقاتل والتخاصم فيما بينهم، ومما حملني على الكتابة فيهم هو الشفقة عليهم والتحذير منهم والنصح لهم. فخرج في مقابلهم من ﻏﺎﻟﻮﺍ ﻓﻲ ﺣﺐ ﺍﻟﻘﺮﺍﺑﺔ حتى ألّهوا بعضاً وعصموا نفراً، فقادتهم عواطفهم وأقبروا عقولهم؛ فكانوا تبعا لردود الأفعال، وضربوا ببعض النصوص عرض الحائط فساروا على نفس منهج من عادَوْهم، الذين لعثمان وعلي -رضي ﺍﻟﻠﻪ ﻋﻨﻬما- ناصبوهم، وصار الحال أن ساووا بين الآثار والأمثال، ﻭﻟﻢ يفحصوا الأسانيد وعلم الرجال، فسابقوا الخوارج في تكفير الصحابة حتى قيل لم يسلم من الكفر إلا ثلاثة. خرج المعطلة الذين نفوا أسماء الله وصفاته ولم يدفعهم إلا التنزيه وخوفا من التشبيه، وأصبحوا ملكاً أكثر من الملك، لا الشرع الحنيف أيدهم ولا العقول الصحيحة معهم، قرؤوا قوله تعالى:- "ليس كمثله شي" بتدبر، ﻭﻋﺎﻣﻠﻮﺍ قوله:- "وهو السميع العليم" بتبطر. وخرج في مقابلهم من أثبتوا الصفات الى درجة التجسيم وهم المشبهة، لأنهم استدلوا فقط بما أغفله الفريق الآخر، ولو آخذا بدليليْهما ودليليْ ما عند الفريق الآخر ما وقعا بمثل ما وقع لهما من نفي أو إثبات مفرط. ولهذا لا ﻳﻮﺻﻰ طلاب العلم أن بيتدؤوا بقراءة كتب الحديث فقط -مالم تثنى الركب عند العلماء- والعمل بموجبه بمنئى عن قراءة كتب الفقه كسبيل في تحصيل العلم لما فيه من الإشكالات التي ربما تؤدي إلى ما نحذر منه، فقد يقرأ المبتدئ أو العامي أو المقلد حديثا ويريد تطبيقه والعمل بمقتضاه ﻣﺒﺎﺷﺮﺓ وقد يكون منسوخا أو عاما أو مطلقا أو مجملا أو ﺿﻌﻴﻔﺎ ويجهل ناسخه أو ﻣﺨﺼﺼﻪ أو ﻣﻘﻴﺪﻩ أو مفصله أو مضعفه.

ومن أسباب الخلل في هذه المناهج -فضلا عن عدم الإلمام ﺑﺠﻤﻴﻊ النصوص والمقاصد والواقع- إحداث أقوال أو أصول أو مناهج لم يسير عليها أفاضل القرون الاولى. لن يعجز ﻓﻘﻬﺎﺅﻧﺎ ممن كتبوا في كل العلوم من جبر وطب وفقه وفلك أن يخرجوا على مالا يجوز لهم الخروج عليه مما استقر عند الأولين من قواعد وأصول الشريعة أو يحدثوا أصلا أو ﻳﺒﺘﺪﻋﻮﺍ ﻧﻬﺠﺎ. وبالإضافة إلى أن ما أقدم عليه غلاة المكفرين والملحدين وأصحاب التيارات الحديثة المصادمة للشريعة مع تسليم بعضها بالشريعة المحمدية منهجا في بعض الجوانب يعد خروجا عن إجماعِ ما استقر ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﺴﺎﺑﻘﻮﻥ من الآراء أو الخلافات الفقهية، فتح هذا الباب يخلق دينا لم يرده الله، وطعن ضمنيا في قرون امتدح النبي –صلى الله عليه وسلم- زمانها ورجالاتها؛ فلولا تقصيرهم في فهم النصوص واستخراج معانيها لما احتجنا إلى قراءة للنصوص عصرية سُميت أو عقلانية، وكأن العقل ينشأ الأحكام ،والحق أنه كاشف وتابع لها، فمؤدى هذا الفتح هو إفراغ الشريعة الإسلامية من مضمونها بحجة تغير الزمن والحال فكلن يستنبط بلا ضابط، وإن كان الزمان والمكان والحال والمصالح والمفاسد من الظروف والاعتبارات التي ربما تفضي إلى تغير بعض الفتاوى الشرعية والأحكام الفقهية ولغة الخطاب ليس المقام مقام بسطٍ فيه. وشأن الشريعة شأن كل علم بل أشد، تحكمه الضوابط وتأطره القواعد ما إن تنسف إلا تلم علينا العجائب وتحرقنا ﺍﻟﻠﻮﺍﻫﺐ. سلف هذه الامة أعلم من ﻋﺼﺮﻧﺎ ﺑلغة العرب التي نزلت بها الآيات والسنن النبوية، وهم ﻣﻦ شهدوا ﺍﻟﺘﻨﺰﻳﻞ وصاحبوا النبي -صلى الله عليه وسلم-، والمتأخرون لم يبلغوا ما بلغه المتقدمون من الرسوخ في العلم والقرب من منابعه، فلو احتُمل أنهم وقعوا في خطأ ففينا أوقع، أو فاتهم فهم أو معنى ففينا أفوت، ولا يعارض هذا ما كان على سبيل إيجاد معانٍ وأوجهٍ وحِكَمٍ محدثة ما لم تعود على ما نوه عليه المتقدمون بالإبطال.

كذلك من أسباب انتشار وتنامي ﺍﻟﻤﻨﺎﻫﺞ المتشددة أو المتساهلة ﻫﻮ فتح باب الاجتهاد في الشريعة على مصراعيه، فيطول العجب فيمن يخوض في أمر تدافع عنه العلماء بمجرد الإطلاع على ﻣﺤﺎﻭﺭﺓ أو الاستماع ﺍﻟﻰ محاضرة أو ﻣﺸﺎﻫﺪﺓ مناظرة أو قراءة كتيب وجده صدفة أمامه فليس هذا من الإجتهاد بشيء، فشروطه مسطورة وأركانه مكتوبة وآلته ﻣﻌﺮﻭﻓﺔ، فابتلينا هذا الزمان بمن ينازع في علم لا يدرك مراميه، ولا يتصور مقاصده وأوامره ونواهيه، فحاله كمن يشق بحراً تُجهل مراسيه، وأعزلٍ ينزل داراً تكثر مغازيه. ولو كان من السهولة بمكان فماذا تركنا لأبي حنيفة ﻭﻣﺎﻟﻚ والشافعي وأحمد وابن تيمية وعياض والنووي وغيرهم من المتقدمين والمتأخرين والمعاصرين ممن سخروا أوقاتهم وجل حياتهم في النهم من الكتب ومجالسة العلماء ولم يتصدروا للفتيا حتى أجيزوا وشُهد لهم بالعلم. وأعجب من هذا أنني سمعت مقولة "هم رجال ونحن رجال" ممن هو قريب من الإلحاد إن لم يصبه، فهل بلغ من يستند عليها ما بلغه أبو حنيفة حينما قالها قاصدً أقرانه من علماء عصره؟، وآخر يتذرع بما لا يسعفه بما جاء في الحديث "استفت قلبك" دون الرجوع إلى معناه في مظآنه وكأنه وقع على ما يغنيه عن سؤال العلماء، وأحد محامله المتعددة أنه في حق من يفتيه العالم، ويعلم المستفتي أن الحال في الواقع والباطن مختلفٌ عما صُوِر للفقيه، فلو كان المراد منه أن العامي أو المقلد ممن لا علماً حوى ولا واقعاً وعى يفتي نفسه ويعطيه الحق في إطلاق الأحكام الشرعية فماذا نستفيد من قوله تعالى الذي يكفي في دفع ما يستدلون به:- "فسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون"، وقوله:- "هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون"، وقوله: "وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم" على من حمل الواو على العطف، وما الحاجة في وضع الشروط للمفتين؟. تناقل جمعً من العلماء مقولة "لو سكت من لا يعلم لسقط الاختلاف" فحينما يتفوه أحدنا ممن يفتقر إلى العلم الشرعي المتين والتأصيل الرصين بحكم فقد يكون مؤداه المصادمة للأعراف الشرعية ويأتي آخر مثله للرد عليه غيرة وحماسا بلا علم فيحمل حقا وباطلا وما أكثرهم. ومما يشهد له الواقع أن مظنة شفاء المريض تحت إشراف الأطباء أكثر مما هي عليه عند غيرهم، وفرص نجاح القضايا تحت إشراف المحامين أكثر مما هي عليه عند غيرهم، فكذلك مظنة معرفة أحكام الله في المسائل والأحداث عند العلماء الراسخين أكثر مما هي عليه عند غيرهم.

الاجتهاد مطلب في زمن أمطرت علينا نوازله، لكن لا ﺗﺆﺗﻰ ﺍﻟﺒﻴﻮﺕ من ظهورها كما هو واقع في زماننا، حيث صار المقلد هو المعدود أما المتعالمين والمنازعين الأمر أهله فلا حصر لهم، فهل حال كثير منهم تحقق فيه الحد الأدنى من العلم بالكتاب والسنة، ومواطن الإجماع، والدراية بالآثار، والعناية بالاخبار، والإلمام بعلم المعاني من الإنشاء والخبر، والقياس وكيفية النَّظر، والإحاطة بالأشباه والنظائر وعلى ما ذَا تعود الضمائر، وصلاح السرائر، وتمييز المصالح المعتبرة والمفاسد المغتفرة والمآلات المُحتملة. وأحد أهم أسباب اجتراء كثير من غير المختصين في الشريعة على الخوض في مسائل الدين هو التوسع الحاصل من بعض طلبة العلم المبتدئين في الإفتاء وبيان الراجح من الأقوال والأراء، وما سقطت هيبة القول على رب العالمين من عيون عامة الناس إلا لما سقطت من أعين بعضاً ممن تصدروا للإفتاء ممن يجهل مذهبه ناهيك عن مذاهب غيره. الناس نحو الاجتهاد طرفان ووسط، فالأول مع إغلاق بابه ولو تحققت شروطه، وآخر يرى فتحه لمن لم يبلغ رتبته، ووسط يرى أن الإجتهاد والإفتاء تمذهباً أو ترجيحاً يتحققان بإستيفاء شروطيْهما وتحقق قيوديْهما كما عليه المحققون من الفقهاء. ومن مظاهر التساهل في باب الإجتهاد أن البعض يسحب الترجيح واختيار الأقوال من مقام التعليم كما هو حاصل في بعض الرسائل العلمية وبحوث التخرج إلى مقام الإفتاء أو الإجتهاد ممن لم يبلغ رتبة أحدهما، ولست ضد المعمول عليه في الرسائل العلمية ففيها دربة واختبار للطالب وسعة في تقبل الخلاف وغير ذلك، لكن لا تعني بالضرورة حقه في الإفتاء أو الإجتهاد مالم تتحقق شروطيْهما؛ فيغتفر في مقام التعليم مالا يغتفر في حال الإفتاء. ولا يُفهم من هذا أن الدعوة للخير أو تعليم وتوجيه الناس أو المنافحة عن شريعة رب العالمين قاصر على المجتهدين أو الفقهاء فقط بل المقصود وجوب التقيد بنقل ما ذكره هؤلاء وعدم الخروج عن تصورهم، أو الخوض في مسائل الخلاف، أو اختيار الأراء الراجحة من  محتملاتها، فشتان من ينقل الفتوى ومن يفتي لنفسه أو لغيره وهو ليس أهلاً لذلك. وليس المقصود أن من تتحقق فيه ما يتحقق في المجتهد أو المفتي أن يتورع عن تبيان الحق الذي يراه فيُخشى أن ينطبق عليه قوله تعالى: "إن اللذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولائك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون"، وحاجة هذا الزمن للمجتهدين والعلماء الربانيين أكثر من حاجته لهم فيما سبق؛ فنوازل العصر تهافتت، وصروف الدهر تهاطلت، ومسائل القرن تعاقبت. ولولا إطالة الحديث فيما ليس من جنس المقال لتم بسط القول فيما سبق وفق ما سطره علماؤنا وفقهاؤنا. ‏‬‬‬‬‬

أضف تعليقاً

تتم مراجعة كافة التعليقات ، وتنشر في حال الموافقة عليها فقط ، ويحتفظ موقع المنتدى العالمي للوسطية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ولأي سبب كان ، ولن ينشر أي تعليق يتضمن إساءة أو خروجاً عن الموضوع المطروح ، وأن يتضمن اسماء أية شخصيات أو يتناول إثارة للنعرات الطائفية والمذهبية أو العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث أنها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع المنتدى العالمي للوسطية علماً ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط.

Filtered HTML

  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Allowed HTML tags: <a> <em> <strong> <cite> <blockquote> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • Lines and paragraphs break automatically.

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.