
في ذكرى الإسراء والمعراج: نفحات من السيرة النبوية الشريفة
الدكتور زيد احمد المحيسن
في ذكرى الإسراء والمعراج، نستحضر في عقولنا وأرواحنا مشهدًا من أعظم الأحداث في تاريخ الإنسانية، ذلك الحدث الذي حمل في طياته معاني عميقة من الإيمان والتسليم لقدر الله، وكان بمثابة نقطة تحول في مسار الدعوة ، وفي حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وفي أفق أمة الإسلام جمعاء. في هذه الذكرى العطرة، نتوقف عند نفحات من السيرة النبوية التي تزخر بالحكمة والدروس، والتي تهدينا إلى معاني الإيمان، والتوحيد، والأخلاق، والتغيير الحضاري الذي حمله الإسلام إلى مجتمع جاهل ضل في ظلمات الجهل والعبادة للأصنام.
في ذلك الزمن الذي كانت فيه شبه الجزيرة العربية غارقة في عبادة الأصنام، وانغماس المجتمعات القبلية في التفاخر بالأنساب والتسلط، جاء النبي صلى الله عليه وسلم بمهمة عظيمة، ليرسم للأمة طريقًا جديدًا، ينقلبون به من ظلمات الشرك والجهل إلى نور الإيمان والعقل. كان هدفه أن يهدم هذه الأفكار البالية، ويبدلها بتوحيد الله الواحد الأحد، الذي لا شريك له، القوي المتعال، الذي لا شيء يعلو عليه، الصمد الذي يلجأ إليه المؤمنون في السراء والضراء. فكانت رسالة الإسلام دعوة للعقل، للعدل، للسلام، وللإحسان.
الإسراء والمعراج كانا تجسيدًا حيًا لهذه الرسالة الإلهية، حيث أُسري بالنبي صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المسجد الأقصى، ومن ثم عُرج به إلى السماوات العُلى، ليقف أمام رب العزة في مشهد يعجز اللسان عن وصفه، وتتفطر له القلوب. في تلك الرحلة، لم يكن النبي مجرد قائد ديني، بل كان قدوة إنسانية، تجسد في شخصه جميع معاني الصبر، والتسليم، واليقين في قدرة الله. وفيما كان يواجه أصعب التحديات في دعوته، كانت رحلته من مكة إلى السماوات درسًا للمؤمنين في كيفية التمسك برؤية الله واتباع سبيله مهما كانت المصاعب.
من نفحات هذه الرحلة، نستلهم أن الله سبحانه وتعالى هو الموجه الأول، وهو الراعي للمؤمنين في كل زمان ومكان. عندما انطلقت الدعوة، كانت البداية صعبة، وكان أهل قريش يستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم ويسخرون من دعوته، ولكن الله سبحانه وتعالى أيده بمعجزات عديدة، وجعل من الإسراء والمعراج علامة فارقة في تاريخ الإسلام، لتأكيد على أن الطريق إلى الله ليس بالسهولة التي يتصورها البعض، ولكنه يحمل معه في طياته العديد من المحطات التي تحتاج إلى صبر وعزم وثبات.
لكن الإسراء والمعراج ليسا مجرد حدثين تاريخيين عابرين. إنهما منبع للقيم التي شكلت معالم شخصية المسلم. ففي رحلة المعراج، حيث صعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى السماوات، كان لقاؤه مع الأنبياء في السماء درسًا عميقًا في وحدة الرسالات، والتواصل بين مختلف الأنبياء في الدعوة إلى الله. وعندما فرضت الصلاة، كانت هذه هي الهدية الكبرى التي منحها الله لنبيه ولأمته، لتكون شعيرة تجمع المؤمنين وتوحدهم في طاعة الله.
وفي كل لحظة من لحظات الإسراء والمعراج، يتجلى لنا الدرس الأعظم، وهو أن الله هو الموجه، الراعي، والمحب. وهو الذي يفتح أمامنا أبواب التوفيق والنجاح، ويعطينا القوة للاستمرار على الطريق، مهما كانت الصعاب. فالإسراء والمعراج كانا بمثابة لحظة انبعاث حضاري للأمة الإسلامية، وتغيير حقيقي لمفاهيم المجتمع، من مجتمع فارغ فكريًا إلى مجتمع ينطلق من نبع الإيمان الراسخ، ومن فكرة التوحيد التي هي أساس الأخلاق والعدالة.
في ذكرى هذه الرحلة المباركة، يجب علينا أن نتذكر أن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ليست مجرد قصة تاريخية، بل هي دروس متجددة في كل زمان ومكان. هي منبع للثبات في وجه التحديات، وللتوكل على الله في كل أمر، وللإيمان بأن التغيير يبدأ من داخل الإنسان أولًا، وأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يغير الأحوال ويرتقي بالإنسان إلى أعلى مراتب الفضيلة.
وها نحن اليوم، في عصر التحديات الكبرى، نحتاج إلى العودة إلى هذه القيم، وإلى الاستفادة من نفحات الإسراء والمعراج التي تذكرنا بأن التغيير الحقيقي لا يأتي إلا بتقوى الله، واتباع هدي نبيه، والعمل من أجل بناء مجتمع يسوده العدل، ويسعى نحو تحقيق الكرامة الإنسانية.
في ذكرى الإسراء والمعراج، نلتمس من هذه النفحات ما يعيد لنا قوتنا في الإيمان، ونجد فيها دعوة لكل واحد منا لكي يكون قائدًا في نفسه، قادرًا على التغيير، ومؤمنًا بأن الله هو الموجه، وهو الراعي في كل خطوة ..
ابحث
أضف تعليقاً