
بين طيف واسع من الاشتقاقات اللغوية الحاملة لمفاهيم متداخلة الدلالات، وعدد من المسميات الشاملة لتعريفات متنوعة، تخص مفردة الإرهاب المثيرة لأسوأ الانطباعات، قد يكون الإرهاب الفكري أكثر هذه الأنواع خطراً على أمن الأفراد واستقرار المجتمعات، في عالم حولته المعرفة التكنولوجية المتعاظمة وثورة الاتصالات إلى عالم صغير، تكاد الهمسة فيه تكون مسموعة على أوسع نطاق، فما بالك عن بلاغة الصورة وشيوع التصريح والمقال الصحفي؟
قبل الدخول إلى فضاء الإرهاب الفكري، والتحليق في مداراته المظلمة، وددت التعرف على مضمون هذا المفهوم لدى المراجع الفقهية والأكاديمية المعتمدة. فوجدت أن الإرهاب بمعناه الواسع، هو عدوان يمارسه فرد أو جماعة أو دولة، على إنسان مسالم، لأسباب ملتبسة، قد تكون عرقية أو طائفية أو جهوية، على نحو يستهدف المال أو العقل أو الدين، ويشمل التخويف والأذى والتهديد والقتل بغير وجه حق، وما يتصل بصور الحرابة وترويع السابلين وقطع الطريق.
وقد لا يكون العدوان على إنسان ما، عدوانا حسيا بالضرورة، ينال من جسده أو بيته أو ماله، إذ كثيرا ما يتخذ العدوان أشكالا أخرى أكثر فداحة، كأن يكون معنويا مؤذيا للسمعة الشخصية، ينبني على أسس فكرية هشة، يحجر على وعي المرء بالحقيقة كما هي، ويمنعه من حرية التفكير، باستخدام شتى وسائل الضغط النفسي والبدني والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، من أجل التحكم بإرادة الأفراد والمجتمعات، وتغيير الاتجاهات نحو أهداف سياسية أو قوالب فكرية أو معتقدات دينية، أو كل ذلك دفعة واحدة، تماما على نحو ما تنطق به آفة الإرهاب الشامل.
وإذا كان الإرهاب السياسي يخاطب الحكام والمسؤولين في المقام الأول، وأداته الفضلى هي القتل بلا رحمة والاغتيال أمام عدسات المصورين إذا أمكن، فإن الإرهاب الفكري، بوسائله "الناعمة"، يخاطب عامة الناس من دون تمييز، لاسيما النخب الثقافية والإعلامية وقادة الرأي العام، بما ينطوي عليه هذا النوع من تخويف وإفزاع وإرعاب، وبما ينخرط فيه من أناس يأتون من الهوامش، يبحثون عن ضالتهم المنشودة في تخوين الآخرين، شيطنتهم وتكفيرهم، ومن ثم الحط من شأن كل ذي رأي مخالف.
ولعل أحدث تجليات الإرهاب الفكري لدينا كانت الحملة، إن لم نقل الهجمة الكلامية الضارية، التي شنها البعض، وفق ما فاضت به منصات التفاعل الاجتماعي، وبعض وسائل الإعلام، في أسبوع ما قبل عيد الفطر، ليس ضد وجهة نظر الزميلة زليخة أبو ريشة، التي تناولت فيها خطاب الكراهية الرائج في الأسرة والمدرسة، وفي الإعلام والمجتمع والنظام التربوي، وإنما ضد شخصية زليخة بشحمها ولحمها.
وأحسب أن هذه الهجمة الهوجاء، التي شنها أناس يشهد مستواهم الثقافي على فظاظة الروح، والتشوش القيمي، والضحالة الفكرية لديهم، كانت تهدف إلى تكميم أفواه كل من يتمتع بحس نقدي، وشجاعة أدبية، وخشية من رواج خطاب الكراهية في أوساط الأجيال الطالعة، وأنصاف المتعلمين.
والحق أن هذه القراءة التعسفية لمداخلة زليخة، لم تكن زوبعة في فنجان، أو مجرد ملاسنة بين عابري سبيل، وإنما كانت أحد تطبيقات ظاهرة الإرهاب الفكري. وأوضح تجلياتها النافرة بالبنط العريض، بل وأشد صنوف هذا الإرهاب وحشية، كونه يشكل فاتحة عريضة لموجات لاحقة من الإرهاب الدامي، يطال أول ما يطال المثقفين الحقيقيين، والوطنيين الديمقراطيين، وكل من يمكن اتهامه بالليبرالية والعلمانية واليسارية، أو غير ذلك من الاتهامات الموجبة للقتل غير الرحيم.
ذلك أن القائمين على هذه الحملة الجارية تحت قوس حرية التعبير، والهادفة إلى إسكات زليخة، كانوا يستهدفون في واقع الأمر تكميم أفواه المدافعين عن قيم التسامح الديني والانفتاح الفكري والتعددية والإبداع، في مواجهة دعاة الانغلاق والإقصاء والظلامية.
ابحث
التعليقات
اللهم نوّر عقولنا و قلوبنا
اللهم نوّر عقولنا و قلوبنا بذكرك وكتابك العظيم.
أضف تعليقاً