
السؤال في القرآن: مدخل إلى إنتاج المعرفة الإنسانية
الدكتور زيد احمد المحيسن
ليس السؤال في القرآن الكريم مجرد أداة للاستفهام، ولا وسيلة للحصول على جواب فحسب، بل هو أحد المفاتيح الكبرى التي بنى بها الوحي منهجه في تكوين العقل الإنساني وإنتاج المعرفة. فالمتأمل في الخطاب القرآني يكتشف أن القرآن لا يبدأ دائمًا بتقديم الحقائق جاهزة، وإنما يبدأ بإثارة العقل، وتحريك الوعي، ودفع الإنسان إلى التفكير، حتى يصبح الوصول إلى الحقيقة ثمرة رحلة عقلية واعية لا مجرد تلقٍ سلبي للمعلومات. ومن هنا يمكن النظر إلى السؤال بوصفه البذرة الأولى التي تنبت منها المعرفة، والشرارة التي توقظ الفكر، والمنهج الذي ينتقل به الإنسان من الجهل إلى العلم، ومن التقليد إلى البرهان.
لقد تكرر الجذر اللغوي (س-أ-ل) في القرآن الكريم في عشرات المواضع، وجاءت صيغة «يسألونك» في موضوعات متعددة شملت العقيدة والعبادة والأخلاق والكون والإنسان والتاريخ، الأمر الذي يكشف أن السؤال ليس حادثة عارضة في النص القرآني، بل هو مكوّن أصيل في بنائه المعرفي. فالناس يسألون، والقرآن يجيب، لكنه في كثير من الأحيان لا يكتفي بالجواب المباشر، بل يعيد تشكيل السؤال نفسه، ويوجه عقل السائل إلى أفق أوسع، فيتحول الجواب من معلومة إلى منهج، ومن حكم جزئي إلى رؤية شاملة. فالغاية ليست إشباع فضول الإنسان فحسب، وإنما تعليمه كيف يفكر، وكيف يبحث، وكيف يزن الأمور بميزان العقل والدليل.
ولعل أكثر ما يلفت النظر أن القرآن يستخدم السؤال في اتجاهين متكاملين؛ الأول هو سؤال الإنسان الباحث عن المعرفة، والثاني هو سؤال القرآن للإنسان. ففي الاتجاه الأول نجد الناس يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن الأهلة، والخمر، والروح، والإنفاق، والساعة، وغيرها من القضايا التي تشغل العقل الإنساني. أما في الاتجاه الثاني فإن القرآن هو الذي يسأل: ﴿أفلا يعقلون﴾، ﴿أفلا يتدبرون﴾، ﴿أفلا ينظرون﴾، ﴿هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾. وهذه الأسئلة ليست طلبًا لجواب مجهول، وإنما هي أسئلة توقظ الضمير، وتستفز العقل، وتدعو الإنسان إلى مراجعة مسلماته، وإعادة بناء قناعاته على أساس التفكير والاستدلال. وهنا يتحول السؤال من أداة لغوية إلى منهج تربوي، ومن صيغة بلاغية إلى استراتيجية معرفية.
إن القيمة الكبرى للسؤال في القرآن أنه لا يكتفي بإنتاج المعلومة، بل ينتج الإنسان القادر على إنتاج المعرفة. فهناك فرق بين عقل يتلقى الأجوبة، وعقل يعرف كيف يصوغ الأسئلة. الأول يظل أسير ما يقدم إليه، أما الثاني فيصبح قادرًا على الاكتشاف والإبداع والتجديد. ولهذا لم يجعل القرآن الإيمان قائمًا على التسليم الأعمى، بل دعا إلى النظر في الأنفس والآفاق، والتأمل في خلق السماوات والأرض، والسير في الأرض لاستخلاص السنن، واستحضار التاريخ لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. وكل هذه الدعوات تبدأ بسؤال ضمني: لماذا؟ وكيف؟ وما الحكمة؟ وبذلك يصبح السؤال هو القوة المحركة للفكر، وليس مجرد وسيلة للحصول على معلومة عابرة.
ومن اللافت أيضًا أن القرآن لم يربط السؤال بالشك الهدام، بل بالبحث المسؤول عن الحقيقة. فهو يدعو إلى سؤال أهل العلم عند الجهل، وإلى إقامة البرهان عند الاختلاف، وإلى الاحتكام للعقل عند النظر في الكون، وإلى الحوار عند تباين الآراء. وبهذا يحرر الإنسان من سلطة التقليد، ويجعله مسؤولًا عن قناعته، لأن المعرفة في التصور القرآني لا تُورث، وإنما تُكتسب بالسعي والنظر والتدبر. ولهذا جاءت الآيات التي تذم التقليد الأعمى في مقابل الآيات التي تمجد العقل والتفكر، وكأن القرآن يريد أن يؤسس ثقافة يكون السؤال فيها فضيلة معرفية، لا علامة ضعف أو تمرد.
وإذا تأملنا تاريخ الحضارة الإسلامية وجدنا أن ازدهارها العلمي لم يكن بعيدًا عن هذا المنهج القرآني؛ فقد قامت حركة الترجمة، والمناظرات، والبحث في الطب والفلك والرياضيات والفلسفة والفقه، على ثقافة السؤال قبل ثقافة الجواب. ولم يكن العلماء الكبار يبدأون من اليقين المكتمل، بل من السؤال الذي يفتح باب الاكتشاف. وهذا ما يجعل السؤال في القرآن أكثر من أسلوب بياني؛ إنه الأساس الذي قامت عليه حركة العقل في الحضارة الإسلامية حين فهم المسلمون أن الوحي لا يغلق أبواب التفكير، بل يفتحها، ولا يصادر العقل، بل يهديه إلى طرائق عمله.
ومن هنا يمكن القول إن القرآن يقدم رؤية متميزة للمعرفة الإنسانية، تقوم على أن المعرفة لا تُمنح للإنسان جاهزة، بل تُبنى من خلال التفاعل بين الوحي والعقل، وبين النص والواقع، وبين السؤال والجواب. فالوحي يرشد، والعقل يتدبر، والإنسان يكتشف، وبهذا تتولد المعرفة في حركة دائمة لا تعرف الجمود. وإذا كان السؤال هو أول خطوة في طريق العلم عند الفلاسفة والمفكرين، فإن القرآن قد سبق إلى جعله جزءًا من بنية الخطاب الإلهي، حتى غدا السؤال فيه ليس مجرد وسيلة للاستفهام، بل مدخلًا إلى إنتاج المعرفة الإنسانية، وبناء العقل، وتحرير الوعي، وصناعة الحضارة. ولعل هذه الحقيقة هي إحدى الرسائل الكبرى التي يحتاج الفكر الإسلامي المعاصر إلى إعادة اكتشافها؛ لأن الأمم التي تتوقف عن السؤال تتوقف عن التفكير، وإذا توقف التفكير توقفت المعرفة، وإذا توقفت المعرفة تعطل العمران، بينما يظل السؤال الصحيح هو البداية الحقيقية لكل نهضة علمية وحضارية.
ابحث
أضف تعليقاً