
القيم في المدارس الغربية بين الكونية و الخصوصية
المدرسة الفرنسية أنموذجا
بقلم: أميمة بو نخلة
بين كونية التنظير و خوصصة التنزيل فروقات قد تصل حد انتهاك القيم باسم الدفاع عنها، وكثيرا ما تتجلى هذه الإشكالات في المجتمعات الغربية التي ترفع شعارات العلمانية و الدفاع عن حقوق الإنسان، خصوصا فيما يتعلق بسياسة تعاملهم مع المسلمين.
تعتبر المدارس أرضية خصبة لتنزيل القيم و التنشئة عليها؛ وفق مفهوم القيمة و محدداته لدى الدولة، فمفهوم قيمة الحرية في المدارس الإسلامية ليس هو نفسه في المدارس الأجنبية نظرا لاختلاف المرجعيات،وهو أمر لا ضير فيه ما إذا تم جعل الطالب يستوعب الخصوصيات الحضارية في ذات الوقت الذي نؤسس له لما هو كوني تؤطره أرضية مشتركة. لكن الذي يحدث في بعض المدارس الأجنبية أنه يتم تلقين نقيض ما يرفع من شعارات مثالية،و على رأسها المدرسة الفرنسية.
اتخذت فرنسا قيما ثلاثا شعارا للجمهورية "المساواة..الأخوة..الحرية"،وأسست لعلمانية الدولة قاطعة الطريق أمام الكنيسة الكاثولويكية،قائلة بأن العلمانية هي الكفيل بتحقيق نهوض حضاري تاريخي بعيدا عن سلطة الدين،عاملة بذلك على توظيف قطاع التعليم في خدمة أهدافها السياسية و الثقافية،فمنعت إرتداء كل ما يمثل رمزا دينيا في المدارس،و شددت على ضرورة تشبع المشتغلين في القطاع بسياستها التعليمية..و ما إلى ذلك من اجراء ات قد تبدو عادية مادمنا نقول بضرورة احترام الخصوصية،لكن ما يعاب على فرنسا ادعاؤها الدفاع عن الكونية في حين أنها لا تدافع إلا عن مصالحها الخاصة و سياساتها.ففرنسا التي ترفع شعار الأخوة و المساواة هي ذاتها التي تضيق على حق المهاجرين و حتى المسلمين من أصول فرنسية في التوظيف،و هناك شهادات عديدة لمسلمين تخرجوا من مدارس عليا و جامعات فرنسية تعرضوا للإقصاء و المعاملة العنصرية سواء في مختلف المراحل التعليمية أو حتى في مجال العمل.
وفرنسا التي تقول بالحرية و احترام حقوق الإنسان هي نفسها التي تفرض على الأطفال في المدارس حفظ نشيدها الوطني الذي تشوبه الكثير من الانتقادات بسبب التعابير العنصرية و الداعية للحروب،وقامت بإغلاق مدارس إسلامية تضم المئات من التلاميذ ضاربة بذلك حقهم في التمدرس،وتقوم بالتضييق على المدارس الأخرى،بينما رقابتها شبه مرفوعة تماما عن المدارس اليهودية،ولا تتدخل إلا حين يكثر الجدل بسب أحداث في إحدى هذه المدارس، حتى أنها صارت مؤخرا تمهد لتنشئة أطفالها على تقبل المثلية،وهنا يتضح جليا إذا أن مشكلة فرنسا ليست مع المعتقدات المختلفة و إنما مع الإسلام.
هذا التناقض الصارخ في المجتمع الفرنسي تعاني من تمثلاته المدارس الفرنسية،التي كان لزاما عليها التعامل مع كل ما يعيشه المجتمع من صراعات إيديولوجية،فوجدت نفسها في خضم معترك عليها أن تختار فيه إلى أي طرف تميل،وكان من الطبيعي أن تكون خادمة لأجندة الدولة.
تزايد عدد مدارس البعثات الفرنسية في العالم،تسبب في تجاوز هذا الصراع لحدود الجمهورية الفرنسية، ليصل إلى دول العالم الإسلامي التي فتحت أبوابها لفرنسا لتؤسس مدارس تابعة لها خادمة لأجندتها،خصوصا الدول التي كانت ضمن خطة فرنسا التوسعية إبان فترة الحروب العالمية،وهي الدول المغاربية.
ما يحدث في مدارس البعثة يمكن وصفه بأنه أشد خطورة مما يحدث داخل الجمهورية،لأننا ننتقل بذلك من محاولة الدفاع عن حقوق فئة معينة في فرنسا باسم القيم الكونية،الى الدفاع عن حق الأغلبية في احترام معتقداتهم و ثوابتهم الدينية باسم الخصوصية الحضارية، فتلاميذ المدارس الفرنسية في المغرب مثلا لم يسلموا من محاولة التشويش على معتقداتهم و هويتهم،حيث تم ضبط مؤسسة تعتمد خريطة مبتورة للملكة المغربية دون صحرائها،ومنع تلاميذ من ارتداء الجلباب الذي يعتبر الزي التقليدي للمغرب بدعوى أنه ليس لباسا مدنيا،وتم طرد تلميذة لأنها ارتدت الحجاب..
ما يحدث في مدارس البعثة يوضح لنا بشكل جلي أننا أمام دولة لم تتخلص بعد من فكرها التوسعي الاستعماري،بل على عكس ذلك انتقلت من التوسع الجغرافي العسكري ،إلى التوسع الثقافي المدني. و تبقى بذلك فرنسا من أكثر دول العالم الغربي تناقضا مع ما ترفعه من شعارات.
ابحث
أضف تعليقاً