
*ظاهرة انعدام الوزن وفقدان القدرة على التأثير (الغثائية)*
*(فلسفة الدوافع والأسباب وطرق العلاج)*
*بقلم د.عبدالله علي الشرمان*
يرتبط الوزن الذي هو نوع من انواع القوى الكونية من الناحية الفيزيائية والمادية بالكتلة المادية وتفاعلها مع قوة الجاذبية الأرضية، والتي هي كذلك نوع من انواع القوى الكونية الرئيسية المؤثرة جذريا في الكون واتزانه وتسخيره وتحركاته وتفاعلاته العديدة المتداخلة المتنوعة. وترتبط الكتلة بالكثافة والحجم، والكثافة هنا هي مؤشر تركيز الكتلة في الحيز الفراغي المتاح لها ضمن حدود تأثير المحيط وعناصره الطبيعية والفيزيائية وخاصة الضغط ودرجة الحرارة ونسبة الرطوبة والارتفاع عن مستوى سطح البحر كمرجع اساسي للعناصر الفيزيائية والبيئية.
ومن ناحية معنوية اساسية اخرى يرتبط الوزن كذلك بمفهومه الاصطلاحي بقوى معنوية ونفسية وعقلية وظرفية ومحيطية، ترتبط وتتداخل فيما بينها جميعا وترتكز معنى وجوهرا على الارادة والهمة والعزيمة والدافعية والقدرة على الفعل والتأثير، وبلورة قوى الفكر وصناعة المواقف الوقائع والاحداث، والتحكم النسبي بمجريات الامور ومراحل نشوئها وتفاعلاتها واحداثها ومستقبلها.....
وتعيش امتنا في حاضرها الراهن مرحلة حرجة صعبة قاسية من الضعف والهوان، وفقدان القدرة النسبية على الفعل والفعل المقابل، والاكتفاء بالحيرة والجمود والضعف وردود الفعل الجامدة او الصمت المعبر عن الحيرة والهوان وانعدام الوزن
...وهذا الوضع ليس من قلة عدد، وإنما مع كثرة كاثرة شبه جامدة، تلفها الغثائية المعطلة، وارتهان الإرادة وتعطيل القدرات، ومحاصرة المتاحات والامكانات، واعاقة الدوافع والمبادرات.....
وعند تحليل المفهوم الشمولي لمرحلة انعدام الوزن ( الغثائية) على صعيد الأمة فإن ذلك يعني تعطيل قوى تمتلكها الامة، مقابل قوى اخرى مضادة من داخل الأمة وخارجها على حد سواء ولكن بنسب متفاوتة عبر محطات الحياة وتقلباتها...
فعنصر (الكتلة) في وزن الأمة بعني زيادة تعداد ابناء هذه الامة في اتساع مكاني شاسع (الحجم المتاح) ولكن يقترن به ضعف التأثير وهو قلة (الكثافة الحجمية) المرتبطة بالغثاء والخفة وضعف القوام وهشاشة الكيان...
اسباب الغثائية وتلاشي الوزن وضعف التأثيرالنوعي والكمي!!؟؟
تجتمع عدة اسباب وعناصر مباشرة وغير مباشرة لفقدان القدرة على التأثير وانعدام الوزن....ومنها ما يلي:
1.مصادمة سنن وقوانين الكون الغلابة التي اودعها الله تعالى في الآفاق والانفس والحياة،
وسبب ذلك اما التجاهل او الجهل بها، او عدم القدرة على تسخيرها بنجاح وفعالية والتحكم بها او عدم الإتساق الصحيح معها، او كل ما سبق من اسباب متعددة...
2.التشتت والتشرذم، وضعف قوى الارتباط والتماسك والتعاضد بين مكونات الأمة الأساسية في مختلف صور تواجدها ومستوياتها، وبروز الأثرة الفردية وسطوتها، وغياب الحد الادنى من التكامل المثمر الفعال في التكوين والأداء والعمل والتأثير، وتقوية المناعة الجمعية للأمة....
3.غياب او تغييب الأهداف الاستراتيجية المحددة والمؤطرة، والغايات الرئيسية الجامعة التي تشكل معالم المشروع الجمعي المتدرج المتكامل المرحلي للنهوض والتقدم والتمكين المتعدد المراحل والمستويات والآفاق....
4.تغييب وغياب أجواء وآفاق ومقتضيات الحرية والعدالة، القائمة على الحق
القوي الرادع للظلم والجور والاستبدا بكل انواعه واشكاله ودوافعه، والإحسان المتداول والضبط العادل والنظام المؤطر للحياة....
5.تجميد وإعاقة الدوافع والطاقات، وتعطيل الهمم والقدرات تحت سطوة الفكر الارجائي المعطل، وانتظار الحلول من الآخر أنى كان بشتى اشكاله ومصادره، دونما قناعة راسخة بامتلاك القدرة على إيجاد الحلول والأفكار المنتجة ضمن حدود الامكانات والقدرات والمتاحات.....
6.سطوة الأوهام المعطلة المضللة المفضية الى الاعتقاد الجازم بقوة الآخر وتفوقه علميا وتقنيا وعسكريا وحضاريا، والاتجاه الاهوج نحوه تقليدا وتبعية وارتباطا مهينا....
7.ضعف و/او إضعاف القناعة بامتلاك قدرات ذاتية جمعية للامة ممكنة ومتاحة للنهوض والتحرر والتمكين الاستراتيجي....
8.ضعف او تعطيل القدرة على الإبداع والتجديد، المستدام، وضعف القدرة على توليد الأفكار المتميزة الجديدة المنتجة، والاكتفاء بالواقع المرير بكل أوجاعه وآفاته وحصاره الصعب الفظيع.
9.تكرار الأخطاء رغم بيان عوارها، واجترار التجارب الفاشلة، ودوام التعرض للدغ من جحر واحد او اكثر ولعدة مرات...!!؟؟
10.الخوف الدائم من المستقبل، وضعف استطلاعه واستشرافه، والجمود المعطل للتعامل المثمر مع مستجداته وتطوراته، مما يؤدي الى تكريس الجمود والتراجع
الذي يشكل مرتعا خصبا للغثائية...
11.محاربة وتغييب القدوات، ومحاصرة العناصر المؤثرة الصادقة، وإخلاء ساحات ومساحات التأثير المجتمعي من أصحاب الأهلية والاختصاص الأكفياء لصالح مشاريع التغريب والتفكيك والتبعية المريرة.....
.
12.الانخداع المتكرر بوعود الآخر المخادع غير الأمين وغير الموثوق، والانجرار نحو السير غير الواعي خلف الآخر حتى لو دخل جحر ضب او غاص في دوامة الضياع والهلاك..!!؟؟
13.وجود قوى الشد العكسي المقنع، وقوى الخذلان المزمن المغلف التي تحظى برعاية ودعم الاهواء والنزوات والمصالح الضيقة المعلبة، ويتاح لها العمل والتوجيه والتأثير والسيطر.....!!!؟؟؟
14.اعتياد الهوان والضعف، والقبول بالوجود الهامشي المهين، الذي يرسخ بدوره النمو التدريجي المزمن للغثائية وانعدام الوزن....
15.الرضا بتضيع الكليات الأساسية للوجود الحضاري المؤثر للأمة، وهي الأساسيات والمرتكزات القائمة على العقيدة والهوية واللغة والحضارة التي كرم الله تعالى بها هذه الامة الخاتمة، وميزها بها عن غيرها من الأمم وجعلها خير امة أخرجت للناس ما استقامت على شريعة ومنهاج خالقها السمحة ومقتضياتها الأساسية، وذلك لتحقيق معاني الشهود الحضاري والبعد عن الهوان والغثائية....
وخلاصة الامر، يمكن القول ان الغثائية هي مرحلة متقدمة من الضعف والهوان المتدرج، وتنتج عن محصلة صراع طويل محتدم بين قوى داخلية وخارجية متباينة متناقضة، ولكن سبب الغثائية الاساسي يرتبط جذريا بوجود قوى داخلية سلبية خلالية في جسم الأمة، وهي تدفع باتجاه إضعاف مناعة الامة وقدرتها على المقاومة والصمود، وتعيق نهوصها واستمرار عافيتها، وحين ذلك تنصب قوى خارجية سلبية مع تلك الداخلية السلبية لتفتك بجسد الامة وتضعفه، لتكرس الضعف والتشذرم والغثائية الى مدى يطول ويقصر وفقا لارادة وقدرة الامة على تغيير واقعها وتنقية خبثها، وتقوية قوامها، وتحسن حالها ومآلها، وكل ذلك ممكن ومتاح ومتيسر بما اودعه الله تعالى وسخره لهذه الأمة من طاقات وقدرات وامكانات ومتاحات متعددة ومتنوعة ظاهرة وباطنة، والأمل يحدونا جميعا لتحقيق ذلك بعون الله تعالى وتوفيقه ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، والحمد لله رب العالمين.
ابحث
أضف تعليقاً