
لا تقتلوا الفضيلة...
إنهم أناس يتطهرون
د. عارف أبو عيد
ما أكثر الذين يقفون مذهولين أمام سيل المخدرات، والعنف، وتفكك الأسر، وضياع الأبناء، ثم ينسون أن يسألوا السؤال الأكبر: من الذي كسر الأقلام التي كانت تعلمهم؟ ومن الذي أغلق الأبواب التي كانت تهدبهم؟ ومن الذي حاصر المربين، ثم وقف يلعن الظلام بعدما أطفأ السرج بيده؟
إن الأمم لا تبدأ رحلة الموت يوم تخسر معركة، وإنما يوم تتحول الحرب من حرب على الرذيلة إلى حرب على الفضيلة، ويصبح المربي متهماً، والمفسد نجماً، والعفيف رجعياً، وصاحب الشهوة رمزاً للعصر، ثم يقال للناس بكل برود: لا شأن لكم، إنهم أناس يتطورون!
رويدكم...
لا تقتلوا الفضيلة...
إنهم أناس يتطهرون!
هكذا قالها قوم لوط، أو ما يشبهها، حين ضاقوا بالطهر وأهله: ﴿أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾.
لم يكن ذنب أولئك أنهم ظلموا الناس، أو سرقوا الأموال، أو أفسدوا في الأرض، وإنما كانت جريمتهم الكبرى أنهم أرادوا أن يبقى للطهر مكان، وللفطرة سلطان، وللحياء معنى.
وما أشبه الليلة بالبارحة!
ففي كل زمان يتبدل اللسان، ويبقى المعنى واحداً؛ بالأمس كانت الطهارة تهمة، واليوم أصبحت الفضيلة رجعية، والحياء عقدة، والعفة تخلفاً، والانحلال حرية، والعبث تقدماً.
روى المؤرخون أن الأندلس لم تسقط يوم دخلها فرديناند، وإنما سقطت يوم عمرت القصور وخربت النفوس، وكثرت المغنيات، وقل المربون، واتسعت مجالس اللهو، وضاقت ميادين البطولة، فانهارت الحصون بعدما تهدمت القلوب.
ولقد أدرك أعداء الأمم أن الطريق إلى هزيمتها لا يبدأ بتحطيم الجيوش، وإنما بتحطيم الضمائر، لأن الأمة التي تفقد أبناءها أخلاقياً، يسهل كسرها سياسياً وعسكرياً.
قال غوستاف لوبون: «الأخلاق هي الدعامة الحقيقية للمجتمعات، فإذا انهارت لم تستطع القوانين أن تمنع سقوطها».
ومن أعجب العجب أن أمماً تنفق المليارات على السجون والمحاكم ومراكز الإصلاح، ثم تضيق ذرعاً بالمربين الذين يمنعون الناس من الوصول إليها.
فالسجون قد تردع الجريمة، لكنها لا تصنع الفضيلة، والمحاكم تفصل الخصومات، لكنها لا تبني الضمائر، والشرطة تحرس الطرقات، لكنها لا تحرس القلوب، أما المربون فهم الحراس الحقيقيون للأمم، والجند المجهولون الذين يحرسون مستقبلها.
يُغلق باب جمعية تعلم القرآن، وتضاء آلاف اللافتات التي تدعو إلى اللهو، وتُحاصر مدرسة تربي على الحياء، ثم يُسأل الناس بعد سنوات: من أين جاء الخراب؟
أيها السادة...
لا تكسروا أقلام المربين، ثم تبكوا على سكاكين المجرمين.
لا تهدموا السدود، ثم تلعنوا الطوفان.
لا تطفئوا السرج، ثم تشكوا من الظلام.
ولا تقتلوا الفضيلة...
بحجة أن أهل الطهر غرباء، وأن أهل الشهوات أكثر تحضراً.
فالسجون لا تصنع رجالاً، والمحاكم لا تنشئ ضمائر، والشرطة تحرس الشوارع، أما المربون فهم الذين يحرسون الأمم.
وما أكثر من يبني الملاهي، وما أقل من يبني الرجال.
﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾.
#المنتدى_العالمي_للوسطية
ابحث
أضف تعليقاً